twitter
Share
أمة تتوكل على ربها
 
تمت الإضافة بتاريخ : 05/11/2010م
الموافق : 29/11/1431 هـ

من دروس الحج

أمة تتوكل على ربها

 

الكاتب : أ/ حسان العماري

خاص ينابيع تربوية

الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره ، وسببا للمزيد من فضله ، جعل لكل شيء قدرا ، الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحا لذكره ، وسببا للمزيد من فضله ، جعل لكل شيء قدرا ، ولكل قدر أجلا ، ولكل أجل كتابا .وأشهد أن لا إله إلا الله  وحده لا شريك له ، شهادة تزيد في اليقين ، وتثقل الموازين ، و تفتح لها أبواب جنةُ رب العالمين

يا من تُحل بذكره عُقد النوائب والشدائد ...  يا من إليه المشتكى وإليه أمر الخلق عائد

أنت العليم لما بليت به وأنت عليه شاهد ...  أنت المعز لمن أطاعك والمذلُ لكل جاحد

أنت المنزّه يا بديع الخلق عن ولد ووالد ...  يسّر لنا فرجاً قريباً يا إلهي لا تباعد

 وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، وصفيه وخليله ، أمين وحيه ، وخاتم رسله ، وبشير رحمته صلى الله عليه ، وعلى آله مصابيح الدجى ، وأصحابه ينابيع الهدى ، وسلم تسليما كثيرا  أما بعـــد :-

عبـــــــاد الله : -  لقد مكث إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يرزقه الولد الصالح طوال حياته .. فلطالما أشتاقت نفسه إلى هذا الولد فيداعبه ويلاعبه ويضاحكه ويستعين به على تبليغ رسالة ربه ويكون براً به عند كبر سنه وظل هكذا يدعو (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات:100)  واستمر في الدعاء  وقد بلغ به العمر عتيا وكبر سنه ورق عظمه فاستجاب الله له ورزقه بغلام حليم  ثم أنعم الله عليه بعد فترة من الزمن بغلام آخر عندها قال (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (ابراهيم:39) وعندما رزق بالولد الأول وهو إسماعيل عليه السلام أمره ربه بأن يهاجر من فلسطين مع زوجته هاجر وابنه الرضيع إلى وادٍ مترامِ الأطراف لا ماء فيه ولا طعام و لا شجر ولا يوجد فيه أحد من البشر  حتى إذا وصل إلى ذلك المكان ترك زوجته وابنه الرضيع و ترك لهما قليلٌ من الماء وبعض حباتٍ من التمر وعاد بأمر ربه إلى فلسطين.

 فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي، الذي ليس فيه أحد ولا شيء فيه ، قالت ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها حتى لا يتأثر بالعاطفة ويحن عليهما وينسى أمر ربه .

 فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟

قال: نعم.

قالت: إذا لا يضيعنا... 

يا لها من كلمة عظيمةٌ تنبئ عن إيمان عميق وتوكل عظيم وثقة لا حدود لها بخالق الأرض والسماوات .. إذا كان الله أمرك بهذا فلن يضيعنا .. ثم انطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات وهو على ثقةٌ بأن الله لن يضيع زوجته وابنه ( رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِى إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مّنَ ٱلثَّمَرٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم:37]  وهل يعقل من إبراهيم عليه السلام الذي كان يتمنى طوال حياته هذا الولد أن يتركه في هذا الوادي بدون طعام أو شراب لكنه التوكل على الله والثقة به والاعتماد عليه وتلك والله عقيدة السعداء وطريق الأولياء وبها سعادة الدنيا والآخرة ..  وجعلت أم إسماعيل ترضع ولدها إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نَفِد ما في السقاء  أصابها العطش وابنها فأخذت تبحث عن الماء بين الصفاء والمروة وإذا بها تسمع صوتاً فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت ( تجمّعه) بيدها، فشربت وأرضعت، فقال لها الملك: ((لا تخافوا الضيعة، فإن هذا البيت يبنيه هذا الغلام وأبوه))   (رواه البخاري). 

ومرت قبيلة جرهم اليمنية قريب من ذلك المكان فرأوا الطير في السماء حول ذلك المكان فأدركوا بوجود الماء ولما أتوا إليه وجدوا امرأة ضعيفة وغلام رضيع فقالوا لها تعطينا من الماء ونعطيك الطعام ونحفظك وابنك فعاشت تلك القبيلة في ذلك المكان وترعرع فيه إسماعيل وتزوج من تلك القبيلة وقام مع والده ببناء البيت وأمر الله خليله إبراهيم عليه السلام بأن يؤذن في الناس بالحج قال تعالى( وَأَذّن فِى ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىٰ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ ) [الحج:27].

 فقال إبراهيم: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذ إليهم؟

 فقال: ناد وعلينا البلاغ

 فقام على مقامه، وقيل: على الصفا، وقيل على جبل أبي قبيس. وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت  حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأجابه كل شيء سمعه من حجر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة وها هم الناس من  أقطار الأرض يحجون بيت الله إلى يوم القيامة  .

عبـــــــاد الله : -   إنه لدرسٌ عظيم نتعلمه من دروس الحج ومن هذه الحادثة وإن أعظم هذه الدروس قضية التوكل والاعتماد على الله والثقة به  في زمن كثر فيه المتوكلون على غيرهم من البشر  وعلى حنكتهم وذكائهم وأموالهم  وقوتهم وعددهم في جلب الأرزاق ودفع المضار وتحقيق الأمنيات والله سبحانه وتعالى يقول ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ) (الأحزاب: من الآية48). ويقول تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ) (الفرقان: من الآية58)  بل إن الله تعالى جعل التوكل شرطاً لصحة الإيمان فقال سبحانه : ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) (المائدة/23) وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم  ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً ). ومعنى " خماصاً " أي فارغة البطون ..  و التوكل هو الاعتماد على الله والثقة به في نيل المطلوب وتحقيق المرغوب بعد بذل المستطاع من الأسباب وأن يعتقد العبد بأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله وأن بيده مقاليد كل شيء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ...  قال تعالى عن أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم-: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173) وجعل الله التوكل عليه من أعظم صفات المؤمنين فقال  (  إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيْمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ }( سورة الأنفال : 2) 

قال ابن عيينة دخل هشام بن عبد الملك الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله فقال : سلني حاجةً .. 

قال: إني استحيي من الله أن أسأل في بيته غيره.

فلما خرجا، قال: الآن فسلني حاجةً  .. 

قال له سالم:من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة ؟ 

قال: من حوائج الدنيا.

قال: والله ما سألت الدنيا من يملكها فكيف اسألها من لا يملكها ...  

وهذا  أحد الصحابة يرى غلاما لم يبلغ العاشرة من عمره .. قائما يصلي في مسجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  بخشوع فلما انتهى من صلاته جاء إليه وسلم عليه

قال: له ابن من أنت فطأطأ الغلام رأسه وانحدرت دمعة على خده تم رفع رأسه

قال: يا عم  إني يتيم الأب والأم فرق له الصحابي

قال: له يا بني أترضى أن تكون أبناً لي ؟

فقال: الغلام هل إذا جعت تطعمني ؟

فقال نعم

 فقال الغلام هل إذا مرضت تشفيي؟

 قال الصحابي ليس إلى ذلك من سبيل يا بني ..

 قال الغلام هل إذا مت تحيني ؟ قال الصحابي ليس إلى ذلك من سبيل .. 

فقال الغلام فدعني يا عم  ل { الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين واذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتيي يوم الدين .....}سورة الشعراء

سكت الصحابي ومضى لحاله وهو يقول أمنت بالله من توكل على الله كفاه ...

إن أمة الإسلام اليوم أحوج ما تكون إلى أن تعيد ثقتها بالله وتوكلها عليه وذلك بتقوية الإيمان بالله وبذل الأسباب واليقين بما عند الله حتى لا تباع الذمم وتضعف القيم وتفسد الأخلاق وتسوء العلاقات بين الناس ... لقد ضعف التوكل من حياة هذه الأمة حتى ركنت إلى أعدائها في طعامها وشرابها وحماية أرضها وحدودها حتى استبيحت المحرمات وسفكت الدماء واحتلت الأرض وامتلأت القلوب خوفاً ورعباً وجبناً وأصبحت هذه الأمة يضرب بها المثل في ضعفها وتفرقها وهوانها على الناس ... 

لقد بعث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ربعيُّ بن عامرٍ رضي الله عنه إلى رستم قائد الفرس فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق المذهبة والزرابي و الحرير وقد جلس على سريرٍ من ذهبٍ، ودخل ربعيٌّ رضي الله عنه بثيابٍ رثةٍ وسيفٍ وُترسٍ وفرسٍ قصيرٍ ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد وأقبل وعليه سلاحه ودرعه وبيضته على رأسه,

فقالوا له: ضع سلاحك.

فقال: إني لم آتكم وإنما جئتكم حين دعوتموني فإن تركتموني هكذا وإلارجعت.

فقال رستم: ائذنوا له فأقبل يتوكأ على رمحه فوق النمارق فخرق عامتها.

فقالوا له: ما جاء بكم ؟.

فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله, ومن ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جَورِ الأديان إلى عدل الإسلامً حتى نفضي إلى موعود الله  ..

قالوا: وما موعود الله ؟

قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى والظفر لمن بقي ..

فقال رستم: أسيدهم أنت ؟

قال: لا ولكن المسلمون كالجسد الواحد يجير أدناهم على أعلاهم فاجتمع رستم برؤساء قومه.

