twitter
Share
فضل العشر من ذي الحجة
 
تمت الإضافة بتاريخ : 27/10/2011م
الموافق : 30/11/1432 هـ

فضل العشر من ذي الحجة

 

خاص ينابيع تربوية

أيها الإخوة المؤمنون :

 التاجر الناجح هو الذي يبحث عن مواسم التجارة ، ويستعد لها ، ويرحل إليها طمعاً في الكسب وزيادة  الربح فكلما سمع بموسم للتجارة حمل بضاعته وتوجه إلى ذلك الموسم ، ويبذل كل ما في وسعه ليحصل على أكبر الأرباح ، ويستغل كل أوقاته في ذلك ، فتراه يعمل صباحاً ومساءً لا يكل ولا يمل ، وإذا سألته ، قال لك نحن في موسم ، ويحرص كل الحرص أن لا تضيع منه دقيقة واحدة ،وربما شغل معه أبناءه أو أستأجر عمالا آخرين ، كل ذلك حرصاً على الكسب والربح ،لأنه إذا فاته الموسم فقد فاته مال كثير هذا في مواسم الدنيا ، وفي تجارة الدنيا ، فما ذا عن مواسم الآخرة ؟

وماذا عن تجارة الآخرة ؟ هل يستعد لها المسلمون كما يستعد التجار؟ هل نتحرى هذه المواسم ونبحث عنها ونسال عنها ونتهيأ لها كما يتهيأ التجار لمواسمهم ؟ وان مواسم الآخرة وتجارة الآخرة لهي أعظم عند الله سبحانه وتعالى وها نحن اليوم نستقبل أياماً فاضلات وأوقات مباركات ، هي أيام العشر الأولى من شهر ذي الحجةً التي أقسم الله بها في قوله:(والفجر وليال عشر) وإن الله عز وجل لا يقسم بشي من مخلوقاته إلا لعظمته عنده ، والمراد بالليال العشر عند كثير من المفسرين هي عشر من ذي الحجة ، فقد روى البخاري عليه رحمة الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر – قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشي ) ما أعظمه من أجر، لا يفضله إلا رجل خرج للجهاد في سبيل الله بنفسه وماله ، فأنفق ماله في سبيل الله ، وقتل شهيداً ، هذا الشخص فقط هو من يكون عمله أحب الى الله من هذه الأيام ، إنه ترغيب كبير لعمل الصالحات والاستزادة من الطاعات ، والتقرب إلى الله بالقربات ، وروى الإمام أحمد عليه رحمة الله عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال (ما من أيام أعظم ولا أحب الى الله العمل فيهن من هذا الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد )

أيها الإخوة الكرام الأعزاء :

إذا كانت الأيام العشر من ذي الحجة فيها الخير الكثير وفيها من الثواب العظيم فينبغي علينا أن نستثمرها في طاعة الله والتقرب الى الله فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :(إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا له ، لعله أ، يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدا ) فينبغي على المسلم الحريص على زيادة رصيده من الحسنات ، أن يعد لهذا الأيام العدة اللازمة ، فإنها أيام معدودة ، فسرعان ما تنقضي ، فيذهب معها التعب والسهر والنصب ويبقى الأجر والثواب عند الله ، فهنيئاً لمن يفوز فيها بالكنوز الثمينة. ومن الأعمال التي ينبغي الحرص عليها في الأيام العشر :

أولاً:التوبة النصوح في هذه الأيام ، فإنها أيام يقبل الله فيها على خلقه ويقبل توبة التائبين ، فهل نكون من أولياء الرحمن المؤمنين الذين استجابوا لنداء رب العالمين القائل )وتوبوا الى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) والقائل :(يا أيها الذي آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحاًً) وها هو الحق سبحانه وتعالى يقول لمن قنط من رحمة الله (ون يقنط من رحمة ربه الا الضالون) ويقول لمن ملأت الذنوب حياته وشغلت الشهوات أيامه وغرق فيها حتى أذنيه (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) فيا من أسرف على نفسه بالمعاصي تب الى الله ، يا من أسرف في أكل المال الحرام تب الى الله ، ومن أغتاب إخوانه عليه بالتوبة الى الله ، ومن أخذ رشوة عليه التوبة الى الله ، ومن قصر في حق والديه فعليه التوبة الى الله ، ومن أيد ظالماً أو مستبداً بكلمة أو بمقال أو عبر إذاعة أو تكثير سواد فعليه أن يبادر بالتوبة الى الله .

