الخيـر في مصاحبـة الأخيار

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 21 فبراير 2013 الساعة 12:00:00 صباحاً

كلمات دلالية :

الخير
الخيـر في مصاحبـة الأخيار

حسن السبيكي /خاص ينابيع تربوية

   من طبائع الإنسان وضرورات وجوده الاجتماعي والحضاري، انه ميال إلى التواصل والمعاشرة والمصاحبة ، ولا يطيق الوحدة والانعزال، لذلك يصطفي من الناس و يختار أصحابا وخلانا ، ورفقاء وجلساء، يعاشر بعضهم ، ويقاطع آخرين، ويتوافق مع هؤلاء ، ويتنافر مع أولئك . لكن المقياس الغالب هو تحكيم الطباع والأذواق والمصالح، وقلما يكون ذلك عن فراسة صائبة وحسن اختيار للصاحب الصالح والرفيق النافع والجليس الناصح . وصار ذلك شاهدا على المرء في عقليته وأخلاقه وسيرته ، حيث يعرِف بين الناس صالحًا أو طالحا بالنظر الى من يلازم من أصحابه وقرنائه وجلسائه، حتى قيل : قل لي من تصاحب أقل لك من أنت . ذلك أن الإنسان يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله في أقواله وأفعاله وأحواله ،خيرا أو شرا .

   وبالرغم من أن تأثير الصحبة والمجالسة ثابت ومعلوم ، فان الناس في ذلك أنماط وأحوال . فمنهم من يصاحب الصالحين الأخيار ، الذين يعينون على الحق والطاعات وفعل الخيرات، في طريق الرضا والرضوان. ومنهم من يلازم الأراذل والأشرار، أهل الإغراء والغواية بالمعاصي والشرور ، في طريق السخط والهوان. وهذا ما يؤكد خطورة الصحبة والمعاشرة والمجالسة ، ليس في حال الدنيا فحسب ، ولكن أيضا يوم القيامة ، حيث لا تنفع الا صحبة الرفقاء الأخيار والأخلاء الأبرار لقوله تعالى : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين } . لذلك يقرر النبي صلى الله عليه وسلم ويحذر قائلا : ( المرء على دين خليله، فلينظر أحدُكم من يُخالِل ) (أبو داود) . ويقول ابن مسعود (ض): (ما من شيء أدلّ على شيء ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب) ، وقال الشاعر :

                عن المرء لا تسأل وسلْ عـن قرينــه           فكــــل قريـــــن بالمُقـــارن يقـتــــــدي

                وان كنت في قـوم فصاحبْ خيَارَهــم          ولا تصحـبِ الأردى فتَـردى مـع الـــردي

   ويخبرنا القرآن الكريم ، إخبار وعظ وإرشاد ، في مشهد يوم القيامة ، حين تشتد الحسرة والندم على الذين ظلموا أنفسهم في دنياهم برفقة الأشرار المضلين، واتخاذهم أخلاء في طريق الغواية والضلال . يقول الله عز وجل: ( وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يٰلَيْتَنِى ٱتَّخَذْتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلاً يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاً )[الفرقان:27-29] . وللآيتين الكريمتين  سبب نزول ذكرته كتب التفسير : ذلك أن الرسول صلى الله عليه و سلم عرض الإسلام على عقبة بن أبي معيط من زعماء قريش ، فاستجاب بنطق الشهادتين، فلما علم بذلك صديقه أبَيُ بن خلَف من زعماء المشركين ، جاءه يقول : وجهي من وجهك حرام إذا لم تطأ عنق محمد وتبصق في وجهه، فاستجاب عقبة لأمره وفعل فعلته النكراء، وارتد عن الإسلام، فنزل فيه القرآن يصفه بالظالم، ويتوعده بالعذاب والندم الشديد يوم القيامة على صحبته وطاعته لمن أضله وصرفه عن الهداية إلى الضلال، وكان مصير عقبة أن ضربت عنقه بعد أن وقع أسيرا في غزوة بدر ، وأما صديقه أبي بن خلف فقد قتله الرسول صلى الله عليه و سلم  في معركة أحد؛ حين هم  بقتله، فعاجله النبي بطعنة ، ولم يقتل الرسول بعده أو قبله أحدًا. 

     هكذا تتضح خطورة الصحبة والمرافقة والمجالسة وما لها من أهمية في الدين والحياة ومصير يوم القيامة .  فكم أنقذ الله بقرناء الخير وجلساء الصلاح من كان على مشارف النار أو الدمار. وكم ضل من ضال منحرف بسبب جليس السوء أو القرناء الأشرار. وإن من الجهل والغفلة ان لا يعاشر المرء إلا قرناء السوء، يرتاح اليهم وينقاد ، إن همَّ بخير ثبطوه، وإن أبطأ عن شر أعجلوه ، وإن استحيا من منكر هونوه له و شجعوه ، فهم أعوان الشيطان  بالغواية والتضليل في طريق الخسران المبين دينا ودنيا وآخرة، فهل  تنفعه يوم القيامة  صيحة  الندامة : { يٰوَيْلَتَا لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ ٱلذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِلإِنْسَـٰنِ خَذُولاًّ }.

