واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله

خاص عيون نت

التاريخ: الجمعة 2 اكتوبر 2020 الساعة 07:34:56 مساءً
واتقوا يوماً ترجعون فيه الى الله

الحمد لله جامع الناس ليوم لا ريب فيه، أحمده سبحانه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا سمي يساميه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ومصطفاه وخليله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسلماً كثيرا .

ايها المسلمون :يقول الله عَزَّ وَجَلَّ( وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (البقرة: 281 (وهذه اخر اية نزلت من القرآن الكريم للحديث الذي رواه النسائي عن ابن عباس، حيث عاش النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد نزولها تسع ليال ثم تُوفي لليلتين خلتا من ربيع الأول.

ايها المسلمون، هذه الآية تصوّر لنا صورة مفزعة لكل منا وهو معروض بين يدي الخالق أمام أعين الخلائق، معروض أمامهم، مكشوف لهم، عار الجسد، إنه لموقف عصيب كيف بنا انا وأنت في ذلك الموقف بلا ساتر يستر، وبلا ناصر ينصر(يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ) (الطارق:9، 10).

هذا الموقف يكون الناس في هم وشدة لا يعلم بها الا الله تنطق فيه الكتب وتنسخ فيه الاعمال (هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجاثية:29).

فأليكم بعض الصور من يوم الرجوع الى الله فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استُشهِد فأُتِي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهِدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: فلان جريء، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلّم العلم وعلّمَه وقرأ القرآن، فأُتِي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلّمت ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار  ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال، فأُتِي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن يُنفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أُمِر به حتى سُحِب على وجهه حتى ألقي في النار)) رواه مسلم.

وصورة أخرى من صور الحساب يوم القيامة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه   عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  (يجيء الرجل آخذًا بيد الرجل فيقول: يا رب، هذا قتلني، فيقول: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي. ويجيء الرجل آخذًا بيد الرجل فيقول: أي رب، إن هذا قتلني، فيقول الله: لم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لفلان، فيبوء بإثمه) أخرجه الترمذي. ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله  : ((يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تَشْخُب دمًا، فيقول: يا رب، سل هذا: فيم قتلني؟! حتى يدنيه من العرش)) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه هذا في حق الدما وهذا الحساب في حق العباد .

وصورة اخرى من الحساب محاسبة الأنسان على صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم   : ((إن أول ما يُحاسب به العبد يوم القيامة صلاته)) أخرجه أصحاب السنن. ستُسأل في ذلك الموقف عن الصلاة، فإن صلحت فقد أفلحت ونجحت، وإن فسدت خِبت وخسرت، فانظر موقع الصلاة من قلبك وستُسأل عن الزكاة، فإن كنت بخلت بها فاقرأ قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران:180)، ولا يغب عن ذهنك قوله عز وجل: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (التوبة:34، 35)

معاشر المسلمين، إن ممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله آكل الربا: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة:275) ومدمن الخمر وعاق والديه والدّيّوث والمنّان والمُسْتَرْجِلَة من النساء، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ثلاثة قد حرّم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر والعاق والديّوث))، وفي حديث آخر: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمدمن الخمر والمنّان بما أعطى)) أخرجهما الإمام أحمد، وعند الطبراني من حديث عمار رضي الله عنه : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا: الديّوث والرَّجِلَة من النساء ومدمن الخمر)).

وممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله المتكبرون، قال عليه الصلاة والسلام:  (يحشر المتكبرون أمثال الذرّ يوم القيامة في صورة الرجال، يغشاهم الذلّ من كل مكان) رواه الترمذي. ويقول الحق تبارك وتعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) (الزمر:60).

وممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله الغادرون وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يُرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان)).

وممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله آكل مال اليتيم ومغتصب أرض الغير، قال جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء:10)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((من أخذ شِبْرًا من الأرض بغير حقه خُسِف به يوم القيامة من سبع أرضين)) رواه البخاري.

وممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله العلماء يكتمون علمهم، ((من سُئِل علمًا فكتمه أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار)) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، والحكام يحتجبون عن رعاياهم قال صلى الله عليه وسلم : ((من ولي من أمور المسلمين شيئًا فاحتجب دون خُلّتهم وحاجتهم وفقرهم وفاقتهم احتجب الله عنه يوم القيامة دون خُلّته وحاجته وفقره وفاقته)) رواه أبو داود والحاكم بإسناد صحيح.

وممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله أناس يكذبون في أيمانهم قال عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعته لقد أعطي فيها أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، ورجل منع فضل ماء فيقول الله يوم القيامة: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)) رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضى الله عنه

عباد الله، ممن يفتضح يوم العرض الأكبر على الله الذي يسأل الناس وعنده من الرزق ما يكفيه، فيسأل تكَثّرًا، قال عليه الصلاة والسلام: ((من يسأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خُدُوشًا أو خموشًا أو كدومًا في وجهه))، قيل: يا رسول الله، وما يغنيه؟ قال: ((خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب)) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني.

فاتقوا الله عباد الله، وتأهّبوا للعرض الأكبر على الله، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18).

الثانية

أيها المسلمون، في ذلك اليوم العصيب يأمن أناس فلا يخافون، ويهنأ أناس فلا يحزنون، منهم سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: أناس تحابوا في جلال الله، وأناس مشوا إلى الصلاة في دياجير الظلمات يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، وأناس كانوا إذا ذُكِر الله وَجِلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون، ومنهم الصابرون على ما أصابهم المقيمون للصلاة ومما رزقناهم ينفقون، ومنهم من كانوا يسبحون الله بالغدو والآصال (لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ) [النور:37]، كانوا: (يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) (الإنسان:8:10).ومن الآمنين يوم العرض الأكبر على الله أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارقَ، ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها.

ومن الآمنين يوم العرض الأكبر على الله أهل الصدقات وأهل الصبر والقنوت والشهداء الصابرون والصادقون والقانتون والمنفقون والمستغفرون بالأسحار، (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (آل عمران:169، 170).

ومن الآمنين يوم العرض الأكبر على الله العلماء، قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ( المجادلة:11).

ومن الآمنين يوم العرض الأكبر على الله من أنظر معسرًا في الدين قال جل وعلا: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) (البقرة:280) وقال صلى الله عليه وسلم : (من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) رواه أحمد، وعند مسلم: ((من نفّس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة)

ومن الآمنين يوم العرض الأكبر على الله المصلحون بين الناس، قال تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء:114)، وقال عليه الصلاة والسلام:  (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إصلاح ذات البين).

وإن من أحق الناس بالأمن يوم العرض الأكبر على الله من أكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  ، فقد قال عليه الصلاة والسلام:  (من صلّى عليّ حين يصبح عشرًا وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة)) رواه الطبراني، وقال عليه الصلاة والسلام: ((من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرًا))، وقال صلى الله عليه وسلم : ((من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه عشر صلوات وحطّ عنه عشر خطيئات ورفع له عشر درجات)) رواه النسائي والحاكم وعند الترمذي من حديث ابن مسعود صلى الله عليه وسلم  قال: قال رسول الله  : ((إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة)).

 

الثبات على الدين (عز ونصر وفوز)

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2 - 4]، نحمده حمدا كثيرا، ونشكره شكرا مزيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ابتلى عباده بالدين، وشرَّف به المؤمنين، وحط من قدر الكفار والمنافقين، فوصفهم في كتابه الكريم

إعجابُ المرء بنفسه

الخطبة الأولى الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد أي

عائشة رضي الله عنها في بيت النبوة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