ثانياً:ذكر الله سبحانه وتعالى نعم أيها الإخوة فإن الذكر من الأعمال التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه العشر فقال (فأكثروا فيهن من التحميد والتهليل والتكبير) فلنجعل ألسنتنا في هذه الأيام رطبة بذكر الله (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)والذكر من الأعمال السهلة الميسرة التي لا تتطلب من الإنسان تفرغاً لها فتستطيع أن تذكر الله وأنت تقود سيارتك ، وتذكر الله وأنت تمارس مهنتك أو حرفتك ، وتذكر الله في ساعات الانتظار في وما أكثرها ، وذكر الله سبحانه وتعالى لا يتطلب هيئة معينة كالصلاة فتستطيع أن تذكر الله قائماً أو قاعداً أو مضطجعاً أو واقفاً أو ماشياً قال تعالى(الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم..)فأكثروا إخواني  من الاستغفار وأكثروا من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير.

ثالثاً:من الأعمال الصالحة تلاوة القران وما في تلاوة القرآن الكريم من الأجر الكبير ، فأجعل لك برنامجاً خلا ل هذه الأيام تتلوا فيها كتاب الله .فهلموا الى مائدة الله ، أرأيتم لو أن أحد الملوك صنع مائدة ودعا الناس إليها ولم يمنع عنها أحدا ألا يكون المتخلف عنها عظيم الخسارة ،فهذا ربك قد بسط لك مائدته ، وأنت حين تقرأ القرآن فانك تغذي قلبك إيماناً ويقيناً ، فإن كنت قلقاً مهموماً فتحت كتاب الله فإذا به يناديك (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)وإن ضاقت بك الحال واشتد عليك الأمر قرأت كتاب الله فإذا هو يناديك (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين )وإن كنت مذنباً فتحت القرآن فيناديك الحق جل وعلا (فمن تاب بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) فالله الله في تلاوة كتاب ربكم ولنعزم أن نختم ختمة واحدة في هذا الأيام العشر الفاضلات،فأعزم وأعلم أن الله سيسهل عليك ذلك .

ايها الأخوة الكرام :

ومن الأعمال الصالحة في أيام العشر من ذي الحجة

رابعاً : الصيام وهو أفضل الأعمال التي نبه إليها الإسلام وحض عليها ويكفينا هذه الحديث العظيم الذي أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً )وأفضل ما يكون صيام النوافل في الأيام الفاضلة المباركة ،وأعلاها فضلاً وأكملها أجراً هذه الأيام العشر من ذي الحجة المباركة ، والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة ،وخاصة يوم عرفة لما في ذلك من الفضل الكبير فقد روى مسلم عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :(صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها والتي بعدها ) وعلى العموم فإن جنس الصيام من أفضل الأعمال وهو ما اصطفاه الله لنفسه كما في الحديث القدسي (الصوم لي وأنا أجزي به)

خامساً: قيام الليل :يقول الصالحون ، دقائق الليل غالية فلا ترخصوها بالغفلة فأغلى ما تكون دقائق الليل في الأيام والليالي الفاضلة ،حيث ينادي رب العزة المتأخرين ليتقدموا ، والمقصرين لينشطوا ، ومن فاتته الحسنات في ما مضى فليعوض بقيام الليل في هذه الأيام الفاضلات (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً )وكلما أوغلت في الليل كان القيام بين يدي الله الذ ، حيث ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول :  من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ إذا وجدت قدميك خفيفتين إلى صلاة الليل فأعلم أن هذه علامة محبة الله لك , فان الله في تلك اللحظات ينتظرك في شوق فأين أنت ؟

يا رجال الليل جدّوا             ربّ داع ٍ لا يُردُ

لا يقوم الليل إلا                من له عـزم وجـدٌ

و نحمد الله تعالى أن العشر الأوائل من ذي الحجة تأتي هذا العام و نحن في بداية فصل الشتاء نهار قصير وجو معتدل يساعد على الصيام , وليل طويل يساعد على القيام.

