خلط المفاهيم في زمن الفتن

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 19 يونيو 2021 الساعة 03:58:26 مساءً

كلمات دلالية :

الفتن
خلط المفاهيم في زمن الفتن

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما مزيدا

ايها المسلمون :على مر تاريخ الأمة الممتد لأكثر من ألف وأربعمائة عام مرت بالأمة أحداث كثيرة وتغيرات عظيمة تنوعت ما بين قوة وغلبة، وما بين ذل وانحطاط، تارة تكون في عزة ومنعة وتارة تكون في ضعف وهوان، تارة يكون هناك تقدم وانتصارات، وتارة تكون هناك هزائم وانكسارات، وهذه هي سنة الله -تبارك وتعالى- في خلقه، فليس هناك شيء يدوم على حاله، (وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)(آل عمران:140).

وإن المتأمل في واقع المسلمين اليوم يجد أن الأمة الإسلامية تمر بمنحنى صعب، وبمنعطف خطير جدا، وخلط للمفاهيم ، وتشنيع في حق الملتزمين ،وتشوية لصورة العلماء الربانين ،ورفع لعلماء السلاطين ،واظهارهم بالمجديين ، وتعيش مرحلة حساسة جدا في تاريخها الحديث، قد لا يستشعر البعض خطورة هذه المرحلة، ولكن يكفي أن تفتح قناة وأن تتابع فيها أخبار المآسي والقتل والدمار الذي لم تسلم منه بقعة من بقاع الديار الإسلامية.

يكفي أن تتابع تصريحات الأعداء وهم يتكلمون عن الأمة ويتحدثون عن قضاياها، بل ويقررون ويحددون مصيرها! بل ويفصحون عما يريدون فعله بهذه الأمة الإسلامية! يكفي أن تدرك خطورة هذه المرحلة أن تنظر في أحوال المسلمين الدينية والاقتصادية والسياسية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، يكفي أن تنظر إلى هذه الأحوال لأجل أن تدرك خطورة هذه المرحلة التي تعيشها الأمة اليوم.

لا أريد أن أتحدث عن تفاصيل، وإنما أريد أن أتحدث عن سمة من سمات هذه المرحلة التي نعيشها اليوم، هذه السمة -أيها الأحباب- سمة التيه، والاضطراب الفكري، والتخبط، والخلط بين المفاهيم؛ شيء عجيب، وأمر غريب، تعيشه الأمة اليوم، اختلطت فيه المفاهيم والتصورات؛ حتى أصبح الحليم اليوم حيران، لا يدري إلى أين يتجه، ولا يدري بماذا يأخذ.

صور من خلط المفاهيم:

الافضلية في النسب لا في العمل: ان الاسلام واضح المعالم لا يفضل احدا بنسبه وانما بقدر انتسابه للاسلام  ومن تطبيقات ذلك ان الخليفة الراشد الملهم ‏عمر بن الخطاب رضي الله عنه أذن لبلال بالدخول عليه قبل ابي سفيان ولما ‏سئل عن ذلك قال: بلال اسبق اسلاما وهجرة من ابي سفيان وقوم ابي سفيان, وما قاله عمر رضي الله عنه حق, فالأحساب والانساب ‏لا قيمة لها في ميزان الاسلام, وانما يثقل وزن الرجل بهذا الميزان بالتقى والجهاد والسبق بالصالحات.

المال هو الميزان وليس الايمان:  وهذا المفهوم المغلوط هو الذي يقاس به الناس اليوم وان كان صاحب المال من افجر خلق الله لان نفوسهم ‏تحوم حول متاع الدنيا الفاني وان لعابهم يسيل كلما تذكروا هذا المتاع الزائل القليل, بل ان طلاب الدنيا ‏يعتبرون بميزانهم المختل ومفهومهم لما هو خير وافضل, يعتبرون السعيد من ظفر بالمال وولغ في لذائذ الحياة ‏‏... وفي قصة قارون مثل على ميزان هؤلاء  فقد اوتي قارون من المال ما اخبر الله ‏عنه (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) ثم حصل ما قصه ‏الله علينا: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا ‏مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) ولكن العارفين بالله الماسكين بميزان الاسلام ‏المدركين قدر ثواب الله , لم يرضهم قول اولئك فردوا عليهم بما اخبرنا الله به : ‏‏(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ‏الصَّابِرُونَ ) فثواب الله (خير) من المال الذ اوتيه قارون ولكن اكثر الناس لا يعلمون. ويتكرر هذا المشهد في كل عصر فهناك من يمثل قارون والمتمنين ‏مكانته, وهناك من ينظر الى ما عند الله ‏من ثواب فيستحقر ما عند امثال قارون ويرد على اولئك المتمنين (وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ‏...).

الوقوف مع الظالم ضد المظلوم: من اعظم الامر خلطاً للمفاهيم تصوير الظالم انه عادل وتبرر مواقفه، والسعي لإقناع الناس بقبوله والرضا بوجوده، رغم ظلمه المتكرر، ومعاصيه الظاهرة إما خوفاً من الظالم، أو طمعاً في ما عنده من مال أو منصب أو جاه حتى قال قائلهم يوم أن برر زلزالاً أصاب مصر بقوله:ما زلزت مصر من كيد ألم بها...لكنها رقصت من عدلكم طرباً.

 ولذلك جاء التحذير من الركون إلى الظالمين يقول الله تعالى : (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (هود:113). قد جاء التحذير من الركون إلى الظالمين مطلقاً، بمعنى يحرم الميل للظالمين والركون إليهم ولو بالشيء اليسير؛ وذلك لأن المطلوب الوقوف مع المظلوم، ونصرته والدفاع عنه، و مقاومة الظالم، ورفض ظلمه ومنكره، لا الموافقة عليه، والدعاء له بالبقاء والنجاح والتوفيق، وتخذيل الناس عن معارضته والإنكار عليه.

والركون إلى الظالمين، تكسبهم قوة، وتخذل الناس عن نصرة الحق، و تخلخل الصفوف، وتنشر الفتنة بين الناس، وتشجع الظالم على زيادة ظلمه وطغيانه.

يقول الإمام الألوسي رحمه الله : " لولا القضاة السوء والعلماء السوء، لقل فساد الملوك، بل لو اتفق العلماء في كل عصر على الحق ودفع الظلم مجتهدين في ذلك، مستفرغين جهودهم، لما اجترأ الملوك على الفساد، ولاضمحل الظلم من بينهم".

في زمن السعي لنصرة الظالم، والوقوف ضد المظلوم  ترى احكام القضاء ،تحكم بأعدام العلماء والدعاة وترى من يبرر الاعدامات ، وهذا جزاء،من خلط المفاهيم وتنتعش البيئة الفاسدة لتعيد إنتاج التخلف بتغذية بذور الهزيمة وهدر القيم والمبادئ الإنسانية، حتى لايكون للامة مستقبل ،ولا لها مكانة .

ايها الاخوة المسلمون : أن دين الإسلام منهج حياة مُهَيمن على كل تصرفات الإنسان، لايتعصب لنسبه ،ولا ميزان لصاحب المال ان كان فاجراً ،ولا يقف مع ظالم ضد مظلوم ، الاسلام دين شامل ،لشؤون الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية وغيرها؛  ولا يقبل من يرددون مقالات مستوردة؛ كقولهم: (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)، وقولهم: (لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة)بل يقال لهم بأن لله كل أمر ونهي وتدبير وحكم وقضاء، ( قُلْ إِنَّ الأْمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) (آل عمران: 1549، ويقول جل وعلا: ( لِلَّهِ الأْمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ) (الروم: 4).

وقد أنكر الإسلام أشد الإنكار على من يأخذ من الدين ما يهوى، ويدع ما لا يوافق هواه، وينسى أن الإسلام كلٌّ لا يتجزأ، يقول الله جل وعلا: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ) (النساء: 150، 151).

