التَّشَدُّق والتكلُّف في الكلام

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 19 نوفمبر 2020 الساعة 07:14:28 مساءً
التَّشَدُّق والتكلُّف في الكلام

التَّشَدُّق في الكلام هو تكلُّف السجع، والتَّعمُّق، والمبالغة في إظهار الفصاحة في النطق.

والمُتشدق هو المُتطاول على الناس بكلامه، ويتكلَّم بملء فيه؛ تفَصُّحًا وتعظيمًا لكلامه، وهذا من التَّنطُّع الذي نهى الشرع عنه.

• فقد أخرج الإمام مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلَك المُتَنَطِّعُون))؛ قالها ثلاثًا.

والتَّنطُّع في الكلام: هو التَّعمُّق فيه، والتفاصح، وتكلُّف البلاغة في أساليب الكلام.

فالمُتَنَطِّعُون هم المُتعمِّقُون المتجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم؛ (انظر: جامع الأصول لابن الأثير: 11/ 733).

• ولقد ذمَّ النبي صلى الله عليه وسلم التَّشَدُّق في الكلام، وتكلُّف السجع والفصاحة؛ فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن مصعب بن سعد رضي الله عنهما قال:

جاء عُمر بن سعد إلى أبيه يسأله حاجة، فتكلَّم بينَ حاجته بكلام، فقال له سعد رضي الله عنه: ما كنتَ مِن حاجتك أبعدَ منك اليوم؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يأتي على الناس زمانٌ يتخلَّلُون فيه الكلامَ بألسنتهم كما تتخلَّلُ البقرُ الكلأَ بألسنتها))، وفي رواية: ((سيكون قومٌ يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر من الأرض))؛ (صحيح الجامع: 3670) (الصحيحة: 419).

• ووجه الشبه: إدارةُ لسانِه حول أسنانه وفمه حالَ التكلُّم، كما تَفعَل البقرة بلسانها حالَ الأكل، وخَصَّ البقرة من بين البهائم؛ لأن سائرها تأخذ النبات بأسنانها، والبقرة لا تَحتشُّ إلا بلسانها، وقال القاضي: "شبَّه إدارة لسانه حول الأسنان والفم حال التكلُّم تفاصُحًا - بما يَفعل البقر، وما ذكر من أن الراوية: ((يتخلَّلُ)) بخاء معجمة هو المشهور، وفي بعض نسخ المصابيح: ((يتجلَّل)) بالجيم، قال القاضي: فيكون تشبيهًا له في تكلُّمِه بالهجر وفحش الكلام بالجلالة في تناول النجاسات".

وقيل: "إن وجه الشبه أن هؤلاء يتَّخِذون ألسنتهم ذريعةً إلى مأكلهم، كما تأخذ البقر بألسنتها، فهؤلاء لا يهتدون إلى مأكلهم؛ أمِن حلال أم من حرام؟ ولا يُميِّزُون بين الحق والباطل، والحلال والحرام، كما لا تُميِّز البقرة في رعيها بين رطب ويابس، وحلو ومر، بل تلف الكل"؛ (انظر: فيض القدير: 4/ 3016).

• وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إن شقاشق الكلام[1] من شقاشق الشيطان".

• وفي لفظ: "إن كثرة الكلام في الخطب من شقاشق الشيطان".

• يقول الغزالي رحمه الله في كتابه "الإحياء" (3/ 162):

"ولا يدخل في هذا تحسينُ كلام الخطابة والتذكير، مِن غير إفراطٍ وإغراب؛ فإن المقصود منها تحريكُ القلوب وتشويقها، وقبضُها وبَسطها؛ فلِرَشاقة اللفظ تأثيرٌ فيه، فهو لائق به، أما المحاولات التي تجرى لقضاء الحاجات، فلا يليق بها السجع والتَّـشَـدُّق والاشتغال به من التكلُّف المذموم، ولا باعثَ عليه إلا الرياء، وإظهارُ الفصاحة، والتَّميُّز بالبراعة، وكلُّ ذلك مذموم، يكرهه الشرع ويزجر عنه". اهــ.

• ولقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المُتَشدِّقين في الكلام هم أبعدُ الناس منه يوم القيامة؛ فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((إنَّ مِن أحبِّكم إليَّ وأقربِكم منِّي مجلسًا يوم القيامة أحاسِنَكم أخلاقًا، وإن أبغَضَكم إليَّ وأبعَدَكم منِّي يوم القيامة الثرثارون[2] والمُتَشَدِّقُون[3] والمُتَفَيْهِقُون[4]))، قالوا: يا رسول الله، قد عَلِمْنَا "الثرثارون والمُتَشَدِّقُون"، فما المُتَفَيْهِقُون؟ قال: ((المُتَكَبِّرُون))؛ (صحيح الجامع: 3260).

• يقول ابن القيم رحمه الله كما في "الداء والدواء":

"وإذا أردت أن تستدلَّ على ما في القلب، فاستدِلَّ عليه بحركة اللسان؛ فإنه يُطلعك على ما في القلب، شاء صاحبه أم أبَى".

• قال يحيى بن معاذ رحمه الله: "القلوب كالقُدُور، تغلي بما فيها، وألسنتها مَغارفها". اهـ.

والإنسان إذا تكلَّف الكلام وتفاصَح وتشدَّقَ، فاعلم أنه في قلبه مرَضُ الكبر؛ لأنه يرى لنفسِه فضلاً على غيره ومزية عليه، فيحتقر مَن تقدَّمه، ولا يعلم هذا المسكين أن قلة كلام السلف إنما كان ورعًا وخشية لله، ولو أرادوا الكلام وإطالته والفصاحةَ فيه ما عَجزوا، غير أنهم إذا ذكَروا عظمة الله تلاشَت عقولهم، وانكسرَت قلوبهم، وقصرت ألسنتهم"؛ (فيض القدير: 4/ 3012).

• والمُتَشَدِّق في الكلام يبغضه الله تعالى:

فقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال، الذي يتخلل بلسانه تَخَلُّل الباقرة[5] بلسانها))؛ (الصحيحة: 421)، (صحيح الجامع: 1875).

وقوله: ((إن الله تعالى يبغض البليغ من الرجال))؛ أي: الْمُظهِر للتَّفصُّح تيهًا على الغير وتفاصحًا واستِعلاء، ووسيلة إلى الاقتداء على تصغير عظيم، أو تعظيم حقير، أو بقصد تعجيز غيره، أو تزيين الباطل في صورة الحقِّ أو عكسه، أو إجلال الحُكَّام له، ووجاهته وقَبول شفاعته، وبُغض الله للمُتَشَدِّق في الكلام هو إرادتُه عقابَ مَن أبغضه، وإيقاع الهوان به". اهـ بتصرف واختصار (فيض القدير: 4/ 3014).

• والمُتَشَدِّق في الكلام من شر الخلق:

♦ فقد أخرج البيهقي في "شُعب الإيمان" عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيارُكم أحاسنكم أخلاقًا، الْمُوطَّؤون أكنافًا، وشرارُكم الثرثارُون المُتَفَيْهِقُون المُتَشَدِّقُون))؛ (صحيح الجامع: 3260).

♦ وأخرج الطبراني وأبو نُعيم في "الحِلْية" عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((سيكون رجال من أُمَّتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتَشَدَّقُون في الكلام؛ فأولئك شرار أُمَّتي))؛ (صحيح الجامع: 3663).

♦ وعند البيهقي في "الشُّعَب" عن فاطمة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شرار أُمَّتي الذين غُذوا بالنعيم، الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشَدَّقُون في الكلام))؛ (صحيح الجامع: 3705).

♦ وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شرار أُمَّتي الثرثارُون المُتَشَدِّقُون المُتَفَيْهِقُون، وخيار أُمَّتي أحاسنهم أخلاقًا))؛ (صحيح الجامع: 3704).

♦ ويَدخل في هذا كلُّ سجعٍ مُتكلَّف، وكذلك التفاصُحُ الخارج عن حدِّ العادة، وكذلك التكلُّف بالسجع في المحاوَرات.

وفي حديثٍ أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم: قضى بغرَّة في الجَنين، فقال بعضُ قوم الجاني: كيف نَدي مَن لا شرب ولا أكل، ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَسَجْعًا كَسَجْعِ الأعراب؟!)).

وأنكر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليه ذلك؛ لأن أثر التكلُّف والتصنُّع كان ظاهرًا في كلامه، بل يَنبغي أن يُقتصَر في كل شيء على مقصوده، ومقصودُ الكلام التفهُّم للغرض، وما وراء ذلك تصنُّعٌ مذموم.

♦ وكانت عائشة رضي الله عنها تقول للسائب: "إياك والسَّجع؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابَه كانوا لا يسجعون".

♦ ويقول الغزالي رحمه الله: "مرَّ بعضُ السلف بقاصٍّ يَدعو بسَجْع، فقال له: أَعَلى الله تتَبالَغ؟! ادع بلسان الذلَّة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق".

♦ وقال النووي رحمه الله في "الأذكار": "فيُكرَه التقعير في الكلام بالتَّشدُّق، وتكلُّف السجع، والفصاحة، والتَّصنُّع بالمقامات التي يعتادها المتفاصحون، وزخارف القول، فكله من التكلُّف المذموم"؛ (انظر فيض القدير: 4/ 3014).

 

 

 

 

مهارة الإنصات.. أهميتها وكيفية تنميتها؟

في عصر السرعة والتقنية لا شيء أهم من تنمية مهارة الإنصات والاهتمام بها؛ ففي زمن الضجيج لا أحد يسمع أحدًا، ولا يأبه أحد لقول أحد، لكن عالم كهذا لا يمكن أن يُنجز فيه شيء ولا تتمخض أي علاقة، مهنية كانت أم شخصية، عن تطور يذكر. وعلى الناحية الأخرى فإن مهارة الإنصات تساعد في بناء العل

خطوات عملية لاكتساب مهارة الإقناع

تروي بعض الأساطير أن الشمس والرياح تراهنتا على إجبار رجل على خلع معطفه؛ وبدأت الرياح في محاولة كسب الرهان بالعواصف والهواء الشديد، والرجل يزداد تمسكًا بمعطفه وإصرارًا على ثباته وبقاءه حتى حل اليأس بالرياح فكفت عنه؛ واليأس أحد الراحتين كما يقول أسلافنا. وجاء دور الشمس فتقدمت وبزغت

فن الرد..مهارات التواصل البناء

يعد فن الرد من مهارات التواصل الفعال، رحيقه الحوار البناء، يمتطي صهوة القيم والفكر ، يستحضر بجلاء طبيعة المتلقي، بأسلوب سلس بعيدا عن الانفعالات النفسية والردود الجارفة بين مد وجزر. بانتقائه الكلمات المناسبة والعبارات الواضحة بعيدا عن الغلو والكبر، فجمالية الأشياء تكمن في بساط