 سادسا ً : أيها الإخوة الأفاضل : 

إن من الأعمال الصالحات المحافظة على الصلوات المكتوبات في أوقاتهن وأدائهن جماعة في المسجد , فقد قال رسول الله صلى علية وسلم في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ( ألا أدلكم على ما يمحوا به الله الخطايا و يرفع به الدرجات ؟ قالوا : بلى يا رسول الله , قال : إسباغ الوضوء على المكاره و كثرة الخطا إلى المساجد و انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط , فذلكم الرباط ) .

و لنحرص إخواني على إدراك تكبيرة الإحرام و الصف الأول , فإنها أمور تساهل فيه كثير من الناس , فلا يحزن إذا فاتته تكبيرة الإحرام , والأمر عنده سوى ,  سواء صلى في الصف الأول أو في الصف الأخير فان التبكير إلى الصلاة يكسبك أشياء كثيرة , منها أداء السنن القبلية في اطمئنان و إدراك الصف الأول و تكبيرة الإحرام, و انتظار الصلاة , لما في ذلك من أجر يعدل اجر الرباط في سبيل الله , وتجد وقتا للدعاء بين الأذان و الإقامة فانه من الأوقات التي يستجاب فيه الدعاء.ومن الأعمال الصالحة أيضا أداء السنن القبلية و البعدية , و ركعتا الضحى وصلاة  الوتر , و الإكثار من الدعاء , ومن الأعمال الصالحة المكث بعد صلاة الفجر في المسجد حتى تطلع الشمس فان أجره كبير فعن انس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة و عمرة ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تامة .. تامة .. تامة ) رواه الترمذي , و في ذلك الوقت تستطيع أن تقرأ وردك من القرآن , و تقرأ أذكار الصباح , و تذكر الله ما تشاء من التسبيح والتحميد و التهليل و التكبير , فان في هذا الوقت لا يكون أحداً مشغول , إلا من شغله النوم عن هذه الأجور الكثيرة , و الأعمال الصالحة كثيرة لا نستطيع أن نحصرها في هذه الخطبة , فان من أراد الخير و الثواب , فليفعل منها المستطاع كالصدقة و صلة الأرحام و غيرها من فضائل الأعمال .

أيها الأخوة المؤمنون :   إن إقبال الناس على عمل الصالحات في الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة أصبح امرا ً ملحوظا ً , وهذا ما يبشر بالخير , و ان الناس إلى خير , فما إن تدخل هذه الأيام إلا و ترى الكثير من المسلمين و من الشباب بين قارئ للقرآن وتال للأذكار , وبين صائم و قائم , و رافع يديه إلى الله بالدعاء .

و الشكر أولاً لله عز وجل الذي يوفق عباده المؤمنين لأداء الطاعات و ييسر لهم عمل الصالحات , ثم الشكر لأولئك الثلة من الشباب , الذين ذكروا الأمة بهذه الأيام و فضلها و فضل العمل الصالح فيها , فأحيوها بعد أن كادت أن تنسى بين سائر الأيام , و ذكرونا بها عبر المحاضرات و الخواطر و الخطب و الندوات و الأسابيع الدعوية , والملصقات التي تذكرنا بفضل هذه الأيام , فنسأل الله أن يثيبهم على عملهم ذلك و نبشرهم بأنهم سينالون و سيحصدون من الأجور الكثير و الكثير ( فان الدال على الخير كفاعله ) .  أقول ما قد سمعتم ..

الخطبة الثانية :

أيها الإخوة المؤمنون :

كما إن هذه الأيام تضاعف فيها الأجور والحسنات على الأعمال والصالحات فانه ينبغي على المسلم أن يبتعد عن المعاصي و المنكرات , و اكبر هذه المنكرات إيذاء المسلم و قد حذر الله تبارك و تعالى من إيذاء المسلم بل و أعلن الله الحرب على من يؤذي المؤمنين ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى ( من آذى لي وليا ً فقد آذنته بالحرب ) , يعلن الله الحرب على من آذى مسلما ً فكيف بمن يؤذي الناس جميعاً ؟ فكيف بمن يؤذي الشعب بأكمله ؟ و الأمة الإسلامية تستعد لاستقبال عيد الأضحى المبارك , العيد التي يستحب فيها التوسيع على الأولاد في الأكل و الشرب , ويستحب فيها لبس أجمل الثياب , فان الشعب اليمني يعيش ظروفا قاسية .

أولها هذا الغلاء الفاحش في الأسعار , فكل شي يرتفع سعره يوميا , ارتفاع في المواد الغذائية , ارتفاع في الخضار و الفواكه , بل أصبح رفع الأسعار فوضى , من أراد أن يرفع سعر بضاعته فليرفع , دون حسيب أو رقيب و دون وازع من إيمان يردعه عن ذلك , وأما الجهات المسؤوله فهي غائبة تماماً , و كأنها تؤيد ما يحصل ,أو أنها عاجزة عن فعل شي , ارتفع سعر اسطوانة الغاز بشكل خيالي  مؤخراً , و لم تحرك الجهات المسؤوله ساكنا ً , ومضت خمسة أشهر و المواطن يتكبد أسعاراً باهضة في شراء البترول فأين ذهب البترول العادي .. وفي هذا السياق نوجه الرسائل التالية :

الرسالة الأولى :   إلى من جعلوا الكسب السريع والفاحش همهم الأول  , إلى من يستغلون الأوضاع التي تمر بها البلاد من رفع الأسعار والتكسب على حساب المواطن , نقول لهم اتقوا الله في إخوانكم , و لا تجعلوا الطمع والجشع يعمي قلوبكم , اعلموا أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها حتى ماتت .. فكيف برأيكم من يجوع شعباً بأكمله ؟

وهل تعتقدون أن ما تحصدونه من أموال بهذه الطريقة حلال عليكم ؟؟

الرسالة الثانية : إلى الجهات المسؤوله أن تتحمل مسئوليتها و أن تؤدي دورها تجاه هذا الشعب , و خاصة أننا على أبواب عيد الأضحى المبارك و ليعلموا أنها أمانه و أنها عند الله يوم القيامة خزي وندامة , و إذا كان الفاروق رضي الله عنه قال : و الله لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يحاسبني الله عليها لِمَ لم تسوي الطريق لها ياعمر ؟ و اليوم كم من البشر وليس من البغال يتضورون جوعاً و ربما يأتي عليهم العيد وهم لا يجدون ما يأكلون و لا ما يلبسون فماذا انتم قائلون لربكم يوم يقول ( وقفوهم إنهم مسئولون ) .

الرسالة الثالثة :  إلى العقلاء إلى المصلحين إلى الوجهاء إلى الخطباء لابد أن يكون لكم صوت مسموع , تدافعون فيه عن حقوق المظلومين و تردعون به جشع الطامعين , فإنكم إن سكتم فمن ذا ينطق بعدكم و اعلموا انه ليس دائما ( السكوت من ذهب ) بل يكون الكلام ذهبا ً إذا كان في قول الحق , و من اجل الحق , و سيكون كلامكم ذهباً إذا كان دفاعاً عن المظلومين ضد الظالمين , وسيكون كلامكم من ذهب إذا كان امراً بمعروف أو نهياً عن منكر ( كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله ) وقال الصادق المصدوق

 ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان ) وان سعيكم من اجل إخوانكم أجره عظيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لئن يمشى أحدكم في حاجة أخيه خير من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرا كاملاً ) .  وصلوا وسلموا ..  

<