twitter
Share
الحج في ديوان الشعر السعودي
 
تمت الإضافة بتاريخ : 30/10/2010م
الموافق : 23/11/1431 هـ

الحج في ديوان الشعر السعودي

أ / شمس الدين درمش

حظي الحج باهتمام الشعراء السعوديين في أشعارهم، فخصصوا قصائد في دواوينهم للتعبير عن أحاسيسهم في هذه المناسبة، ولرصد تجربتهم عن قربٍ كثيرًا وعن بعد أحيانا.

ولا عجب عندما نجد الشاعر السعودي مسكوناً بهمِّ ضيوفه وضيوف بلده الذي هو بلد الإسلام والمسلمين، وبه وفيه تتحقق وحدتهم، وفيه قبلتهم التي يتوجهون إليها في صلواتهم آناء الليل والنهار، وتهوي إليها أفئدتهم فيغذون السير نحوها بشوق لا تطفئه دموع أعينهم بل تزيده اضطرامًا، وهم لا يعودون منها إلا عاقدي العزم على الرجوع إليها.

وفي بعض البلاد الإسلامية عندما يتبادلون التهاني في عيد الأضحى يقولون: لقاؤنا القادم في عرفات إن شاء الله. وإذا سقى أحدهم آخر ماءً يقول له شاكرًا: أسقيك من زمزم إن شاء الله.

شاعر الحج أحمد إبراهيم الغزاوي وتحية الوفود:

وكنت قبل مباشرة الكتابة في هذا الموضوع أتوقع أن أجد مادة غنية عنه في الشعر السعودي، وعندما وجدت الجزء الأول من ديوان الشاعر الكبير أحمد بن إبراهيم الغزاوي (1) مخصصاً للقصائد التي قالها بمناسبة الحج شعرت بالارتياح؛ إذ وجدت الخير عند أهله، وتبينت من خلال قراءة عناوين القصائد، والتنقل بين صفحات الديوان، ومقارنته بعدد من دواوين شعراء آخرين أن الشاعر أحمد الغزاوي يستحق أن يطلق عليه لقب شاعر الحج بجدارة، وأن يعَنـْوِنَ هذا الجزء من ديوانه الكبير بديوان الحج؛ ليدل عليه حتى يلفت الأنظار, ويجذب النظار.

وقد أحصيت أكثر من ثمانين قصيدة قالها الشاعر بمناسبة الحج، وهي قصائد طويلة سُمِّيتْ بالحوليات؛ مضافاً إليها القصائد التي قالها الشاعر في مناسبة عيد الفطر السعيد.

وقد مُيِّزَت القصائد جميعها بذكر الزمان والمكان، ومن قيلت في حضرته من الملوك، وولاة العهد، وأصحاب السمو الأمراء في أيام الحج المباركة؛ إذ يستقبل الملك وولي عهده وفود الحجاج من دول العالم الإسلامي فيكرمهم, ويبادلهم الحديث في شؤون المسلمين وأحوال بلادهم.

والجدير بالذكر أن الشاعر أحمد الغزاوي عاصر خمسة من الملوك هم الملك عبد العزيز، والملك سعود, والملك فيصل, والملك خالد, والملك فهد رحمهم الله جميعًا.

وإذا علمنا أن الشاعر ولد عام 1318هـ ، وتوفي عام 1401هـ يكون قد عاش ما يزيد على الثمانين عامًا بقليل، وتكون قصائده التي قالها في الحج موزعة على عدد سنوات عمره تقريبًا، مما يعني أنه قال أكثر من قصيدة في بعض المواسم، وفي أكثر من موقف في الموسم الواحد. وإذا كان الموضوع يتطلب أن أذكر مشاركة أكثر من شاعر فإن أبرز ما أختار من شعر أحمد الغزاوي هو ترحيبه بوفود الحجاج في قصائده، وهو المناسبة التي كان ينظم قصائده لأجلها. وهذا عدد من عناوين القصائد التي يذكر فيها كلمة الترحيب والتحية بوفود الحجاج مثل.. وحيهلا بالوافدين ومرحبًا، تحية وفود الله، تحية الحجيج، حي الملبين، تحية الوفد ، تحية وفود الحجاج، تحية الوفود. ولا يعني هذا أن القصائد التي لم تعَنـْوَنْ بتحية الحجاج خالية ً من الترحيب بالوفود. فالشاعر يستهل قصيدته تحية الحجيج(2) قائلاً:

