المناعة الإيمانية

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 28 نوفمبر 2020 الساعة 06:30:31 مساءً
المناعة الإيمانية

الحمد لله عالم السر وأخفى، المحيط بكل شيء علماً، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المسلمون: أعظم نعمة وأجلّ مِنّة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، بعقيدة صافية تحقق الصلاح والخير، وتدرأ الشقاء والشر، بما تضمنته من ركائز العدالة والأخوة، ومن دعائم الحرية والمساواة والسلام، وبما اشتملت عليه من أخلاق تطهر النفوس، وتربي الضمائر على أنبل الصفات وأكرم الفضائل وأعلى المثل.

إخوة الإسلام، إن العقيدة التي أرسى النبي محمد صلى الله عليه وسلم قواعدها، وثبَّت أصولها هي مصدر الخيرات ومنبع السعادة والمسرات، وذلك لمن رعاها حق رعايتها، واتبع هداها، والتزم بمقتضاها، (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـٰهَا) [الشمس:9، 10].

هي الشجرة الطيبة، يانعة الثمار، دائمة الأكل، مهما امتد الزمان واحتدّ الصراع، وعسر الطريق وعظمت الخطوب، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَاء * تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا) [إبراهيم:24، 25].

العقيدة الإيمانية ذخيرة الخير لبني الإنسان، بدونها تلتوي عليهم السبل، وتكتنفهم الهواجس، ويستبدّ بهم القلق، ويتيهون في غمار الحيرة والضياع والخسار، (وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ) [سورة العصر].

العقيدة الإيمانية التي جاء بها نبينا محمد محمد صلى الله عليه وسلم رافدا دائم ومدد قوي لتيار الخير والصلاح، وحاجز منيع لصدّ دواعي الشر وطغيانه المدمر، صاحبها لا يزلّ عن مسلك قويم ومنهج مستقيم، ولا تحيط به جواذب الأهواء، أو تستبدّ به زخارف الحياة ومغرياتها، (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:38]، (إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ) [الإسراء:9].

إخوة الإيمان، بالعقيدة الصحيحة يعرف الإنسان موضعه الصحيح، ويستنير له دربه القويم في هذه الحياة، سيراً على الهدى والبصيرة، وسلوكاً للحق والرشاد، في معالم واضحة، وخطى ثابتة، وهدف مرسوم، يعمر من خلالها الحياة بكل خير، ويقيم فيها المثل العليا، والمناهج الفضلى، وفق فطرة نقية، وضمير طاهر، وإرادة موجِّهة إلى الإصلاح والفضائل، وتصميم جازم في البعد عن القبائح والرذائل، والذين آمنوا وعملوا الصالحات سيهديهم ويصلح بالهم.

أمة محمد محمد صلى الله عليه وسلم ، آثار الإيمان في النفوس بالغة، وثمار العقيدة الصحيحة في الحياة عجيبة، فإلى جانب تطهيرها للنفوس، وإنمائها لمعاني الخير فيها، فهي ذخيرة حية لا تنفد بمدّ الإنسان بالقوة والصبر، والثبات والمثابرة، والطمأنينة والأمل في معركة الحياة التي يحتدم فيها الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، والسعادة والشقاء، إذ تُعطي الأمن المطلق، والاهتداء التام، والنور الكامل،  ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ  [الرعد:28]،  ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلأمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ  [الأنعام:82].

الإيمان الصحيح يزود العبد بطاقة كبيرة من اليقين والثقة، وشحنة عظيمة من الصبر والطمأنينة، تأتيه النعم فلا يبطر ولا يستكبر، بل يحمد ويشكر، وتصيبه المحن، وتحلّ به الشدائد، فلا يقنط ولا ينهار، أو تمزق قلبه الهموم والحسرات، بل يعتصم بالصبر، ويرضى بالقدر، ويستمسك بعزائم الأمور. نعم ؛ لأنه يعيش بعقيدته في عطاء دائم، وفق وضوح رؤية، وقوة إدراك وإرادة، ونفوذ بصيرة، يستمد من خلال ذلك قوة الصمود إزاء الأحداث والفتن، فلا تهزّه أعاصيره العاتية، ولا تنال منه محنه القاسية، ولا يصرفه شيء عن إيمانه وتحقيق رضا ربه، مهما كانت من رغبة مغرية، أو رهبة مؤذية، بل لا تزيده إلا ألقـًا وصفاءً، وإخلاصاً وصدقاً، وصبراً وثباتاً يقول صلى الله عليه وسلم : ((عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)) [رواه مسلم]

أمة الإسلام، إن الأمة التي تحكمها عقيدة التوحيد، وتضبط حياتها حقائق الإيمان ومقوماته، أمةٌ ذات قوة ذاتية وحصانة طبيعية، تجعلها قادرةً بإذن الله على التغلب على نتائج المحن، وآثار الأزمات، وموجات الفتن.

من خصائص هذه الأمةِ أمةِ محمد صلى الله عليه وسلم المناعة المتحققة في كيانها، والتي تحول دون المصائب أن تزعزع ثقتها بربها، والتي تحجز دون نشر ضباب اليأس أن يدبّ في نفوس أبنائها، بل هي أمة لا تزيدها اللأواء والشدائد إلا السير الحثيث في جهود الخير، والتصميم الأكيد على الإصلاح وعمارة الحياة، دون سقوط أو تعثر.

ولا غرو، فهي أمة مرّ بها ويمر بها عبر تأريخها الطويل أيام عصيبة ونكبات شتى، لو أصابت أمةً غيرها لقضت عليها، وأبادتها وجعلتها أثراً بعد عين، لكنها أمة رباها محمد ، مرتبطة بربها، واثقة بوعده، مستيقنة بنصره، (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِى لاَ يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً) [النور:55].

إخوة الإيمان، إن البعد عن منبع الإيمان العذب، والإخلال بحقائق العقيدة وإقصاءها عن مناحي الحياة، والانصراف عن نورها الوضيء، كل ذلك باعث أزمات خطيرة، وسبب مشكلات كبيرة، ومصدر شقاء دائم، وبلاء مستمر، تجعل العيش في هذه الحياة في ظمأ دائم، وظلام دامس، لا هدوء فيها ولا هناء، ولا سعادة ولا رخاء، قلق مستقر، واضطراب مستمر، وغرق في لجج المتاعب، ثم نهاية بائسة، ومصير مرير، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ) [طه:124].

وما يعصف اليوم بالإنسانية من رياح الشر، ويخيم عليها من نذر الفناء، وما يهددها من أشباح الحروب المدمرة، كل ذلك مصدره الحقيقي بُعد كثير من عالم اليوم عن المنهج الإلهي، والعقيدة الربانية، والطريقة المحمدية، ومبادئ العدالة والحرية والمساواة، ومنطق العقل والحكمة والتروي، (إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى) [النحل:90]، (وَلاَ تَبْغِ ٱلْفَسَادَ فِى ٱلأرْضِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]، (وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ) [البقرة:190]، (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ) [الأنعام:164].

أيها المسلمون، تصاب الأمم في بعض أدوارها بكوارث ونكبات، وإن الخطر المخيف ليس في وقوع تلك المصائب والآلام، ولكنه الخطأ في أسلوب علاج التغلب عليها، والانحراف في تطويق نتائجها، وعدم التعقل لأسباب الحيلولة دون استطرادها، فسوء التقدير لمثل ذلك، وعدم التبصر في الحقائق لا ينجم عنه سوى السقوط المرير، والمصير الرهيب المليء بالعثرات، والمزدحم بالمزالق والعواقب السيئة، (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ) [الحجرات:6]

الثانية

إخوة الإيمان في كل مكان، تمرّ أمة محمد بأحوال مريرة، وتعيش ظروفاً صعبة، المخاطر تحيط بها، والمخاوف تحدق بأبنائها، لذا فالمسلمون حقاً يتطلعون إلى وضع يكونون فيه أحسن حالاً، وأكثر صلابة وعزما، وأهنأ عيشاً، وأكرم مآلاً.

وثمة حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أحد ولا عن محلل أو مفكّر، وهي أن لهذه الأمة طبيعة ذاتية تميزها عن غيرها، وهي أنها أمة عقيدة، مبناها على الاستسلام لرب العالمين، والخضوع الكامل له عز وجل، فتلك العقيدة، والعمل بمقتضاها، والوقوف عند حدودها في جميع شؤون الحياة هو صمام الأمان، وضابط الزمام، (إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ) [الحج:38]، (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24].

إنه لا مخرج للأمة الإسلامية من كل ما تعانيه إلا بالرجوع الصادق إلى الله جل وعلا، والتمسك الحقيقي بسنة نبيها صلى الله عليه وسلم  ، والصدق الظاهر والباطن لدينها، لا منقذ إلا التوجه النابع من القلب لمحبة الله جل وعلا، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم  ، محبةً توجب الوقوف عند الأوامر، والانزجار عن النواهي، والعمل بالشريعة في الحكم والتحاكم، وفي جميع شؤون الحياة كلها، صغيرها وكبيرها، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلاً مُّبِيناً) [الأحزاب:36].

لقد آن لقلوب ميتة أن تحيى، ولمرآة مطموسة أن تصقل فتصفى، لقد آن لمن كان ساهياً أن يتذكر، ولمن كان غارقاً في القبائح أن يعلق بسفينة النجاة لينجى، واستمعوا ـ رحمكم الله ـ إلى هذا التوجيه الرباني الذي يهز القلوب، (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَـٰسِقُونَ * ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلآيَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*.[الحديد:16، 17].

 

الثبات على الدين (عز ونصر وفوز)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالدين، وشرَّف به المؤمنين، وحط من قدر الكفار والمنافقين، فوصفهم في كتابه الكريم

إعجابُ المرء بنفسه

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أي

عائشة رضي الله عنها في بيت النبوة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