twitter
Share
عيد الأضحى وصداه (2)
 
تمت الإضافة بتاريخ : 02/11/2010م
الموافق : 26/11/1431 هـ

عيد الأضحى وصداه في الرسائل والقصائد (2)

عيد الأضحى المبارك وأصداؤه عبر التاريخ

يأتي موسم الحج مع عيد الأضحى المبارك، وهو ثاني العيدين عند المسلمين وهما عيد الفطر، وموعده أول شهر شوال بعد صيام شهر رمضان، وعيد النحر، أي: الأضحى، وموعده في العاشر من شهر ذي الحجة، وفي نهاية ذي الحجة تنتهي أيام السنة الهجرية – القمرية، وتبدأ السنة التي تليها في أول شهر المحرم، وبهذا تنتهي السنة الحالية 1425 هـ، وتبدأ السنة الهجرية الجديدة 1426 هـ، وأول ما بدأ به محمد صلى الله عليه وسلم من العيدين، هو عيد الفطر، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة/ 624م. وتلاه عيد الأضحى، ومنذ ذلك الوقت والمسلمون يحتفلون بهذين العيدين المباركين.

ومصطلح "عيد الأضحى " مركَّب من كلمتين، وينطوي على معنيين أحدهما لغوي، وثانيهما اصطلاحي، وهو العيد المشهور بعيد النحر المصادف في العاشر من ذي الحجة.

المعنى اللغوي للعيد

وأما المعنى اللغوي، فلكل كلمة من مصطلح: عيد الأضحى معناها الخاص بها، فكلمة العيد تأتي في مادة – عود: "والعود ثاني البدء، والعادَةُ: الدَّيْدَنُ يُعادُ إِليه, معروفة وجمعها: عادٌ وعاداتٌ وعِيدٌ؛ والعِيدُ: ما عاد إِليك من الشَّوْقِ والمرض ونحوه، وتَعَوَّدَ الشيءَ وعادَه وعاوَدَه مُعاوَدَةً وعِواداً واعتادَه واستعاده وأَعادَه، أَي: صار عادَةً له.

و العِيدُ عند العرب: الوقت الذي يَعُودُ فيه الفَرَح والحزن, وكان في الأَصل العِوْد، فلما سُكِّنت الواو، وانكسر ما قبلها صارت ياء, وقيل: قُلبت الواو ياء لِيَفْرُقوا بين الاسم الحقيقي، وبين المصدريّ.

ورجل عائدٌ: من قَوْم عَوْدٍ وعُوَّادٍ، الأَخيرة اسم للجمع؛ وقيل: إِنما سمي بالمصدر. ونِسوةٌ عوائِدُ و عُوَّدٌ، وهنَّ اللاتي يَعُدْنَ المريض, الواحدة عائِدةٌ. ورجلٌ مَعُودٌ ومَعْوُود، الأَخيرة شاذة, وهي لهجة تميمية، والعُوادَةُ: من عِيادةِ المريض.

ويقال: عاوَدَ فلانٌ ما كان فيه, فهو مُعاوِدٌ، والمُعاوِدُ: المُواظِبُ، وفي كلام بعضهم: الزموا تُقى اللَّهِ واسْتَعِيدُوها أَي: تَعَوَّدُوها. واسْتَعَدْتُه الشيء فأَعادَه: إِذا سأَلتَه أَن يفعله ثانياً. و المُعاوَدَةُ: الرجوع إِلى الأَمر الأَول؛ والمَعادُ: المَصِيرُ والمَرْجِعُ, والآخرة: مَعادُ الخلقِ.

و الاعتِيادُ في معنى التَّعوُّدِ, وهو من العادة. يقال: عَوَّدْتُه فاعتادَ، وتَعَوَّدَ والعِيدُ: ما يَعتادُ من نَوْبٍ وشَوْقٍ وهَمٍّ ونحوه. وما اعتادَكَ من الهمِّ وغيره, فهو: عِيدٌ؛ قال الشاعر يزيد بن الحكم الثقفي:

أَمْسَى بأَسْماءَ هذا القلبُ مَعْمُودَا  *** إِذا أَقولُ: صَحا, يَعْتادُهُ عِيدا

كأَنَّني , يومَ أُمْسِي ما تُكَلِّمُني  *** ذُو بُغْيَةٍ يَبْتَغي ما ليسَ مَوْجُوداً

كأَنَّ أَحْوَرَ من غِزْلانِ ذي بَقَرٍ  *** أَهْدَى لنا سُنَّةَ العَيْنَيْنِ والجِيدَا

وقال تأَبَّطَ شَرّاً:

يا عيدُ ما لَكَ من شَوْقٍ وإِيراقِ *** ومَرِّ طَيْفٍ , على الأَهوالِ طَرَّاقِ

المعنى الاصطلاحي للعيد

وأما المعنى الاصطلاحي، فأصله أن العِيدَ: كلُّ يوم فيه جَمْعٌ, واشتقاقه من عاد يَعُود، كأَنهم عادوا إِليه؛ وقيل: اشتقاقه من العادة لأَنهم اعتادوه, والجمع: أَعياد لزم البدل, ولو لم يلزم لقيل: أَعواد كرِيحٍ وأَرواحٍ لأَنه من عاد يعود. و عَيَّدَ المسلمون: شَهِدوا عِيدَهم. وتحوَّلت الواو في العيد ياء لكسرة العين, وتصغير عِيد: عُيَيْدٌ، تركوه على التغيير كما أَنهم جمعوه أَعياداً، ولم يقولوا أَعواداً.

قال الجوهري في الصحاح: إِنما جُمِعَ أَعيادٌ بالياء للزومها في الواحد, ويقال للفرق بينه وبين أَعوادِ الخشب.

وقال ابن الأَعرابي: سمي العِيدُ عيداً لأَنه يعود كل سنة بِفَرَحٍ مُجَدَّد، وعادَ العَلِيلَ يَعُودُه عَوْداً وعِيادة وعِياداً: زاره؛ وقال أَبو ذؤيب الهذلي:

أَلا لَيْتَ شِعْرِي, هَلْ تَنَظَّرَ خالدٌ  *** عِيادي على الهِجْرانِ, أَم هوَ يائِسُ ?

وبناء على ما ذكرناه يتضح لنا أن كلمة عيد هي من مادة: عود، وليست من مادة: وعد كما يتوهم البعض، وكلمة عيد نكرة، وهو مضافة تضاف إليها كلمة أخرى تحولها إلى معرفة تميز كل عيد عن سواه من الأعياد .

معنى الأضحى

أما كلمة الأضحى المرادفة للنحر، فلها معنيان أحدهما لغوي، والثاني اصطلاحي، والمعنى اللغوي هو الأصل، والمعنى الاصطلاحي على علاقة وثيقة بالمعنى اللغوي.

المعنى اللغوي للأضحى

ويعود المعنى اللغوي إلى الجذر: ضحا، ومنه الضَّحْوُ والضَّحْوَةُ والضَّحِيَّةُ: ارْتِفاعُ شمس النهار إلى ما قبل الظهر، والضُّحى أُنْثى، وتَصْغيرُها بغَيْر هاءٍ لِئَلاَّ يَلْتَبِسَ بتَصْغير ضَحْوَةٍ والضَّحاءُ ممدودٌ، إِذا امْتَدَّ النهارُ وكرَبَ أَن يَنْتَصِفَ؛ وقيل: الضُّحى: حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَصْفو ضَوْءُها. والضَّحاء، بالفتح والمدّ: إِذا ارْتَفَعَ النَّهارُ، واشْتَدَّ وَقْعُ الشمس، وقيل : هُو إِذا عَلَتِ الشَّمْسُ إِلى رُبْعِ السَّماءِ فَما بَعْدَه.

والضَّحاء : ارْتِفاعُ الشَّمْس الأَعلى. والضُّحى ، مقصورة مؤَنثة : وذلك حينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، فأَمّا الضَّحْوة: فهو ارتفاعُ أَول النَّهارِ، والضُّحى ، بالضَّمّ والقصر، فَوْقَه، وبه سُمِّيَتْ صلاة الضُّحى. وقيل: ضَحْوَةُ النَّهارِ: بعدَ طُلوعِ الشَّمْس، ثم بعده الضُّحى، وقد يقالُ: ضَحْوٌ لغة في الضُّحى، فمن أَنث الضحى: ذهب إِلى أَنها جمع ضَحْوَةٍ، ومن ذكَّر: ذهب إِلى أَنه اسمٌ على فُعَلٍ، مثل صُرَدٍ ونُغَرٍ، وهو ظرْف غير متمكن مثلُ سَحَر، تقول: لقِيتُه ضُحىً و ضُحَى إِذا أَرَدْتَ به ضُحى يَوْمِكَ لم تُنَوِّنْه.

ويقال : أَضْحَيْتُ بصَلاةِ الضُّحى أَي: صَلَّيْتُها في ذلك الوقتِ. والضَّحاءُ أَيضاً: الغَداءُ، وهو الطَّعامُ الذي يُتَغَدَّى به، سُمِّيَ بذلك لأَنه يُؤْكلُ في الضَّحاءِ، تقول: هم يَتَضَحَّوْن أَي: يَتَغَدَّوْنَ، والأَصلُ فيه: أَن العرَبَ كانوا يَسيرونَ في ظَعْنِهِمْ، فإِذا مَرُّوا بِبُقْعَةٍ من الأَرض فيها كَلأٌ وعُشْبٌ قال قائِلُهم: أَلا ضَحُّوا رُوَيْداً، أَي: ارْفُقوا بالإِبلِ حتى تَتَضَحَّى، أَي: تَنالَ من هذا المَرْعى، ثم وُضِعَتِ التَّضْحِيَة مكانَ الرِّفْقِ لتَصِلَ الإِبلُ إِلى المَنْزِل وقد شَبِعَتْ، ثم اتَّسَعَ فيه حتى قيل لكُلِّ مَنْ أَكَلَ وقتَ الضُّحى: هو يتَضَحَّى، أَي: يأَكُلُ في هذا الوقْتِ، كما يقال: يَتَغَدَّى ويتعشَّى في الغَداء والعَشاء.

وضَحَّيْتُ فلاناً أُضَحِّيه تَضْحِيَةً أَي: غَدَّيْتُه، والاسمُ: الضَّحاءُ على مِثالِ الغَداءِ والعَشاء، وهو ممدودٌ مذَكَّر. وضَحَّى فلان غنَمه أَي: رعاها بالضُّحى، وأَضْحَيْنا: صِرْنا في الضُّحى وبلغْناها، و أَضْحى يفعلُ ذلك أَي: صار فاعِلاً له وقتِ الضُّحى.

المعنى الاصطلاحي للأضحى

يقال: ضَحَّى بالشاةِ: ذَبَحها ضُحى النَّحْر، هذا هو الأَصل، وقد تُسْتَعمَل التَّضْحِيةُ في جميع أَوقات أَيام النَّحْر. وضَحَّى بشاةٍ من الأُضْحِيةِ، وهي شاةٌ تُذْبَحُ يومَ الأَضْحى، والضَّحِيَّة: ما ضَحَّيْت به، وهي الأَضْحاةُ، وجمعها أَضْحىً يذكَّر ويؤَنَّث، فمن ذكَّر ذهَبَ إِلى اليومِ؛ قال أَبو الغُولِ الطُّهَوي من البحر الوافر:

رَأَيْتُكمُ بني الخَذْواءِ لَمَّا  *** دَنا الأَضْحى وصَلَّلَتِ اللِّحامُ

تَولَّيْتُم بوِدِّكُمُ وقُلْتُمْ:  *** لَعَكٌّ منكَ أَقْرَبُ أَو جُذَامُ

و أَضْحىً: جَمْعُ أَضْحاةٍ مُنَوَّناً، وشاهِدُ التأْنيث قول الراجز:

يا قاسِمَ الخَيراتِ يا مَأْوى الكَرَمْ  *** قد جاءَتِ الأَضْحى وما لي من غَنَمْ

وقول شاعر آخر من البحر الطويل:

أَلا ليت شِعْري هلْ تَعُوْدَنَّ بعدَها  *** على الناس أَضْحى تجْمَعُ الناسَ، أَو فِطْرُ

يُسَمَّى اليومُ: أَضْحىً بجمع الأَضْحاةِ، التي هي الشَّاةُ، والإِضْحِيَّة والأُضْحِيَّة كالضَّحِيَّة. وقيل: الضَّحِية: الشاةُ التي تُذْبَحُ ضَحْوَةً، مثل غَدِيَّةٍ وعَشِيَّة، وفي الضَّحِيَّة أَربعُ لغاتٍ: أُضْحِيَّةٌ وإِضْحِيَّةٌ؛ والجمع: أَضاحيُّ، وضَحِيَّةٌ على فَعِيلة؛ والجمع: ضَحايا، وأَضْحاةٌ؛ والجمع: أَضْحىً، وبها سُمِّيَ يومُ الأَضْحى.

يوم التروية

يبدأ موسم الحج فعلياًّ بإحرام الحجيج يَوْم التّرْوِية: وهو يوْمٌ من أيام موسم الحج قبلَ يومِ عَرَفَةَ، وهو الثامن من ذي الحِجّة، سمي به لأَن الحُجّاج يتَرَوَّوْنَ فيه من الماء، وينهَضُون من أماكن إقامتهم قبل الحج إِلى مِنىً، وفي القديم لم تكن المياه متوفرة هنالك، ولذلك كانوا يتزوَّدون رِِيَّهم من الماء، أَي: يَسْقُون ويَسْتَقُون. وفي حديث ابن عمر: "كان يُلبِّي بالحَجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ".

ويوم التروية له جذر لغوي هو: رَوِيَ من الماء، بالكسر، ومن اللَّبَن: يَرْوَى رَيّاً و رِوىً أَيضاً، و تَرَوَّى و ارْتَوَى: كله بمعنى، والاسم: الرِّيُّ أَيضاً، ويقال: شَرِبْت شُرْباً رَوِيّاً، ورَوِيَ النَّبْتُ وتَرَوَّى: تَنَعَّم. ونَبْتٌ رَيّانُ وشَجر رِواءٌ، قال الأَعشى:

طَرِيقٌ وجَبّارٌ رِواءٌ أُصولُه  *** عَلَيْهِ أَبابِيلٌ مِنَ الطَّيْرِ تَنْعَبُ

وماء رَوِيٌّ و رِوىً و رَواءٌ: كثير مُرْوٍ; قال الراجز:

تَبَشّرِي بالرِّفْهِ والماءِ الرِّوَى  *** وفَرَجٍ مِنْكِ قَرِيب قد أَتَى

وقال الحطيئة من البحر الوافر:

أَرَى إِبِلِي بِجَوْفِ الماءِ حَنَّتْ  *** وأَعْوَزَها بِه الماءُ الرَّواءُ

 

والماء الرِّوَى: الكثير، ويقال: رَوَّيْتُ رأْسِي بالدُّهْن، ورَوَّيْت الثَّرِيدَ بالدَّسم. والراويةُ: المَزادة فيها الماء، ويسمى البعير أَو البغل أَو الحمار الذي يُستقى عليه الماء: راوية، والرَّجل المستقي أَيضاً: راوية . وتسمية المَزادة راوية جائز على الاستعارة، وذلك كتسمية الشيء باسم غيره لقربه منه.

يوم النحر

ويترادف شعياًّ اسم يوم الأضحى، ويوم النحر، وقد قدّمنا معنى الأضحى، وأما النحر، فجذره اللغوي: نحر، والنَّحْرُ: الصَّدْر. والنُّحُورُ الصدُور. وقيل: نَحْرُ الصدر أَعلاه, وقيل: هو موضعُ القلادة منه, وهو المَنْحَر, وجمعه: نُحور لا يُكَسَّر على غير ذلك. و نَحَره ينْحَره نَحْراً أَصاب نَحْرَه. ونَحَر البعيرَ ينحَره نحراً: طَعَنه في مَنْحَرِه حيث يبدو الحُلقوم من أَعلى الصدْر. والنَّحْرُ يكون في اللَّبَّة: مثلُ الذبح في الحلق. ورجل مِنْحار وهو للمبالغة: يوصف بالجود. ويقال : انْتَحر الرجلُ أي: نَحَر نفسه.

ويومُ النَّحر عاشر ذي الحجة يومُ الأَضحى لأَن البُدْنَ تُنحر فيه. والمنْحَر: الموضع الذي يُنحر فيه الهدْي وغيره. و تَناحَرَ القومُ على الشيء و انْتَحَرُوا: تَشاحُّوا عليه، فكاد بعضهم يَنْحَر بعضاً من شِدّة حِرْصِهم, وتناحَرُوا في القِتال.

وقوله تعالى: "إنَّا أعطيناكَ الكوثر، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ" قيل: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة; وقال ابن سيده: وأَراها لغة شرعية, وقيل: معناه: وانْحَرِ البُدْن, وقال طائفة: أُمِرَ بنحر النُّسك بعد الصلاة, وقيل : أُمِرَ بأَن ينتصِب بنَحْره بإِزاء القبلة، وأَن لا يلتفتَ يميناً ولا شمالاً; وقال الفراء: معناه: استقبل القبلة بِنَحْرِك.

ولذلك استُخدم في المصطلح الشرعي "عيد الأضحى"، و"عيد النحر" في نفس المعنى لتشابه المعنى بين التضحية والنحر، وهو التذكية الشرعية التي ترمز إلى الفداء المشهور في قصة النبي إبراهيم وولده الذبيح عليهما السلام، وقد وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111)" سورة الصافات.

قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ: عَنْ جَابِر الْجُعْفِيّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْل عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم" قَالَ: بِكَبْشٍ أَبْيَض أَعَيْن أَقْرَنَ قَدْ رُبِطَ بِسَمُرَةٍ، وقَالَ أَبُو الطُّفَيْل: وَجَدُوهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ فِي ثَبِير بجانب الصَّخْرَة الَّتِي بِمِنًى بِأَصْلِ ثَبِير، عِنْد الْمَنْحَر، قرب مكة المكرمة، وتلك الصخرة هِيَ الصَّخْرَة الَّتِي ذَبَحَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم فِدَاءَ اِبْنه.

وقَالَ الْإِمَام أَحْمَد بن حنبل: حَدَّثَنَا سُفْيَان حَدَّثَنِي مَنْصُور، عَنْ خَاله مُسَافِع، عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي اِمْرَأَة مِنْ بَنِي سُلَيْم: إِنَّهَا سَأَلَتْ عُثْمَان بن شيبة: لِمَ دَعَاك النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

قَالَ: قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنِّي كُنْت رَأَيْت قَرْنَيْ الْكَبْش حِين دَخَلْت الْبَيْت، فَنَسِيت أَنْ آمُرك أَنْ تُخَمِّرهُمَا، فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون فِي الْبَيْت شَيْء يَشْغَل الْمُصَلِّي" قَالَ سُفْيَان: لَمْ يَزَلْ قَرْنَا الْكَبْش مُعَلَّقَيْنِ فِي الْبَيْت حَتَّى اِحْتَرَقَ الْبَيْت فَاحْتَرَقَا، وإِنَّ قُرَيْشًا تَوَارَثُوا قَرْنَيْ الْكَبْش الَّذِي فُدِيَ بِهِ إِبْرَاهِيم خَلَفًا عَنْ سَلَف، وَجِيلا بَعْد جِيل إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

أيام التشريق

ويرتبط بعيد الأضحى مصطلح أيام التشريق، وأصله من شَرَّقْتُ اللحم: شَبْرَقْته طولاً، وشَرَرْته في الشمس ليجِفَّ لأن لحوم الأَضاحي كانت تُشَرَّق فيها في وادي مِنى، وهو أحد المشاعر المقدّسة قرب مكة المكرمة؛ و تَشْريق اللحم : تَقْطِيعُه وتقدِيدُه وبَسْطُه، ومنه سميت أيام التشريق.