فانظر إلى حال أبى طالب عم النبي ومصيره ، كيف أصر على الموت على الشرك بسبب جلسائه،  لما حضرته الوفاة وجاءه رسول الله وكان عنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال النبي: ( يا عم، قل لا إله إلا الله كلمةً أحاجُ لك بها عند الله ) فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبي ، فأعادا، فكان آخر قوله هو : على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فمات على شركه .

   فلا غرابة إذن أن يعنى الإسلام بشأن الرفقة والصحبة والمجالسة ويوليها بالغ الرعاية، ويدعو الى اختيار الصاحب الناصح والجليس الصالح، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقِي ) (أبو داود والترمذي).

 وتلك قيمة حميدة من قيم الإسلام التي أضحت عملة نادرة في زمان ابتلي الناس فيه بقرناء الشر وجلساء السوء . وفي حديث أكثر بيانا وتفصيلا لأهمية هذه القيمة ، في وصية خير صاحب وأفضل جليس بين كل الأنام محمد عليه الصلاة والسلام، الذي يقول : ( إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة )(الشيخان) صورة تمثيلية حية وصادقة لنوعين من الجلساء:    

 ـ  الجليس الصالح الذي ترتاح إليه النفس ويطمئن القلب وتنتعش الروح طربا  لحديثه وسعادة  بصحبته ومجالسته، لأنه زينة في الرخاء وعدة في الشدة وبلسم للنفس العليلة والفؤاد المكروب .وقد شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم ببائع الطيب الذي ينفحك بأريج عطره ، فإما ان يهديك أو تبتاع منه، أو تجد منه ريحا طيبة ،  فأنت معه في خير على كل حال .

 ـ  أما جليس السوء ، فهو أشبه بالحداد التقليدي الذي ينفخ الكير ، وتشبيهه بالحداد لا يعنى ذم هذه المهنة و اتهام صاحبها ، وإنما يعنى نتيجة التأذي والتضرر بمجالسته أثناء عمله ، فإن لم يحرق ثوبك، أصابك منه شرر ودخان ورماد . . فأنت معه في أذى وخسارة على كل حال .

ويراد بالجليس الصالح عموما ، كل صديق أو رفيق فاضل ، كريم الأخلاق ، طيب في أقواله وأفعاله وأثاره، ونافع في صحبته ومرافقته ومجالسته ، فكيف إذا كان هذا الجليس ممن يعلمك علما وأدبا وخلقا، ويرشدك إلى ما فيه صلاح دنياك وآخرتك . ويراد بجليس السوء الصاحب السيئ الذي يضر ولا ينفع، في مصاحبته ومرافقته ومجالسته ، لا ينفث إلا الخبث والشرر والضرر.فكيف إذا كان يصد عن ذكر الله وشكره وعبادته ويغري بالفواحش والمنكرات .

    إن من الحكمة والحزم والرشاد ،أن يزن المسلم الناس بميزان الشرع والعقل ، فلا يصاحب أو يرافق أو يجالس إلا من يرى في مصاحبته ومجالسته ومؤاخاته نفعا له في  دينه ودنياه . وإن خير الأصحاب ، وأنفع الجلساء ، الأتقيـاء الأوفيـاء ، ذوو المروءة والنُهَى، ومكارم الأخلاق و الآداب ، أهل  الصحبة الطيبة التي تثمر محبة الله تعالى كما في الحديث:( وجبت محبتى للمتحابين فيّ والمتجالسين فيّ ).

     وإن شر الأصحاب والرفقاء والجلساء وأسوأهم أثرًا على من يصاحبهم ويجالسهم، من قلت مروءتهم وساءت أخلاقهم، وخبثت سيرتهم و سريرتهم ، لا يقيمون للدين وزنًا ، ولا للمروءة اعتبارًا، ولا يرعون للصداقة حقًا . وان الناظر الى حال من ابتلوا بإدمان المسكرات، وتعاطي المخدرات، واقتراف الفواحش والمنكرات، واكل أموال الناس بالباطل وممارسة ظلم العباد ، وكل الانحرافات ، سيجد ان منبع أكثر ذلك في فعل المصاحبة والمجالسة لقرناء السوء الذين لا تخلو مجالسهم من المحرمات والمنكرات ، أقوالا أفعالا وأحوالا ، يتبادلون التحريض والغواية ويتآمرون بالمنكر ويتناهون عن المعروف ، ويرون ذلك مزية وشجاعة وفخرا . ومهما كانت مظاهر مودتهم فهي كاذبة زائفة تفضحها الشدائد والمحن ، ولو دامت في الدنيا فإنها تنعدم في الآخرة ، يوم تبلى السرائر ، وتنقلب إلى عداوة وبغضاء، لقوله تعالى:   { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوٌ إلا المتقين } .