مرحبًا بالوفود من كل طائفْ

والملبين بين بادٍ وعاكف

مرحبًا بالهداة في كنف الله

وبالخاشعين من كل واقف

مرحبًا بالسماء والأرض يُهدى

كشذى الروض واصطفاق المعارف

بالإخاء المتين في ألق الشمس

وبالطهر في نقي المعاطف

بالألى استحقوا رضى الله سعيًا

من وراء البحار شتى الطوائف

ويبدأ الشاعر قصيدته تحية وفود الله(3) قائلاً:

حيِّ الوفود وفود الله في الحرم

واهتف بشكر ولي الحمد والنعم ِ

واستقبل الشرق والأمصار من كثب

في كل مستمسكٍ بالله معتصم ِ

من الألى طوَّفوا بالبيت واعتمروا

وأقبلوا في البُرُدِ البيض واللمم

كما يرحب بالحجاج في مطلع قصيدته تحية الوفود(4), فيقول:

حيِّ الحجيج يفيض منه المشعرُ

وكأنما هو في الأباطح محشرُ

حيِّ التقاة الناسكين لربهم

وهو العزيز الخالق المتكبرُ

حي التساميَ في الذين تجردوا

من كل ما يفنى وما هو يدثر

تركوا وراء ظهورهم ما استحقبوا

من كل ما امتلكوا وعنه أدبروا

ويستهل قصيدته حيِّ الملبين(5) قائلاً:

حيِّ الملبين واهتف غير مقتضبِ

ورتل الشدو بالإسلام والعربِ

وانظر إلى الدين في أسمى شعائره

مجردًا في الهداة السادة النجب

من كلِّ أبلجَ في عرنينه شممٌ

يزدان بالعلم والأخلاق والأدبِ

لم يكترث بفجاج الأرض شاسعة

ولا تريثَ دون الفرض والقـُرَبِ

تخوض البحر أمواجًا مزمجرة

ً في طاعة الله واستعلى على السحبِ

واستقبل البيت أوابًا بأجنحةٍ

كأنما انطلقت من ثاقب الشهبِ

فهذا الترحيب الحار الصادق كما يقتضيه الموقف الذي يكون فيه الشاعر أمام الوفود الممثلة للحجاج القادمين من الفجاج, فإنه كذلك من شيمة المسلم المؤمن الذي تعلـَّمه من نبيه: ? ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)، وهؤلاء الوفود من أكرم الضيوف حين تخلصوا من عوالق الأرض بأجسامهم, ففارقوا أوطانهم، وسموا إلى مراقي السماء بأرواحهم؛ إذ لبوا دعوة ربهم فقصدوا بيته.

والمتلقي يحس بحرارة الترحيب وصدقه في ذلك التكرار لكلمة مرحبًا بالوفود، وفي ذلك التكثيف لكلمة الترحيب حيَّهلا، كما أضفى الشاعر مزيدًا من حرارة الترحيب على كلماته بتصويره سمات ضيوفه, وأوصافهم الظاهرة، وشمائلهم الباطنة، فهم الهداة السادة النجب، وازدانوا بالعلم والأخلاق والأدب، وقد أقبلوا من وراء البحار على الأمواج المزمجرة، ومن فوق السحب في السماء كالشهب اللامعة، وقد لبسوا البُرُدَ البيض مستمسكين بحبل الله، معتصمين به، مما يعطي بعدًا صادقاً لاستحقاق ضيوفه تلك التراحيب والتحايا.

لبيك اللهم لبيك..:

التلبية مفتاح الحج الذي يفتتح به الحاج مناسكه فيدخل في الإحرام، ويبقى يرددها أيام إحرامه, يوم التروية, وفي عرفات, ومزدلفة, حتى صباح العيد حيث تبدأ التكبيرات.

وقد لقيت التلبية عناية الشعراء؛ لأنها تعبر عن الاستجابة القلبية والنفسية الحقيقية للنداء الذي وجهه إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر ربه إذ قال له: " وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍِ" الحج:27 .