وأيام التشريق: ثلاثة أَيام بعد يوم النحر، لأَن لحم الأَضاحي يُشَرَّق فيها للشمس، أَي: يُشَرَّر، وقيل: سميت بذلك لأَنهم كانوا يقولون في الجاهلية: "أَشْرِقْ ثَبِير كيما نُغِير"؛ والإِغارةُ: الدفع ، أَي كي ندفع للنحر وللنَّفْر؛

وقيل: سميت بذلك لأن الهَدْيَ والضحايا لا تُنْحَر حتى تَشْرُق الشمسُ، أَي: تطلع، وقيل: فيه قولان: يقال: سميت بذلك لأَنهم كانوا يُشَرِّقون فيها لُحوم الأَضاحي، وقيل: بل سميت بذلك لأَنها كلَّها أَيام تشريق لصلاة يومِ النحر، فصارت هذه الأيام تبعاً ليوم النحر، وكان أَبو حنيفة يذهب بالتَّشْرِيقِ إلى التكبير، ولم يذهب إليه غيره، وقيل: أَشْرِق: ادْخُلْ في الشروق.

وكانوا في الجاهلية لا يُفِيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله، وفي الحديث النبوي: "مَنْ ذَبَح قبل التشريق فلْيُعِدْ" أَي مَن ضحّى قبل أَن يصلِّيَ صلاة العيد. ويقال لموضعها الْمُشَرَّق، يعني: المُصَلَّى الذي يُصَلَّى فيه صلاة العيد، ويقال لمسجد الخَيْف: المُشَرَّق. والمُشَرَّق: العيد ، سمي بذلك لأن الصلاة فيه بعد الشَّرْقةِ، أَي: الشمس، وقيل: المُشَرَّق: مُصَلَّى العيد بمكة، وقيل: مُصَلَّى العيد، ولم يقيد بمكة ولا غيرها، وقيل: مصلى العيدين، وقيل: المُشَرَّق: المصلّى مطلقاً؛ و هو من تشريق اللحم، وفي ذلك يقول الشاعر الأَخطل التغلبي:

 

وبالهَدايا إذا احْمَرَّتْ مَدارِعُها  *** في يوم ذَبْحٍ وتَشْرِيقٍ وتَنْخار

والتَّشْرِيق: صلاة العيد، وإنما أُخذ من شروق الشمس لأَن ذلك وقتُها.

 

وأُذُنٌ شَرْقاءُ: قُطِعت من أَطرافها، ولم يَبِنْ منها شيء. ومِعْزة شَرْقاء: انْشَقَّتْ أُذُناها طُولاً ولم تَبِنْ، وقيل: الشَّرْقاءُ: الشاة يُشَقُّ باطنُ أُذُنِها من جانب الأُذن شَقّاً بائناً، ويترك وسط أُذُنِها صحيحاً، وقيل: الشَّرْقاءُ: التي شُقَّت أُذناها شَقَّين نافذين، فصارت ثلاث قطع متفرقة. وشَرَقَتْ الشاة، أَشْرُقُها شَرْقاً، أَي: شَقَقْت أُذُنَها. و شَرِقت الشاةُ، بالكسر، فهي شاة شَرْقاء: بيّنَة الشَّرَقِ، وفي حديث عليّ، أن النبي، "نهى أن يُضَحَّى بِشَرْقاء أَو خَرْقاء أَو جَدْعاء".

وفي نهاية أيام التشريق يكون الحجاج قد انتهوا من أداء فريضة الحج بكل ما فيها من طواف حول الكعبة، وسعي بين الصفا والمروة، ونحر والوقوف بالمشاعر المقدسة في منى وعرفة والمزدلفة، وما يتبع ذلك من رمي الجمار في العقبة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صيد الفوائد

 

<