 فقال:هل رأيتم قط أعز وأرجح من كلام هذا الرجل؟.

عبـــــــاد الله : -   في التوكل يجد العبد راحة البال, واستقرارٌ في الحال، وطمأنينة في النفس فلا يخاف من فوات رزق لأن الله وكيله وهو القائل ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) (فاطر:3) وفي التوكل يجد العبد الأمن والنصرة والعناية والتأييد من الله قال تعالى ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَـٰنَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ [التوبة:51].

 لما ولى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وزاد طغيانه وتجبره، وقف الحسن البصري أمام طغيانه وظلمه . فقال الحجاج لحاشيته ومقربيه من ينكر علىّ ؟ قالوا الحسن البصري فقال الحجاج  وهو يشتاط غيظاً من لجلسائه: (تبا لكم وسحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه!!‍ والله لأسقينكم من دمه ثم أمر بالسيف والنطع فأحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه، ثم أمر الشرطة أن يأتوا به، فجاءوا بالحسن فارتجفت له القلوب خوفاً عليه, فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد تحركت شفتاه، ثم توجه إلى الحجاج في عزة المؤمن الواثق بربه المتوكل عليه والذي يخشاه ولا يخشى أحداً إلا إياه ، وما أن رآه الحجاج حتى هابه ووقره وقال: ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا, ثم مازال يوسع له ويقول: ها هنا والناس يندهشون للموقف، حتى أجلسه على فراشه وأخذ يسأله عن بعض أمور الدين، ويجيبه الحسن بعلمه الفياض ومنطقه العذب وهو ثابت صلب فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد, ثم طيب له لحيته بأغلى أنواع الطيب وودعه ولما خرج تبعه حاجب الحجاج وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، وأنى رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع، حركت شفتيك فأسألك بالله إلا أخبرتني ماذا قلت؟ قال الحسن: لقد قلت: يا ولى نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته برداً وسلاماً علىَّ كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم ..) وصدق الله إذ يقول(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلّ شَىْء قَدْراً)[الطلاق:3]. اللهم بك آمنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا، فاغفر لنا وارحمنا، وأنت أرحم الراحمين.  قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه .

الخطــــبة الثانــية  :

  عبــــــــاد الله :-  إن المرء ليعجب عندما يرى هذه الفريضة في هذه الأمة ما تزال تنبؤ الدنيا كلها على أن هذه الأمة لا تتحرك ولا تبذل ولا تضحي  إلا لله - عز وجل وهي امة واحدة في قيمها ومبادئها وأخلاقها و كم حاول الأعداء تمزيق الأمة؟! كم اصطنعوا من فواصل؟! وكم افتعلوا من الحواجز جغرافياً، وقومياً، وحزبياً، وسياسياً، ومذهبياً، وطائفياً؟!  لقد حاولوا إطفاء جذوة الدين الموحد، وقتل اللغة المشتركة، وطمس التاريخ المجيد، ولقد قطعوا -أخزاهم الله- في تحقيق مآربهم شوطاً بعيداً ولكن شعائر الإسلام تأتي لتوحد القلوب وتذكر النفوس وتبين الحقائق وتقوي الوشائج والروابط بين المسلمين و انظروا إلى من يأتي من أقاصي الصين ، ومن يأتي من أعماق أفريقيا السوداء ومن يأتي من أواسطي أوروبا البيضاء ، ومن يأتي من شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها وانظروا إلى فقيرِ ربما جمع مال ونفقة الحج عبر سنواتٍ طوال ، وانظروا إلى عجوزٍ قد أحنى الزمان ظهرها ، وأناخت الدنيا عليها بزمانها وأيامها وسنواتها ، وانظروا إلى هذه الجموع في اختلافها وتنوعها .. ما الذي حركها ؟ما الذي هيجها ؟ ما الذي دفعها ؟ إنه : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فجٍ عميق } .  يأتون مشياً على الأقدام ... ركوباً على الجبال .. عبر البحار .. وفي السماء وعلى الأرض بكل وسيلةٍ تحركهم .. قلوبُ تتعلق بالله - عز وجل - وتتحرك شوقاَ إلى لقائه ، وتتوكل عليه وتثق به وتهفو إلى رؤية بيته المحرم ، وتهفو إلى هذه الأماكن المقدسة ، وإلى هذه الفرائض المعظمة .. ينبغي أن ندرك وتدرك الأمة أن الدرس الأعظم هو أنه لا جماع لها ، ولا وحدة لما تفرق من أوصالها إلا بهذا الدين ، وعلى منهج هذا الدين ، وعلى خطى الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم  وأنها أمة واحدة ذات رسالة خالدة.

هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً "[الأحزاب:56]

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وارضَ  اللهم عن خلفائه الراشدين، وعن الصحابة أجمعين،

وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين. 

<