     إنما تبقى رابطة الأخوة والمودة والصحبة ، في الدنيا والآخرة ، بين المؤمنين الأتقياء، لأنها كانت صادقة نافعة ، كما كان أصحاب رسول الله في صحبتهم ومجالستهم لخير صاحب وجليس في الوجود، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي كانت وستبقى مصاحبته ومجالسته منبع الخير والصلاح والفلاح ، من خلال مدارسة سيرته والعمل بسنته. حسبكم أن الله تعالى أثنى عليه في أخلاق صحبته فقال:{ فبما رحمةٍ من اللهِ لِنْتَ لهمْ ولو كنتَ فَظاً غليظَ القلبِ لانْفَضوا مِن حولِك، فاعْفُ عنهم واسْتَغفرْ لهم وشاورْهمْ في الأمرِ } .

وكذلك كان الصحابة نعم الأصحاب والجلساء ،  وكان العلماء والصالحون عبر التاريخ في حياتهم العملية وفي أثارهم التي يجالسهم فيها أهل النهى والفضائل . فلينظر المسلم العاقل من يصطفي ويقتفي ، ويصاحب ويجالس ، لخير دينه ودنياه وأخرته :

                                يُقاسُ الـمـرءُ بالمـرءِ          إذا ما المــرءُ ماشــــاه

                               وللشـئ  من  الشيـئ            مقاييــــسٌ وأشبـــــــاه

                               وذو الـعقل إذا أبصَــر           مــا يخشـــى توقّــــــاه

 الخطبــــة الثــــانيـــــة

يقول الله تعالى:  (وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)  [الكهف:28].

    نهي رباني صريح عن إتباع الغافلين العابدين لأهوائهم والركون اليهم ، ويقاس عليه النهي عن مصاحبتهم ومجالستهم ، لأنهم أعوان الشيطان في الغواية والإغراء بالسوء والمنكر والصد عن ذكر الله تعالى . قال ابن حبان : (العاقل لا يُصاحب الأشرار، لأن صحبة صاحب السوء قطعة من النار ، تُعْقِب الضغائن ، لا يَستقيم وِدُّه ، ولا يَفِي بعهده ).

وانك أن تنعم بوحدة تختلي فيها بنفسك تتفكر وتتدبر وتذكر الله تعالى، خير من مجالس السوء وهي كثيرة في المقاهي والملاهي وإدمان البرامج المقيتة والأفلام الفاسقة وعبودية الفرق الكروية ولاعبيها ، وكل ذلك من مراتـع المعاصي والآثام. وفي الحكمة المشهورة:( الوحدة خير من جليس السوء، والجليس الصالح خير من الوحدة ). يقول الشافعي (ض)           

                     إذا لم أجــد خـلاً تقـيـاً فوحدتـي       ألـذ وأشهى من غَـوِيٍ أعـاشــرهْ

                     وأجلس وحـدي للعبـادةِ آمنا        أقَــر لعينـي من جلـيس أحـــاذره  

    وقال الحسن رحمه الله :( المؤمن مرآة أخيه إن رأى فيه ما لا يعجبه سدده وقومه وحاطه وحفظه في السر والعلانية )       

     فاتقوا الله ربكم ، واختاروا من الرفاق والأصحاب والخلان والجلساء من ترضون دينهم وأخلاقهم  وتأنسون  منهم الخير والصلاح ، وبوادر النصح والإرشاد ، تستعينون بهم على خير دينكم ودنياكم وعاقبة آخرتكم . واحذروا من لا تجدون منهم نصحا ولا نفعا . وعليكم بصحبة كتاب الله تعالى وسنة رسوله ومجالس الذكر والعلم  والأعمال الصالحة .

وفي سياق هذا الموضوع ننبه الآباء الكرام وندعوهم إلى مراعاة خير الرفاق والأصحاب في علاقات أبنائهم . فان ذلك من مقتضيات العناية التربوية الحازمة في وقايتهم من الشرور والانحرافات التي سادت وانتشرت وتقض مضجع الجميع ، ويأتي معظمها من رفقاء السوء . وليس من عبء هو أكبر وأشد ، ولكنه أولى وألزم  من الاجتهاد في مراقبة الأبناء في علاقات الصحبة والرفقة ، وإحسان توجيههم حتى لا يقعوا ضحايا الإغراءات الطائشة والسلوكيات الانحرافية المقيتة بسبب رفقة السوء . وإنها لأمانة ومسؤولية عظيمة { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } (التحريم 6)، و( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) فاعتبروا يا أولي الألباب .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ                                                              

 

 

المساجد ودورها الريادي في حياة الامة

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ورضيه لنا ديناً، ووفقنا لعبادته وطاعته، ونسأله أن يزيدنا يقيناً، ونشكره على نعمه التي أعطنا إياها حيناً فحيناً، ومن نعمه, ومحاسن دينه, هذه الاجتماعات الإسلامية, في مساجده التي أمر برفعها, وتعميرها ظاهراً ودينا، ويؤدي فيها أفضل شعيرة من شعائر ديننا، وأ

تقلبات الدنيا بأصحابها

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذ

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع