مع الله مستقبلك

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 6 مارس 2021 الساعة 04:54:50 مساءً
مع الله مستقبلك

الحمدُ لله الذي حفِظَ بالدين للمُسلم مُستقبلَه، وأنعمَ عليه بالشرائِعِ وزيَّنَه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له أعَزَّ العبدَ بالإسلام وكرَّمَه، وأشهدُ أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أدنَاه ربُّه وبالأخلاقِ جمَّلَه وعطَّرَه، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبِه ومَن سارَ على نهجِه فوفَّقَه الله وسدَّدَه.

ايها المسلمون: عُمرُ الإنسان يتنقَّلُ بين ماضٍ مفقُود، وحاضِرٍ مشهُود، ومُستقبَلٍ موعُود، قال الله تعالى) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) [نوح: 14(خلقَ الله الإنسانَ جَنينًا في بَطن أمِّه، ثم وُلِد طفلًا، ثم صارَ شابًّا قويًّا، ثم كَهلًا، فما كان مُستقبَلًا يصِيرُ حاضِرًا، والحاضِرُ يُصبِحُ ماضِيًا، والذي يشغَلُ عقلَ الإنسان ويملَأُ عليه وقتَه هو التفكيرُ في المُستقبَل.

ولقد تقرَّرَ في عقيدة المُسلم: أن المُستقبَل من علمِ الغيبِ الذي لا يُحيطُ به إلا الخالِقُ سبحانه قال الله تعالى (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) [النمل: 65(وحوادِثُ المُستقبَل علمُها عند الله، قال الله تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 34(

لكن التطلُّع إلى المُستقبَل والشَّوقَ إلى معرفتِه، واستِشرافَه من فِطرةِ الله التي فطَرَ اللهُ الناسَ عليها، والنفوسُ مجبُولةٌ عليه، وهو مِن صَميمِ الإسلام، ورِسالةُ الأنبياء وبه أحسن التخطيطَ والتدبيرَ، حتى تقدم على الله وهو راض عنك فيكون المستقبل الله.

المستقبل الحقيقي ليست الدنيا: وقد ضرب الله لنا مثل الدنيا بالمشهد الذي نراه في فصل الخريف قال الله تعالى: (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا) (الكهف/45) ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الدنيا حلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون) أن الإنسان فينا إذا رأى الدنيا انخدع بها وبأحوالها لكنها سرعان ما تزول حلاوتها وبهجتها ونضرتها لانها ليست المستقبل.

ايها المسلمون: من أكثر المواقف التي كررها الله في كتابه موقفُ سحرة فرعون مع موسى وفرعون، هو حقيقٌ أن يتأمَّلَ وأن يعتبرَ منه، كانوا في مكانتهم بين قومهم وشهرتهم بين الناس، وغِناهم في قصورهم وممتلكاتهم، وكانوا أخصَّ السَحَرة وأعلمهم بالسحر في مملكة اشتهرت بالسحر والشعوذة، حتى إن فرعون أرسل في المدائن والأقاليم ليحشروا السحرة إليه، وقال: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ٱئْتُونِى بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٍۢ) (يونس - 79) أي البالغ في سحره مبلغًا عظيمًا.

ولما جاء السحرة الى فرعون واجتمع فرعون بهم بداء طلب السحرة من فرعون كما صور الله ذلك المشهد (إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) (الأعراف: من الآية113) قال فرعون لهم (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) (الأعراف:114)، يعني جاه ومنصب وقرب من السلطان.

فحدد يوم اللقاء : (قَالَ مَوعِدُكُم يَومُ الزِّينَةِ وَأَن يُحشَرَ النَّاسُ ضُحًى) (21) ويكتب الله - عز وجل - أن تكون المقارعة علانية أمام الناس لئلا يمكن إخفاء الحقيقة التي ستظهر وحتى لا يحجب عن الناس صدق موسى عليه السلام  (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ) (الشعراء: 38، 39)؛ فجمعُ النَّاسِ لا لأجلِ اتِّباعِ الحقِّ، وإنما لاتِّباعِ السَّحرةِ فقط إن غَلبوا، وعدمِ اتِّباعِ موسى عليه السَّلامُ وإن فازَ!؛ (لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ)(الشعراء: 40) بدأتْ المواجهةُ اللَّفظيَّةُ بينَ الطَّرفينَ، (قَالَ لَهُمْ مُوسَى) [طه: 61]: أيُّها السَّحرةُ، لا تنصروا الباطلَ وأهلَه، (وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ) [طه: 61]، بهذا السِّحرِ الذي تَصدُّونَ به النَّاسَ عن السَّبيلِ، وأنتم تعلمونَ أنَّه كَذبٌ وتَخييلٌ، ألا تَخافونَ أن يُسْحِتَكُمْ اللهُ بِعَذَابٍ، فَيَستأَصِلَكم فلا تَبقَى منكم عينٌ تَطرفُ؟! (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى) [طه: 61]، فكيفَ بمن افترى على اللهِ ورُسلِه، (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) [هود: 18]، وصدقَ اللهُ الواحدُ القهَّارُ، فمصيرُ أهلِ الافتراءِ هو الخيبةُ والخسارُ.

وَصلتْ هذه الكلماتُ الصَّادقةُ من موسى عليه السَّلامُ إلى الأعماقِ، فَأثَّرتْ غَايةَ التَّأثيرِ وبدأَ بينَهم الشِّقاقُ، (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ)[طه: 62]؛ وقعتْ كلماتُه كالقذيفةِ في معسكرِ السَّحرةِ ففرَّقتهم أحزاباً، (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى)[طه: 62]؛ وأخفوا الخلافَ بينَهم حتى لا يسمعَهُ أحدٌ، ولكنْ أخبرنا اللهُ -تعالى- عن حديثِهم: (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى))طه: 63)، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: إنَّ موسى وهارونَ ساحرانِ وليسا نبيينِ، وإنَّهما يُريدانِ أن يُخرجاكم من أرضِكم، ويذهبا بما كانَ لكم من الفَخرِ والمَالِ والشُّهرةِ بسببِ السِّحرِ، وهكذا عندما يعجزُ أهلُ الباطلِ عن مواجهةِ الحقِّ؛ فإنَّهم يستخدمونَ سلاحَ الكَذبِ وتشويهِ السُّمعةِ، (فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى))طه: 64) اجتمعوا كُلَّكم صَفاً واحداً، وأَلقوا ما في أَيديكم مَرةً واحدةً؛ لتُبهروا القلوبَ والأبصارَ، وتحوزوا الفلاحَ والانتصارَ, وسبحانَ الله! حتى أهلَ الباطلِ يعلمونَ أهميَّةَ الاجتماعِ في العلوِّ والنَّصرِ.

فتقدموا وهم يتظاهرونَ بالقوَّةِ والجَلَدِ: (قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ))طه: 65 ((وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا))طه: 65، 66)؛ هذهِ هي الثِّقةُ باللهِ فليسَ مُهماً أن تكونَ أولَ من ألقى، ولكن المُهم أن تكونَ أصدقَ من ألقى، )فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ)(الشعراء: 44)(فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)(طه: 66)(فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ))الأعراف: 116)، حتى أنَّ الأرضَ مُلِئَتْ حيَّاتٍ تَسعى للنَّاظرينَ؛ لِكَثرةِ ما ألقَوا من الحِبالِ والعِصِيِّ، فخافَ النَّاسُ مِن كَثرتِها (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى)(طه: 67(، خوفُ النَّاصحِ المُصلحِ الحريصِ على هدايةِ النَّاسِ، خوفُه على النَّاسِ أن يَفتتنوا بهذا السِّحرِ ويَغتروا بهِ, ولكن هنا يأتِ التَّثبيتُ من اللهِ تعالى لأوليائه، )قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)(طه: 68(، فمن كانَ اللهُ تعالى معه ومن كان مستقبله الله فهو الغالِبُ القاهِرُ، فأنتَ المنتَصِرُ على فِرعَونَ وسَحَرتِه وجُندِه، اننا نحتاجُ إذا شَعرنا بالخوفِ على دينِ اللهِ أن يُهزمَ، مَن يصرخُ في أعماقِنا: (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى)* (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى)(طه: 69)، وإذا بها تتحوَّلُ إلى ثُعبانٍ ضَخمٍ يبتَلِعُ بقُوَّةٍ وسُرعةٍ جَميعَ الحِبالِ والعِصِيِّ التي خَيَّلوا إلى النَّاسِ بسِحرِهم أنها حيَّاتٌ تتحَرَّكُ؛ كما قالَ -تعالى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ))الأعراف: 117: 119) (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)(الإسراء: 81).

ثم حدثتْ المُفاجأةُ؛ (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) (طه: 70) هؤلاءِ الذينَ ألقوا الحبالَ والعِصيَّ سِحراً وكُفراً قبلَ قليلٍ، ها هم يُلقونَ جِباهَهم على الأرضِ إيماناً بالعزيزِ الجليلِ!

لا إلهَ إلا اللهُ، هل تتخيلونَ هذا المنظرَ الذي يُبهجُ أهلُ الإيمانِ، ويُغيظُ أهلُ الكُفرِ والعِصيانِ، جميعُ السَّحرةِ في وقتٍ واحدٍ يسجدونَ مُذعنينَ لربِّ هارونَ وموسى، أمامَ النَّاسِ، وأمامَ فِرعونَ، وأمامَ الجنودِ، فيا فرحةَ موسى وهارونَ!، ويا فرحةَ أهلِ الإيمانِ، في كلِّ زمانٍ ومكانٍ!، وهكذا ينتصرُ الحقُ لِزاماً، وعداً من اللهِ، (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) (الأنبياء: 18(

هنا أُسقطَ في يدِ فِرعونَ، وكيفَ له أن يخرجَ من هذا الموقفِ العصيبِ، (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) (الأعراف: 123]، وعجباً لهذا الطاغيةِ المُستبدِّ الذي اعتادَ على أن يستأذنَه النَّاسُ في كلِّ ما يعملونَ، ولا يعلمُ المسكينُ أن الإيمانَ إنَّما يتغلغلُ إلى القلوبِ بُلطفٍ لا يحتاجُ إلى استئذان لان المستقبل هو الله وليس الطغاة.

ثُمَّ جاءت التُّهمُ المعروفةُ لتنفيرِ النَّاسِ عن المُصلحينَ، الأولى (إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا)) الأعراف: 123]؛ الإخلالِ بأمنِ البلادِ، الثانية) إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) (طه: 71)، تخطيطٌ وحيلةٌ لأجلِ خِداعِ العِبادِ.

ثُمَّ تأتي التَّهديداتُ، الأولى:(فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ) (طه: 71]، الثَّانيةُ) وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)) طه: 71(، ثُمَّ زَعمَ أمامَ الجماهيرِ أنَّ عذابَه هو الأقوى والأشدُّ، (وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى) [طه: 71(.

عجباً لكَ يا فرعونُ!، هل خَطرَ يوماً على بالِك أنَّ عذابَكَ أشَدُّ من عذابِ اللهِ وأبقى؟، أم إنَّه الكِبرُ والطُّغيانُ؟، أو هو الكَذبُ والبُهتانُ؟، فأينَ أنتَ اليومَ؟! أخبرنا عن برنامجِك في الغداةِ والعشيِّ، (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر: 46]، وستكونُ القائدُ وحاملُ الرَّايةِ يومَ القيامةِ، فبئسَ القائدُ والأتباعُ، (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (هود: 98(

الثانية

أما بعدُ: فدعونا نرجعُ إلى نِهايةِ الموقفِ في آخرِ الضُّحى، ماذا كانَ موقفُ السَّحرةِ؟! ماذا كانَ موقفُ المؤمنينَ، وهم يقفونَ أمامَ أعظمِ طاغيةٍ عرفتْه البشريةُ، وهو يهدِّدُ تهديداً فَصلاً ليسَ بالهَزلِ؟ اسمعوا إلى هذا التَّسلسلِ البديعِ، والذي صنعَه الإيمانُ الخالصُ، ويعلموا ان المستقبل الله وليس الطغاة (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (طه: 72(، كانوا قبلَ قليلٍ يبحثونَ عن الأجرِ الدُّنيويِّ، والآنَ أصبحتْ الدُّنيا كلُّها شيئاً تافهاً، فما الذي تغيَّرَ؟) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (طه: 73(.

ثُمَّ أصبحوا دُعاةً لدينِهم، يَعظونَ فِرعونَ ومن معَه، (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى)(طه: 74 : 76(، )وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)(الأعراف: 126(، فما أجملَهما من وفاةٍ على الإسلامِ!، فكانوا أولَّ النَّهارِ كُفَّاراً سحرةً، وأصبحوا آخرَه شُهداءَ بررةً، فعجبٌ عُجابٍ، لثباتٍ يَذهبُ بالألبابِ!.

هل سألنا أنفسَنا يوماً -ونحنُ الذينَ قضينا في الإسلامِ سنيناً طويلةً- هل نجدُ من الإيمانِ ما وجدَه هؤلاءِ السَّحرةُ في دقائقَ قليلةٍ؟، أخبروني عن المبادئ؟، حدِّثوني عن القِيمِ؟، ذكرِّوني بالثَّوابتِ التي تربينا عليها من كتابِ اللهِ -تعالى- وسُنَّةِ رسولِه -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، لماذا نرى التَّنازلاتِ في ظِلِّ الفِتنِ والمُتغيِّراتِ؟! فمع ضَغطِ الواقعِ أو أدنى شهوةٍ أو أقلِّ حظٍّ من متاعِ الدُّنيا الزَّائلِ، نجدُ الأعذارَ الواهيةَ والمُبرِّراتِ؛ لأجلِ مُخادعةِ النَّفسِ واتِّباعِ الشَّهواتِ، فأينَ الإيمانُ الذي تُخالطُ بشاشتُه القلوبَ؟، قالَ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ؛ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ -تَعَالَى- أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ".

 

الثبات على الدين (عز ونصر وفوز)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالدين، وشرَّف به المؤمنين، وحط من قدر الكفار والمنافقين، فوصفهم في كتابه الكريم

إعجابُ المرء بنفسه

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أي

عائشة رضي الله عنها في بيت النبوة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