فيفتتح الشاعر حسين عرب قصيدة في الحج بعنوان لبيك (6), يقول في مطلعها:

لبيك يا رب الحجيج

جموعه وفدت عليكْ

ترجو المثابة في حماك

وتبتغي الزلفى لديكْ

لبيك، والآمال والأفضال

من نعمى يديكْ

لبَّى لك العبد المطيع

وجاء مبتهلاً إليكْ

ويعبر الشاعر عن معنى قوله تعالى: "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍِ" الحج:27 , فيقول:

هذي الجموع تدفقت منها المسالك والبطاح

قطعوا لك الغبراء والدأماء واجتازوا الرياح

متضرعين إليك مستهدين يرجون السماح

لبيك في الليل البهيم وفي الغدو وفي الرواح

ويصف الشاعر ضجيج الحجاج بالتلبية والتكبير والدعاء الذي تتجاوب به جنبات المشاعر؛ مما يبعث الخشوع في النفس, فيقول:

هذا الصباح يضج بالتهليل يتبعه الدعاءْ

هذا المساء يضج بالتكبير يبعثه الرجاءْ

في الأرض تلبية تفيض بها القلوب إلى السماء

لبيك في حر الهجير، وفي الصباح، وفي المساءْ

وهكذا ينشئ الشاعر علاقة مشاعرَ حميمةٍ متبادلة بين الإنسان المؤمن والكائنات المؤمنة حوله " وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم" الإسراء:44.

فيتابع قصيدته على المنوال السابق معبراً عن تجاوب الجبال, والتلال, والصحارى, والرمال, والسماء التي تشعشع الأضواء منها, والجمال، ولسان حالنا جميعًا يقول:

لبيك هذا المُلك مُلكك لا شريك لك ولا مثال

ثم يعود إلى الحجاج في المشاعر فيمشي بين المضارب وفي البطاح، وفي حمى البيت الحرام وعند المُحصَّب، والحطيم والمقام، فإذا أرواحهم وقلوبهم تطوف بها كما يطوف الحمام وهي تسأل الله الهداية، فيقول:

لبيك.. تسألك الهداية والعناية والسلامْ

ويتابع الشاعر حسين عرب أجواء التلبية في المشاعر, فيقول:

لاذت بساحتك الخلائق واستقرت في حماكْ

وشدت بنجواك السرائر واستهامت في هداكْ

الوحش والإنسان والأطيار تستجدي رضاكْ

لبيكَ.. مبدؤها ومرجعها إليك وفي ثراكْ

ويتوجه هو نفسه إلى الله سبحانه بالدعاء والتضرع, فيقول:

يا فالق الصبح المنير وخالق الكون الكبير

خضعت لك الأعناق في ذل الضعيف المستجير

وتذلل الملكُ المسوَّدُ والغني مع الفقيرْ

لبيكَ.. فالدنيا يروِّعها بلاءٌ مستطير

ثم يختم قصيدته مبتهلاً طالباً المغفرة والهداية, فيقول:

سبحانك اللهم، يا حامي حمى البيت الأمين

يا مسبلَ الرحمات تغسل من خطايا المذنبين

إياك نعبد مخلصين وما بغيرك نستعين

لبيكَ.. سبَّحنا بحمدك، فاهدنا نهج اليقين

وهكذا يرسم لنا الشاعر حسين عرب لوحات إيمانية في إطار من التلبية التي يختم بها كل مقطع، وقد استقى معانيه من التلبية التي تلهج بها الألسنة وتتضرع بها القلوب ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

شاعر في عرفات:

وهذا شاعر في عرفات، واحد بين الملايين، مشاعره تيقظت كمشاعرهم، يلبي مثلهم ويدعو ويتضرع، ولكنه ينشئ صلة بينه وبين عرفات التي وقف في ساحتها الرسول ? وأصحابه، ثم تتابع المسلمون من بعدهم دون انقطاع، فيرسم لنا تاريخاً طويلاً بكلمات قليلة، ويمد جسرًا بين الماضي والحاضر، نقرأ فيه خطـّاً بيانياً ما زال ينزل بنا مؤشره إلى اليوم، فمتى يبدأ بالصعود يا ترى؟!

شاعرنا هذا هو عبد الرحمن العشماوي في قصيدة له بعنوان على ربوع عرفات(7) ، فيبدأ قصيدته ملبيًا, ويقول:

لبيك يا رحمن يا ربي

لبيك أنفثها من القلبِ

لبيك يا رحمن.. مغفرة

إني فررت إليك من ذنبي

ووقفتُ في عرفات ممتثلا

أرنو إلى إحسانك الرحبِ

لبيك.. يا دنيا أعيديها

في مسمعي نجوى من الحبِّ

ويقترب الشاعر من عرفات أكثر فأكثر, فإذا هي تبصره وتسمعه, فتفهم ما يقوله الشاعر, ويفهم الشاعر ما تقوله عرفات:

عرفاتُ .. كم شاهدت من فوج

لبى وكم شاهدت من ركبِ

جاؤوكِ يا عرفات فابتسمي

للركب من عجم ٍ ومن عربِ

إيمانهم بالله وحدهم

فليهزأ الإيمان بالخطبِ

ثم يعيد السؤال لعرفات وهو يتخيل ما لا يحصون من الذين وقفوا بساحتها منذ وقف رسول الله ?, فيقول:

عرفات هل أحصيت من وقفوا

وأتوك من بعدٍ ومن قربِ

أرأيت ركب المصطفى يهفو

لله بين الآل والصحبِ

أرأيتِهم عرفات كم هرعوا

لله من شعبٍ إلى شعبِ

ويعيد السؤال وكأن عرفات قد أجابته: نعم.. نعم.. رأيتهم.. رأيتهم، فيقول الشاعر:

هل نحن يا عرفات مثلهمُ

علمًا بأن الشرب كالشربِ؟!

ولا شك أن الاستفهام من الشاعر يفيد النفي والاستبعاد، لذلك يتبع السؤال بالجواب، فيقول:

فسمعتها قالت – وما نطقت - : شتان بين الخصب والجدبِ

ولكن الشاعر لا ييأس، ويبث فينا الرجاء في ذلك اليوم الذي يستجاب فيه الدعاء، فيخاطب عرفات قائلاً:

قولي لهم عرفاتُ: لا تهـِنوا كونوا لليل اليأس كالشهبِ

إن الشاعر عبد الرحمن العشماوي في موقفه هذا في عرفات يمثل لسان حال كل مسلم وقف هناك، فلبى ودعا وتضرع، وأضاء ليل اليأس بشهاب الإيمان.

رحلة في مناسك الحج:

ويأخذنا الشاعر سعد عطية الغامدي برحلة في مناسك الحج في قصيدته التي وضع لها العنوان نفسه(8) ، وقد قدَّم لها بجملة تقول: الحج رحلة الولادة من جديد.

يبدأ الشاعر سعد عطية بالتمهيد للرحلة معبرًا عن أمنيته في أداء الحج, وهي أمنية عظيمة ولكن سيفاً يمكن أن يقطع طريق الوصول إلى تلك الأمنية قريب من الإنسان هو سيف الموت الذي يأتي فجأة، لذلك يحث نفسه على الانتباه من الغفلة، واغتنام الفرصة، وتلبية النداء بالحج، فيقول في ختام المقطع الأول:

فاستفيقي من السبات ولبي خير داع ٍ واستبشري بالأذان ِ

وإذ استفاقت النفس ولبت النداء يأخذنا الشاعر معه إلى الميقات، فيقول:

وإليكِ الميقاتُ فاستقبليه

في خشوع وأقبلي في أمان ِ

فاخلعي كلَّ زائفٍ من لباس

وادخلي في حقائق الأكفان ِ

واطرحي كلَّ رغبةٍ في حطام

واجنحي في الرجاء عن كلِّ فان ِ

فالشاعر يجمع هنا بين معاني الظاهر ومعاني الباطن؛ إذ يخلع الحاج لباس المخيط, ويرتدي الإحرام الأبيض، وكأنه بذلك يخلع الزائف من ظواهر الحياة, ويدخل في حقائق الأكفان التي تنقل الإنسان إلى الحياة الآخرة الحقيقية "وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" (العنكبوت : 64 ) .

ويختزل الشاعر المسافة بين الميقات والتروية، فيتجاوز طواف القدوم والسعي غالبًا حين يكون الحاج متمتعًا، فينقلنا إلى يوم التروية، فيقول:

نفسي هذي منى تروّي لديها من معين الرضا وفيض الحنان ِ

فيجمع مرة أخرى بين المادي والمعنوي، فيوم التروية سمي بهذا الاسم؛ لأن الحجاج كانوا يتزودون فيه بالماء لعرفات ومزدلفة، وإذ لم يعد ذلك موجودًا الآن عمليًا فإن الشاعر لاحظ الجانب المعنوي, في هذا التجمع, فطلب من نفسه أن ترتويَ من نبع الرضى وفيض الحنان، وأن تتجه إلى الله بالدعاء، وتسكب الدموع، وتغسل الذنوب التي أوردته موارد الخسران، فيصور تضرع الحجاج إلى الله في منى، فيقول:

في منى تطيب المنى ويناجي

ساكن الأرض مبدع الأكوان ِ

رب لبيك.. يزدهي الخيف منها

في جلال ٍ وينتشي الأخشبان

ربِّ لبيك.. تسكن النفس منها

في وقار ٍ وتأنس الروضتان ِ

ربِّ لبيك.. قد أتينا خفافاً

وخرجنا من ألفة الأوطان ِ

وغدًا في مسيرنا سوف نلقى

ربنا بالثناء بالعرفان

فينتقل بذلك إلى عرفات في الغد من يوم التروية قائلاً:

نفسُ سيري بنا إلى عرفاتٍ

في انكسار وطامني في هوان ِ

ويصور الموقف الخاشع في ساحة عرفات مقتبسًا معانيه من الحديث النبوي, فيقول:

ويباهي الإله بالخلق جاؤوا

حاسري الروس ضامري الأبدان ِ

ليس فوق الأديم إلا بياضٌ

هو فوق الأجناس والألوان ِ

ليس تحت السماء إلا نداءٌ

هو لبيك فوق كل لسان ِ

وبذلك يرسم الشاعر صورة بصرية وسمعية في آن واحدٍ للموقف، وينهي هذا المقطع بالإشارة إلى خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع قائلاً:

إن أموالكم عليكم حرام

ودماكم كشهركم كالمكان ِ

ثم يفيض بنا الشاعر من عرفات إلى مزدلفة مع مغيب الشمس, فيقول:

آذنتْ شمس يومنا برحيل

فأفيضي الجمعَ في إذعان ِ

ويقتبس من القرآن الكريم معنى طلب الذكر عند المشعر الحرام بمزدلفة, فيقول:

ولدى المشعر الحرام أطيلي

وقفة الذكر والنجاوى الحسان ِ

حيث تجاب الدعوات..

هاهنا برزخ الرجاء أضاءت

شاطئيه بشائر الغفران ِ

ومع إشراقة الشمس في مزدلفة يبدأ يوم النحر وأيام التشريق, فيؤدي الحجاج المناسك في منى من ذبح ورمي وحلق، فيطوف بنا الشاعر في هذه المناسك, فيقول:

وغدًا تحتفي منى ببنيها

من جديد وتحتفي المروتان ِ

في غدٍ تذبح القرابين ذكرى

لفداء الخليل ذي البرهان ِ

لن ينال الإله منها دماءٌ

أو لحومٌ بل صادق الإيمان ِ

ونجد في الأبيات اقتباساً من القرآن الكريم " لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ " ( الحج : 37 ) ، ويشير إلى الرمي وأنه رجمٌ للرجس والباطل, فيقول:

في غدٍ ترجم الجمار ويهوي

كل رجس وباطل وافتنان ِ

عندها يهتف الرماة ابتهاجًا

بنجاة من ربقة الشيطان ِ

وكأنه يشير إلى قصة إسماعيل عليه السلام حين ظهر له الشيطان ليمنعه من الطاعة لأمر الله بالذبح, فيرجمه إسماعيل عليه السلام, كما جاءت في بعض السير.ويذكر الشاعر منسك الحلق, فيقول:

في غدٍ والمحلقون عليهم

غررٌ من روائع التيجان ِ

فيجعل تخلصهم من الشعر المحسوس على رؤوسهم تيجان رضى ومغفرة عليها، في إشارة إلى دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمحلقين.

ويربط الشاعر بين طاعة الصوم وطاعة الحج في نهاية هذه الرحلة الإيمانية في المناسك، فيقول:

طاعة إثر طاعةٍ ونوال

من نوال في منهج الرحمن ِ

قد سعدنا بحجنا، وسعدنا

قبلُ بالصوم إذ بلغنا الأماني

وربحنا من ذي الجلال مسيرًا

لرضاه، فلتهننا العيدان ِ

شاعر يبكي شوقاً إلى الحج:

وهذا هو الشاعر حبيب بن معلا في قصيدته إلى البيت الحرام(9) ، يكتب جملة نثرية في مقدمة القصيدة تقول: زمرًا أقبل الحجيج إلى البيت، وعاقته العوائق فبكى وأبكى.ويبدأ قصيدته بوصف تلك الدموع التي سفحها على الخدين, فيقول:

دموع على الخدين منك سوافح

وجرحٌ على القلب المثقـَّل قارحُ

ألا أيها البيت العتيق تحية

إليك على الأيام ما ناح نائحُ

سرت نحوك الركبان من كل وجهة

قد ابيضَّـت الأثواب والقلب صالحُ

يؤمون نحو البيت تهمي عيونهم

كأن مدار العين فيهن ناضحُ

وهكذا تلتقي دموع الشاعر بدموع الحجاج، ويتخيل الشاعر نفسه بين الحجاج يتنقل في المشاعر ويؤدي المناسك, فيقول:

كأني في تلك الربوع ملبياً

مع القوم حتى يبلغ القرب طامحُ

لدى الكعبة الغراء طاب مزارها

أتاها من الناس الكرامُ الحجاجحُ

ففي عرفات الله يمحون حوبة

لها في صميم القلب لذعٌ يراوح

وفي المشعر القدسي مدوا أكفهم

أيا ربِّ في الأعتاب تأتي المنائحُ

ويختم قصيدته بنداء حار إلى ضيوف الرحمن قائلاً:

فإن كان جسمي نائي الدار عنكم

فلم تبعد القلب المشوق المطارحُ

فيا أيها السَّفـْرُ المخبون في غدٍ

سيبلغ جنات المهيمن رابحُ

فينقل إلينا الشاعر بصدق تجربته, حرارة مشاعره, فنحس بلذعها, ونكاد نتلمس أعيننا نمسح عنها الدموع التي تسيل على الخدين.

الحج مظاهر ومعان:

عندما يتحدث الشعراء عن الحج يتحدثون عن معانيه العميقة، ومقاصده السامية، وآثاره في حياة المسلمين فرادى وجماعات، ويعقدون الموازنة بين ماضي الأمة وحاضرها.

فالشاعر محمد إبراهيم جدع يتذكرُ حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونعمة اكتمال الدين، فيضع لقصيدته عنوان يوم الحج الأكبر(10)، فيقول:

في مثل هذا اليوم أكمل ديننا

رب البرية في حمى المختار ِ

وأتم نعمته لكل موحد

وغدا لنا الإسلام دين فخار ِ

وينتقل بعد ذلك إلى خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع, وينظم ما ورد فيها من معان عظيمة ووصايا جليلة, فيقول:

في خطبة جمعت مقاصد أمة

في أبلغ الأقوال والأخبار ِ

قال الرسول بهديه في رحمة

آيَ الكتابِ تركتُ في الأبرار ِ

فتمسكوا ببيانه وتعاونوا

تنجوا من الأعداء والأشرار ِ

ويخص الشاعر محمود عارف قصيدة بعنوان رسالة الحج(11)، يتحدث فيها عن معاني الحج وأهدافه فيقول مخاطبًا نفسه:

اطمئني للحج يا نفس، فالحج منار التهذيب في الكائنات

اطمئني، فالحج فيه جلاءٌ لنفوس الأنسام والمهجات

اطمئني يا نفسُ، فالحج نهر يغسل الروح من شرور الحياةِ

يتسامى بها إلى حيث تنجو من جماح الفسوق والشهوات

ثم يتوجه بالنداء إلى وفود الحجيج, فيقول:

أيها الوافدون للحرم الآمن سيروا على غرار الهداة

أطعموا الجائع الكسير وأدوا ما استطعتم من كسوة للعراةِ

أيها الوافدون للحج ما الحج إلا وحدة من تعاطفٍ وصلاتِ

فأجيبوا داعي النداء وأدوا جوهر الدين في حلي الطاعات

ويختم قصيدته بالتأكيد على رسالة الحج التهذيبية ، وأنه طريق السعادة في الدارين, فيقول:

هي هذي رسالة الحج جاءت للورى في سواطع البينات

في تعاليمها دليل مبينٌ لوضوح الهدى من الشبهاتِ

من أراد السمو في العالم الحاضر فالطهر أول المرقاة

أو أراد النجاة في العالم الآخر فالحج منفذ للنجاةِ.

الحج هو المؤتمر الأكبر للمسلمين:

ويكاد الشعراء الذين ينظمون الأشعار في موضوع الحج يجمعون على أن الحج هو المؤتمر الأكبر للمسلمين، تتجلى فيه وحدتهم، وتزول الفوارق بينهم في اللغات والألوان والبلدان، فما بالهم مختلفون متفرقون؟!

ونجد المسجد الأقصى حاضرًا أبداً؛ خصوصًا في تلك القصائد التي تلقى في حفلات استقبال وفود الحجيج في القصر الملكي بمنى، فهاهو ذا الشاعر زاهر عواض الألمعي يضع عنوان قصيدته مؤتمر الحج الأكبر(12) فيقول:

أمؤتمرَ الحجيج سموت نهجًا

وذللت المتاعب والصعابا

وأديتَ المناسك في خشوع

ولبيت النداء المستجابا

وفي نبرات صوتك ذكريات

أعادت في ضمائرنا الشبابا

ثم يقوم بجولة في مآثر التاريخ الإسلامي بإشارات لأحداثه، وإيحاءات لرموز أبطاله أيام مجده، ثم يعود إلى الواقع الأليم فيستنهض الهمم قائلاً:

فإن رمتم زوال الضيم فاسعوا

إلى سبل الوغى أسدًا غِضابا

فذاك المسجد الأقصى رهينٌ

وقد كنتم له سورًا مهابا

فعاث به بنو صهيون غدرًا

وكم هتكوا الستائر والحجابا

ضيوف الرحمن في الأمن والأمان:

وقد لاحظ الشعراء في قصائدهم عن الحج الأمن والأمان الذي يتمتع به ضيوف الرحمن بفضل الله سبحانه، ثم بالجهود التي بذلتها الدولة وتبذلها منذ أن اتخذ الملك عبد العزيز يرحمه الله إجراءات صارمة للضرب على أيدي العابثين بأمن الحجاج، فأمن الطرق، ووفر وسائل الراحة إلى أن بلغ أمن الحجيج درجة عالية.

يقول الشاعر علي أبو العلا في قصيدته يوم تجديد بناء الكعبة(13) ذاكرًا تأمين الملك عبد العزيز للحجاج:

أجل.. عبد العزيز ومن سواه

أقام العدل برًّا واحتسابا

أقام المسجدين وكان يرجو

من الله المثوبة والمثابا

وأعلى للحجيج لواء أمن

تبيت الشاة لا تخشى الذئابا

ويقول في قصيدة أخرى بعنوان تحية أهل مكة (14) واصفاً أهل مكة:

هم جيرة البيت والرحمن أمنهم

لا خوف لا جوع فالرحمن يحميها

واليوم عهدكم قد صان حرمتها

ووطد الأمن وازدانت روابيها

وأصبحت لوفود البيت منتجعًا

والله يحفظ واليها وحاميها

والخطاب في الأبيات موجه إلى سمو الأمير ماجد بن عبد العزيز عندما عين أميراً على منطقة مكة المكرمة.