 

 الخطبة الثانية

ايهاالمسلمون: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يحرص أشد الحرص على أن يوضح المفاهيم للناس ويبينها لهم بينا شافيا كافيا، وكان يعتني أشد العناية بإزالة الإشكالات والأخطاء التي تقع في التصورات عند الناس؛ لأنه كان -صلى الله عليه وسلم- يدرك إدراكا يقينيا أن الخطأ في الفهم ينتج خطأ في الفعل، وأن التصورات إذا انحرفت أدت إلى انحراف في الواقع، فكان -صلى الله عليه وسلم- لا يترك مفهوما خاطئا ينشأ عند الناس إلا ويبادر بعلاجه؛ لأن هذا المفهوم إذا استقر في النفوس ورسخ فيها يصعب بعد ذلك تصحيحه.

بين النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرا من المفاهيم، بين مفهوم المسلم ومفهوم المؤمن والمهاجر والمجاهد، بين معنى المفلس ومعنى الكبر، وغير ذلك من الأمور، قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقال: "المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأعراضهم"، وقال: "المهاجر من هجر ما نهى الله -عز وجل- عنه"، وهكذا أمثلة كثيرة لا تعد ولا تحصى في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- تدل على حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- واعتنائه الشديد بتصحيح المفاهيم.

ايها الاخوة المسلمون :حين انحرفت المفاهيم ووجد فيها الخلط حصل التناقض في حياة المسلمين، وجد من المسلمين من يشرب الخمر ثم يأتي ويسأل ويقول: شربت الخمر ولم أقل بسم الله فما الحكم!. 

ويأتي رجل إلى الإمام احمد وهو أحد الجلادين الذين كانوا يعذبونه ظلما وعدوانا فيسأله يقول: يا إمام، إذا جلدتك تطاير الدم على ثوبي، فما حكم الصلاة في هذا الثوب الذي فيه دم من دمك؟ سبحان الله! يسأل عن الصلاة ولا يسأل عن الظلم الذي يفعله ويرتكبه.

واسمعوا -أيها الأحباب- إلى هذه القصة العجيبة الغريبة التي تدل على مدى تأثير اختلاط المفاهيم وكيف يكون أثرها في الواقع: يروي الإمام ابن الأثير المؤرخ -رحمه الله- أن جماعة من الخوارج في عهد التابعين لقوا عبد الله بن خباب بن الأرت -رحمه الله- فقالوا له: من أنت؟ قال عبد الله بن خباب صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكلكم تعرفون من هو خباب بن الأرت، صاحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحد السابقين الأولين؛ فسألوه عدة أسئلة، وكان مما سألوه: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهم خيرا، قالوا: فما تقول في عثمان في أول خلافته وآخرها؟ قال إنه محق في أول خلافته وآخرها، فما تقول في علي قبل التحكيم وبعد التحكيم؟ فقال -رحمه الله- إنه أعلم بالله منكم، وأشد توقيا على دينه، وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك رجل تتبع الأهواء، وتقلد الرجال في أسمائهم لا في أفعالهم، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها لأحد، فأخذوه وكتفوه وأضجعوه تحت نخلة، فسقطت رطبة من هذه النخلة فأخذها أحدهم ليأكلها فصاح به الآخر، قال: اتق الله! كيف تأخذها بغير حلها وثمنها؟ فتركها! الآن سيقتلون مسلما بغير حق ويتحرزون من التمرة!.

ثم مر خنزير لرجل من أهل الذمة، ليهودي أو نصراني، فقام إليه أحدهم فضربه بالسيف وقتله فصاحوا به: هذا فساد في الأرض،كيف تقتل هذا الخنزير لرجل من أهل الذمة؟ فذهب إلى صاحبه وأرضاه، أعطاه من المال حتى رضي، فلما رأى عبد الله منهم هذه التصرفات أمل خيرا، أناس يتورعون في التمرة ويتورعون في خنزير لذمي، فقال -رحمه الله-: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي منكم بأس، إني مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثا ولقد أمنتموني، أنتم قلتم لي لا روع عليك، أعطيتموني الأمان وأرى منكم هذا الورع، فأخذوه وذبحوه، ثم قتلوا امرأته وبقروا بطنها وكانت حاملا.

الثبات على الدين (عز ونصر وفوز)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالدين، وشرَّف به المؤمنين، وحط من قدر الكفار والمنافقين، فوصفهم في كتابه الكريم

إعجابُ المرء بنفسه

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أي

عائشة رضي الله عنها في بيت النبوة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