twitter
Share
لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
 
تمت الإضافة بتاريخ : 23/10/2011م
الموافق : 26/11/1432 هـ

حسن السبيكي ـ المفرب /خاص ينابيع تربوية

يقول الله تعالى :{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ ّالْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خير يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْر الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ }   ( البقرة196 )        

     خطاب من الله تعالى  إلى عباده المؤمنين العازمين على أداء فريضة الحج ،يذكرهم بعد فرضيته ، بشروطه الخلقية التي لا يصح ولا يتم إلا بالتحلي بهاو التزامها وتجنب ما يناقضها ، حتى يكونوا أهلا لذلك الفضل العظيم .

     وقد بينا في درس سابق حكم الحج وحكمته وفضيلته وموقعه من أركان الإسلام الخمسة ، ومن شعائر العبادة كلها . والغاية من كل ذلك أن يفقه الحاج  خصوصية مناسك الحج ويعمل بمقتضاها ، ويستكمل لذلك مقوماته وشروطه من الأركان والواجبات والسنن والأخلاق، حتى يتقرب الى الله تعالى على علم ويقين وبصيرة ، والتزام وانضباط بما يرضيه عز وجل ، ابتغاء فضله ورضوانه .

     وفي ظلال الآية الكريمة ، نذكر بأهمية أمر يغفل عنه  كثير من المسلمين في تدينهم، رغم كونه من الدين في كل شيء من مقوماته ، اعتقادا وعبادة وعملا ومعاملات ، وهو أن كلأ عمال العبادات والمعاملات تستلزم مكارم الأخلاق في فعلها مثلما تستلزم الإيمان فبأساسها . حسبكم إن  النبي صلى الله عليه وسلم اختزل رسالة دعوته كلها في ذلك بقوله : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق  ) (صححه الألباني )، وبذلك اثني الله عليه امتيازا :{ّ وانك لعلى خلق عظيم } و كان تمام  الإيمان وكماله في حسن الخلق، لقوله عليه الصلاة والسلام (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ) (الترمذي) . وكلما سئل النبي الأمين عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، يقول:( تقوى الله وحسن الخلق ) . فحسن الخلق برهان التدين الصحيح ومظهر حقيقته ، وهو أثقل الإعمال في ميزان يوم القيامة: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء) (رواه الترمذي) . فكما للصلاة أخلاقها وللزكاة أخلاقها وللصوم أخلاقه ، فان الحج يقتضيها جميعا ، كما هو جامع لمختلف العبادات والمقربات .لهذا كان على الحاج الذي يقدر فضيلة الحج وثوابه العظيم ، أن يستكمل ثلاث دعائم  مطلوبة في الإقبال على أداء فريضته :

   ـ أولها صدق النية وإخلاص العمل لله تعالى يغير رياء ولا امتنان ولا اغترار : { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِح أولا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً } (الكهف110) .  

ـ وثانيها التفقه في مناسك الحج حتى يؤديها على علم ودراية بالأحكام والحكم والهيئات و الأوقات على اقتداء بسنة النبي الأمين الذي قال : ( خذوا عني مناسككم ) .

 ـ وثالثها التحلي بحسن الخلق ، واجتناب كل ما يتنافى مع التوجه الى الله تعالى في أشرف عبادة,وأكرم ضيافة ، في أطيب البقاع ، ابتغاء أعظم ثواب وجزاء موعود لصاحب الحج المبرور( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ) (الشيخان) ، ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ،والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) ( البخاري).

     وبناء على هذه الاعتبارات في خصوصية الحج وفضله وثوابه العظيم ، كان الانضباط الخلقي أشد لزوما ، ويقتضي من الحاج أن يسمو  بعقله وقلبه وسلوكه إلى مقام رفيع من الاستقامة والتقدير والتعظيم لشعائر الله تعالى : { ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } (الحج32) .               

   ان الله تعالى عليم خبير بظروف موسم الحج وبأحوال ضيوفه المقبلين عليه من مختلف الأجناس والأقطار وبمختلف العقليات والطباع والعادات ، وما يعتريهم في السفر من المشقة وشعور الاغتراب،وقد تركوا أهليهم وديارهم وأموالهم وأوطانهم ، مما يجعل نفسيا تهم أقرب وأسرع الى التأثر والانفعال والتوتر ، وما قد ينجم عن ذلك في تصرفاتهم من الشطط والزلل في السلوك و المعاملات. من أجل ذلك وغيره اقتضت شريعة الله تعالى ، وهو العليم الحكيم ، تحريم كل ما يتنافى مع مقاصد الحج وفضيلته ، ولا يليق بمن يقبلون على ربهم خشية ورجاء ، كما لا يليق بموسم الأخوة الإيمانية في أسمى صورها ومعانيها . ذلك ما تنهى عنه الآية الكريمة :{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  فَلاَ رَفَثَ  وَلاَ فُسُوقَ  وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ }

       الرفث والفسوق والجدال ، آفات سلوكية مذمومة على كل حال ، ولكنها في موسم الحج ، أشد وأنكي ، و أبلغ في النهي والتحريم ، لكي يتحرر الحجاج من نوازع النفس الأمارة ويتعففوا عن كل ما يناقض مقاصد الحج وحكمته وفضيلته .

  ـ فلا رفث :والرفث كل ما يصدر عن الشهوة الجنسية ويتعلق بها ، من فاحش الكلام والسلوك قليلا أو كثيرا،  بفعل اليد أو العين أو الأذن واللسان سواء . فالمقام أجل وأشرف من أن ينشغل الحاج فيه بأهواء النفس ونوازع الشهوة التي تفسد عليه قدسية العبادة وروحانية الموسم الرباني. وقد يدرك العاقل حكمة تحريم هذه السلوكيات حين يجد نفسه بالضرورة في أجواء الزحام والاختلاط والتدافع بين الرجال والنساء . ولا شك انه اختبار أكيد لصدق النوايا وطهارة السريرة ووازع التعفف طاعة لله تعالى . لذا وجب على الحاج نحو النساء أن يغض البصر ويكف الجوارح و يحذر  النظرات الزائغة والحركات الطائشة وشهوة الكلام مع غير المحارم والاحتكاك المتعمد والخلوات المريبة . يتقي كل ذلك استجابة لأمرالله تعالى ، وتأدبا معه سبحانه، واستشعارا لرقابته :{ان السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }. وفي الحديث :( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس بهحذرا  مما به بأس ) (الترمذي) .

   ـ ولا فسوق : و الفسوق يشمل كل ما يناقض التقوى والاستقامة على الطاعة ، من المعاصي والآثام ، كبائر وصغائر ،أقوالا وأفعالا ، كالكذب والغيبة والنميمة والفحش و القذف و السرقة و الظلم و كل أشكال الاذاية للمسلمين ،أو أبمظهر للإفساد في البلد الحرام . فالحاج القادم على الله تعالى بالتلبية، لا يليقبه أن يلبي بالفسوق نداء الشيطان ، وهو أول الفاسقين { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }(الكهف 50). و ما أشد مكائد غوايته في هذا الموسم الرباني حتى يفوت على الحجاج فضيلة الإخلاص والتقوى في العبودية والعبادة ، أو يضيع عليهم الاجر والثواب: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تقولوا على اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }(البقرة 169).

ولا جدال : و الجدال يشمل كل مظاهر المراء والمشاحنات والخصومات الكلامية ، التيتمليها دوافع التحدي والمبارزة ورغبة الافحام ، ولو كان في الحق . والجدال خطير لما قد يبعث في النفوس من الضغائن والأحقاد ، وتعكير أجواء الأخوة والمحبة بين المسلمين . وبذلك يعتبر مدخلا شيطانيا لصرف الحجاج عن خلق الأدب مع الله تعالى وهم في ضيافته و عبادته ، وإفساد أجواء الإخوة الإيمانية بينهم . فقد يسهل على أكثرهم أداء المناسك ، ولكن قد يصعب  عليهم الاحتراز من الجدال و التحرر من دوافعه النفسية المتأججة بأجواء الزحام و دواعي الخلاف والتصادم . فالمطلوب من الحاج أن يتسلح بجميل الصبر والتسامح، و يعمل بقوله تعالى : { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } (فصلت:34).. ومظهر ذلك أن يبدي الحاج مشاعر الأخوة والمحبة والسماحة والتفهم في معاملة اخوته الحجاج، ويحتسب فضل ذلك عند الله تعالىكما أخبر الصادق الأمين : ( .. أنا زعيم  ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقا. وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحا ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسنخلقه ) (أبو داود) .

        انه لما كان الحج جليل القدر ، عظيم الجزاء والثواب، وكان فرصة العمر للمسلمين الراغبين في رضى الله ورضوانه، فان الشيطان حريص بكل مكره ودهائه وجنده ، على السعي لتفويت هذا الفضل العظيم عليهم ،بالسعي في افساد حجهم كليا أو جزئيا ، فيعمل على ايقاعهم في تلك الآفات المحظورة .لذلك تجد كثيرا من الحجاج لا يعظمون شعائر الله في المناسك ولا يلزمون الاستقامة فيأدائها دون انحرافات خلقية الا قليلا . وهكذا يكون الوقوع في هذه المنهيات انصرافاعن القصد في اخلاص العبادة لله تعالى  ،وانقياد العبادة الشيطان :{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَاتَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }(يس60) . وأمام هذه الاعتبارات كان قول النبئصلى الله عليه وسلم  دقيقا وصريحا حيناشترط للحج المبرور اجتناب هذه الآفات فقال: ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه )(الشيخان).

     ولتجنب هذه المفاسد يدعى الحجاج الكرام الى العمل بمبدأي النخلية والتحلية ، أي أن يتخلوا عن كل ما يناقض حكمة الحج ومقاصده وفضيلته وهي المعنية بالرفث والفسوق و الجدال ،ويتحلوا  بكريم الخصال التي يتطلبها اخلاص العبادة لله تعالى عموما ، وفي الحج خاصة ، ومنها العفة والصبر والحلم والعفو والتسامح والتواضع والرفق والإيثار ومقابلة الإساءة  بالإحسان:{ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْيَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ( النور22) . فمن كان يرجو من الله العفووالمغفرة فليعمل بهما في علاقته بالناس .وفي ذلك اختبار لحقيقة اسلامه وايمانه و( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ).

    فليقدر الحجاج الميامين فضل الله تعالى عليهمبفرصة الحج ، وقد هيأ لهم أسبابه وطريقه ، فهل يليق بالعاقل أن يضيع الفرصة الغالية ويفوت على نفسه مغفرة ما تقدم من ذنوبه ، ونعيم الجنة ، منقادا لنزوات النفس الأمارة وشهواتها ، و ( الكيس من دان نفسه وعمللما بعد الموت . والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) ( رواه الترمذي).                                

الخطـبــــة الثــانيــــة

     يقول الله تعالى بعد النهي عن الرفث والفسوق والجدال: { وَتَزَوَّدُواْفَإِنَّ خَيْر الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } (البقرة 196) 

       هنيئا للحجاج الميامين الراحلين الى ضيافة الرحمن يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، مقبلين على خير الزاد ، زاد التقوى .سالكين اليه طريق الجنة :{ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } (آل عمران:133 ) . بشراهم وقد سبقهم الرجاء والشوق الى جنب الله تعالى { لمثل هذا فليعمل العاملون }. من أجل ذلك يتركون وراءهم الديار والأهل والأوطان راضين محتسبين . فمهما كانت وطأة الرحيل على النفس شديدة ،والتكلفات المادية كبيرة ، فانه رحيل الى ما هو أولى وأشرف وأكرم ، الى فضل الله العظيم والنعيم المقيم . وان نداء المولى الكريم اجل وأولى من كل نداءات الرغبات الدنيوية الفانية . فهل من شيء أسعد لنفوس المؤمنين منأن يباهي الله بهم ملائكته : ( انظروا الى عبادي ، قد جاءوني شعثا غبرا ، من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ) .

 

     فليستعد الحجاج الكرام ، لهذا المغنم العظيم  بالخلق الكريم ، فأنهم فبعبادة  ، وكل أوقات الحج عبادة . وليحذر واكل طائش من التصرفات المنافية لمقاصد العبادة والتعظيم لشعائر الله جل وعلا ،كالخشونة في الأقوال والأفعال، والاختلاط المذموم ، والتدافع والهياج في أداء المناسك ، والتفريط في أداء الصلوات في أوقاتها ، وقتل الأوقات الثمينة باللغو من الكلام  ، وممارسة العادات السيئة  كالتدخين ووسائل اللهو وغيرها ، والمبالغة في استعمال الهواتف في الاتصال وأحد الصور في رحاب الحرمين الشريفين ،المسجد الحرام والمسجد النبوي .

     وليذكر الحجاج الكرام بعد ذلك أن أيام الحج مدرسة إيمانية تربوية عظيمة القدر ، جليلة المنافع الدينية والدنيوية ، حسبكم انه موسم طاقة روحية هائلة  يتزود الحاج به ليعود أقوى إيمانا و عزيمة في الطاعات ، و دورة تدريبية لترويض النفس والجسد على الصبر والبذل والتضحية من أجل دين الله تعالى . وأنه تربية على المساواة في أكمل صورها بين المسلمين على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم . كما أن الحج تجسيد لمعاني السلام في مؤتمر إسلامي يضم الملايين في مناخ أخوي سلمي منقطع النظير يتابعه العالم بهيبة وإجلال .ولنذكر جميعا فضل الله العظيم على هذه الأمة بحكمة موسم الحج، وكل شعائر هذا الدين القيم ، الذي ارتضاه الله لهذه الأمة كرما منه وفضلا : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }.

جعلني الله واياكم  ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، أولئك الذينهداهم الله وأولئك هم أولو الألباب

 

<