وقد عني الشاعر أحمد إبراهيم الغزاوي في قصائده الحوليات في الحج بقضية الأمن، وترسيخ الملك عبد العزيز له بتوفيق الله، فتراه يفيض في هذا الموضوع بحرارة؛ لأن العهد كان قريباً بين حالتي الخوف السابق والأمن الحاضر، بخلاف العهود التالية التي لم يعد الحجاج ولا المواطنون يشعرون به لبعد العهد، ودوام الأمن، فصار الموضوع يشار إليه في أشعار غيره بشكل خاطف، ولنستمع إلى هذا المقطع من قصيدته التي بعنوان: يبشر باسم الله في كل موسم(15)، والتي ألقاها في حضرة الملك عبد العزيز في منى سنة 1352هـ :

فمن كان من قبل ( السعود ) وبأسه

يطيق بلوغ الحج دون تزلزل ِ

ومن كان يستطيع المناسك آمناً

على نفسه ما بين جمع ٍ وجرول ِ

ومن كان في الرؤيا يصدق أنه

يروح ويغدو في أمان مخول ِ

ومن كان يمضي في الجزيرة وحده

بأزوادِ تبر ٍ في سلام ممثل ِ

ومن كان يأتي للحجاز وقلبه

يرجي نجاة من حِمام ٍ معجل ِ

ومن كان لا تغري الثياب بحتفه

ولو هي ساوت نصف حبة خردل

ومن هو هذا الزاعم اليوم أنه

يقاسي الذي قد كان زعم المضلل

ومن يبغني ألا أقول الذي أرى

فكل لسان غير عضبيَ مِقوَل ِ

ومن ذا الذي لا يشكر الله نعمة

تحدث عنها كل شاكٍ وأعزل ِ

فهل أنا إلا مؤمنٌ لحقيقةٍ

هي الشمس لا تخفى على متأمل ِ

وهل يجحد الفضل الذي هو ظاهرٌ

سوى أكمهٍ عن منهج الحق معدل ِ

لقد حول الله المصائبَ منة

وعوض عنها بالحباء المكلل ِ

فأبدلنا أمناً وعدلاً، فمرحبًا

بكل مجيبٍ للفريضة مقبل ِ

وأبيات الغزاوي هذه تشتعل حرارة وحماسة وصدقاً تتمثل في هذا التكرار لأسلوب الاستفهام الذي يتضمن الإنكار والإقرار معاً, والاعتراف بالفضل لأهله؛ لأنه يتحدث عن عِيان لا عن خبر، ( وليس الخبر كالعيان ) كما يقول المثل.

وبعد: فإنني لم أنقل سوى شذراتٍ مما قيل في الحجِّ، وعن الحجِّ والوافدين من كل فج؛ لأعطي مثلاً من عناية الشعر السعودي بهذه الشعيرة العظيمة من شعائر الإسلام, والركن الخامس من أركانه.

ولا أظن إلا أن مادة واسعة من هذا الشعر يرقد في طيات دواوين الشعر السعودي, ينتظر من ينقب عنه, ويخرجه من الباحثين في أروقة الجامعات, الذين يتقدمون برسائل جامعية في الدراسات العليا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمراجع:

1ــ الأعمال الشعرية الكاملة ،كتاب الإثنينية رقم 16 - إصدار عبد المقصود محمد سعيد خوجه – جدة.

2ــ المصدر السابق ص 306

3ــ المصدر السابق ص 280

4ــ المصدر السابق ص 504

5ــ المصدر السابق ص 317

6ــ المجموعة الكاملة –الجزء الأول ص 49 –شركة مكة للطباعة والنشر – مكة المكرمة .

7ــ ديوان صراع مع النفس ص 84 – ط1 – 1412هـ - مكتبة العبيكان – الرياض .

8ــ ديوان إلى العرين شامخاً ص 187 – ط1 -1422هـ -جدة.

9ــ ديوان نوافذ الشمس ص 7 – ط1 -1421هـ - دار القاسم – الرياض .

10ــ المجموعة الشعرية الكاملة ص 288 – ط1 -1404هـ- النادي الأدبي الثقافي – جدة.

11ــ ديوان من ترانيم الليل ص112 – ط1 – 1404هـ - النادي الأدبي الثقافي – جدة .

12ــ ديوان الألمعيات ص 37- ط3 – 1403هـ - مطابع الفرزدق – الرياض.

13ــ ديوان سطور على اليم ص 47 – ط2 – 1418هـ - مكة المكرمة.

14ــ المصدر السابق ص 87.

15ــ الأعمال الكاملة للشاعر الجزء الأول – ص 125- مصدر سابق .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة الجندي المسلم

<