الصـــلاة عمـــود الديــــن

خاص عيون نت

التاريخ: الخميس 6 سبتمبر 2012 الساعة 12:00:00 صباحاً

كلمات دلالية :

الصلاة
الصـــلاة عمـــود الديــــن

  حسن السبيكي /خاص ينابيع تربوية

يقول الله تعالى: { قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ }(ابراهيم 31)

   نقف في ظلال هذه الآية الكريمة لنتناول موضوع الصلاة تذكيرا بمكانتها في دين الله ومركزيتها بين أعمال العبادات والقربات كلها، وفي حياة المسلمين جميعا أفرادا وجماعات وأمة . ذلك إن أحوالنا الحالية مع الصلاة تبعث على الألم والحسرة، بعد أن استحكم الجهل والغفلة والانغماس في متاهات الأهواء والملذات حتى ضيعت أعظم شعيرة إسلامية وأصبح الناس مع الصلاة ثلاث فئات :

 ـ  فئة أكثر المسلمين ، للأسف الشديد ، الذين أضاعوا الصلاة بتركها كلية، واتبعوا الشهوات ، فلا يعرفون لله ركوعا ولا سجودا ولا عبادة ، ويزعمون انهم مسلمون . قد يكون منهم من يتسمى باسماء الله الحسنى كعبد الله وعبد الرحمن ، وعبد الكريم ، بل منهم بدر الدين ، ونور الدين وزين العابدين وغيرها من الاسماء التي يناقضها تنكرهم للصلاة والعبادة .أناس، يرزقون نعم الله، ويتمرغون في فضله، ولكنهم نسوا حقوقه وأهملوا شعائره، فأصبحت الصلاة في حياتهم آخر شيء يفكرون فيه،أو لا يفكرون ، كذلك وصفهم القرآن الكريم وتوعدهم بالغي:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } (مريم 59).

 ـ وفئة اخرى يصلون ، ولكنها صلاة أهواء بغير تفقه ولا التزام ، فاماهي صلاة بدع تخالف نهج السنة النبوية ، أو هي صلاة متقطعة أو عديمة الالتزام بأوقاتها أو لا انضباط فيها ولا خشوع ، وقد تاتي بعد مشاغل الدنيا وملاهيها في المرتبة الثانية او الثالثة . قوم يصلون ، ولكنهم عن صلاتهم ساهون كما أخبر القرآن المبين :    { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } (سورة الماعون).

 ـ وفئة ثالثة وهي قلة قليلة من المؤمنين الذين هم على التزام بعهد الصلاة وميثاقها مع الله تعالى ، لأنهم على علم ويقين بما تعنيه الصلاة في دينهم وايمانهم ، فلا يتخلفون عن مواعيدها اليومية الموقوته ، ويحرصون فيها على نهج السنة كما أمرهم النبي:( صلوا كما رأيتموني أصلي) ، وهم كما أثنى عليهم ربهم :{ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } (الفتح 29). وهم عمار المساجد { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُهْتَدِينَ.} [التوبة:18]. لا يشغلهم شيء عن اقامتها في أوقاتها : { لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } ( النور 37) .

    ولقد أتى على المسلمين حين من الدهر، عبثت فيه رياح الجهل وفتنة الأفكار والقيم الغربية المادية، وادمان الشهوات والملاهي ، بشعيرة الصلاة ، فضاعت بين كثير منهم ، لكنهم هم الذين ضاعوا ، لأن الصلاة أدق ميزان توزن به حقيقة المسلمين وأحوالهم الدينية والدنيوية لمكانتها وشرف قدرها ومركزيتها بين سائر المناسك التعبدية . فهي المعيار والمحرار الذي يسجل درجة ايمان المسلمين وحالتهم الصحية في التدين . فكما هي عمود الدين ، فهي ايضا عمود لكيان الامة الاسلامية ، لا يستقيم وجودها في الدين والدنيا الا بقدر استقامة حالها مع الصلاة . ولذلك كانت المساجد شاهدة على ذلك بأحوالها ، عامرة كانت أو مقفرة .وانه لمن المؤسف أن تشكو بيوت الله قلة عمارها وهي رياض الجنة ، بينما تغص المقاهي والملاهي بالليل والنهار، ومعظمها للفساد والانحراف معاقل وأوكار؟ .

   أيها المؤمنون ، اذا كانت سائر التكاليف الشرعية والمناسك التعبدية فرضت في الارض بوحي يتنزل ، فان الصلاة لشرف قدرها وعظم فضلها ، استدعي لها الرسول الكريم في معجزة الاسراء والمعراج لتفرض عليه وعلى امته  فوق سبع سموات ، في خطاب أمر رباني مباشر، تكريما لرسوله وتوكيدا على خصوصية الصلاة وامتيازها وشرف قدرها بين شعائر العبادة جميعا . لذا فهي ركن جوهري بين اركان الاسلام الخمسة كما في الحديث ( بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان) (متفق عليه) ويشهد لذلك مرتبتها المباشرة بعد ركن شهادة الايمان والتوحيد، كما نص عليه القرآن الكريم : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } البقرة(3).فهي عمود الدين ،لا تستقيم سائر الطاعات والقربات الا على أساس اقامتها ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:( رأس الأمر الاسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله ) (الترمذي). وهي كذلك لأنها أوثق وأعمق صلة بالله جل وعلا ، وأفضل القربات على الاطلاق، لآن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} العلق: 19].

   ولا غرابة ، فانها أخص حقوق الله تعالى بعد التوحيد وأعظمها ، وأكمل صورة عملية للعبودية والعبادة ، لذلك كانت حاضرة في مقدمة التكاليف في جميع الرسالات السماوية السابقة ، كما أخبر القرآن الكريم عن الانبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين، ففي دعوة ابراهيم الخليل :{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء } (ابراهيم 40)، { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ} [إبراهيم: 37]، واثنى الله بها على اسماعيل :{ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا }( مريم  54-55)، وأمر بها موسى في أول لقاء بربه { وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي  } (طه 14) ،{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} يونس(87) وخاطب بها عيسى قومه :{ قَالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا. وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا..} (مريم 19) ، وفي وصية لقمان لأبنه :{ يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} لقمان(17).

   واما عن نبينا الخاتم ، فتتعدد وتتنوع الآيات القرآنية الآمرة له وللمؤمنين بالصلاة تكليفا في مثل قوله تعالى :    { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) العنكبوت(45)، وقوله سبحانه : { قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ }(ابراهيم 31)، وقوله جل وعلا { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين}  هود(114). أو وصفا لهم وثناء عليهم بها  ركوعا وسجودا: { مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ } (الفتح29). وحسبكم انه عليه الصلاة والسلام يعتبرها قرة عينه (حُبِّب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرَّة عيني في الصلاة ) ( رواه الترمذي) ، فلا يجد تمام راحته وكمال سعادته الا وهو قائم بها بين يدي ربه ، لذا ينادي مؤذنه بلال: ( أرِحْنا بها يا بلال) (رواه أبو داود).وكأني بكثير من المصلين اليوم ولسان حالهم يقول ( ارحنا منها يا امام؟!) ضائقين متعجلين مغادرة المساجد. ولقد كان التأكيد على حفظ الصلاة آخر وصاياه صلى الله عليه وسلم ،وهو يكابد سكرات الموت ((الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم)) (احمد وابن ماجة).

    إن الصلاة فريضة موقوتة بمواعيد زمنية محددة :  في خمس صلوات  يومية وصلاة الجمعة اسبوعيا، ومواقيتها من أخص شروطها وواجباتها بعد الطهارة والأركان ، فلا يجوز تأخيرها عن أوقاتها المعلومة بغير عذر قاهر، ذلك أمر الله جل وعلا:{ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } النساء(103). ولتقرير أهمية التوقيت ، فقد جاءت هذه الآية في سياق صلاة الخوف والحرب ، حتى يتأكد وجوب الالتزام بأوقاتها مهما كانت الظروف والأوضاع ، وليس بعد وضعية الحرب ومواجهة الأعداء ما هو أشـد ، ومع ذلك أوصى الله تعالى النبي والمؤمنين بأدائها في أوقاتها بالهيئة المناسبة، ولو راجلين أو راكبين، فأ مر نبيه أن يِؤم طائفة منهم مسلحين وتبقى طائفة لمواجهة العدو، ثم تتحول الاولى الى المواجهة وتخلفها الثانية في الصلاة خلف النبي جماعة ولو في الحرب ، كذلك الأمر والهيئة الموصوفة في قوله تعالى:{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ، فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا، فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } (البقرة238) ثم يأتي توصيف الهيئة في قوله تعالى: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) النساء(102).ثم جاء الأمر بالتأكيد التزام الصلاة في وقتها :{ فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) النساء(103).

      فإذا كان الأمر كذلك في حالة الحرب والجهاد، فكيف بحالة السلم والأمن؟! ،كذلك واجب المحافظة على الصلاة في الحضر والسفر والأمن والخوف والصحة والمرض والسلم والحرب ،وليس بعد ذلك شاغل دنيوي يبرر ترك الصلاة أو أخراجها عن وقتها . وقد سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أحب الأعمال إلى الله فقال : (الصلاة على وقتها ) (البخاري)، فمن أخرجها عن وقتها فقد ضيع حق الله تعالى فيها وتنكر للموعد مع ربه. وحتى لا يكون في ذلك عنت ومشقة كانت الرخص بالتيمم والجمع والتقصيرعند الضرورة من مرض أو سفرأو مطر، ولم يكن ترخيص أبدا في تركها الا عند ضياع العقل والوعي ، والا فان المضطر بمرض أو عجز أو قاهر يؤديها على الحالة التي يطيق ، واقفا أو جالسا أو راقدا أو بالاشارة الممكنة. وتبقى صلوات النوافل تطوعية للاختيار بحسب القدرة والعزيمة، وان كان منها ما هو مرتبط بأوقات معلومة في السنن الرواتب قبل الصلوات المفروضة أو بعدها.

ولما كانت الصلاة بهذا الوجوب الأكيد والالزام الشديد ، اشتد الوعيد لمن تهاون في أمرها باي حال ولو بعدم التزام أوقاتها أوالانشغال عنها بشاغل دنيوي ، كما في قوله تعالى { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } (سورة الماعون). وأما تاركوها بالمرة فلهم أشد العذاب في سقر ، كذالك اعترافهم من داخل الجحيم { ـكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنْ الْمُجْرِمِينَ : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } (سورةالمدثر).بل يعد التهاون فيها بالتقاعس أوالرياء من صفات المنافقين:{ انَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } النساء(142).هذا حين كان المنافقون مجبرين على أداء الصلاة تظاهرا بها بين المؤمنين ، اما اليوم فلا يجد التاركون لها حرجا وهم يدعون الاسلام ، فيمرون على المساجد لا يكترثون بالنداء، أو يلزمون مجالس المقاهي والملاهي بينما الصلاة قائمة في المساجد ؟.وكأني بكثير منهم قد أحاط بهم قوله تعالى:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً } (مريم 59).والرسول الكريم يقول: ( من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله) (رواه أحمد) ويقول :( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها فقد كفر) (الترمذي والنسائي). وذكرها عليه الصَّلاة والسَّلام فقال في واحد من جوامع كلمه: ( مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لَم يُحافظ عليْها لم يكن له نورٌ ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارونَ وفِرْعَون وهامان وأبي بن خلف) (رواه أحمد وغيره).وقال في حديث أخرمتوعدا المتخلفين عن صلاة الجماعة:( والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال، معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) (رواه الشيخان). ( ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) ( مسلم).وفي أولوية الصلاة وكونها أساس القبول لكل الاعمال مع الله كما أخبر عليه الصلاة والسلام ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت ، صلح سائر عمله ، وإن فسدت ، فسد سائر عمله)(الطبراني) .

    هكذا ترون أهمية الصلاة ومنزلتها السامية في الاسلام ، فلا معنى للدين بغير صلاة ، ولا خير في دين لا صلاة فيه ، بل لا قيمة لفرد ولا جماعة ولا امة بغير اقامة الصلاة . فأي إسلام لإنسان يترك الصلاة،او يتهاون فيها، وأي دين بعد هذا الأمر الأكيد و كل هذا الوعيد الشديد ،لمن يعلم ان الصلاة عمود الدين وأوجب الواجبات ،وأقرب القربات الى الله ، ثم تؤخره تجارته، أو وظيفته، أو عمله، أو منصبه، أو اجتماعه أو لهوه عنها ،وهو يسمع نداء (الله أكبر) فيكبر متاع الدنيا في نفسه وتهون عليه مواعده مع مولاه وصاحب الفضل عليه . ان العقلاء من أهل الايمان يقدرون فريضة الصلاة ويقبلون عليها بكل همة وحزم وصدق مهما كانت الاحوال ،لعلمهم ان اقامة الصلاة من أخص صفات المؤمنين المفلحين؛ { قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2]. ثم إنهم{ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } ( النور 37) ، كذلك كان حال النبي والصحابة والتابعين مع الصلاة ، لا يتقدم شيء عليها في اهتمامهم ولا عند النداء، وكذلك حال المؤمنين الصادقين في كل زمان ومكان . مرض أحد الصالحين من التابعين، ثابت بن عامر بن عبد الله بن الزبير، فسمع أذان المغرب، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، قالوا: أنت مريض، وقد عذرك الله. قال: لا إله إلا الله ! أسمع حي على الصلاة. حي على الفلاح ثم لا أجيب !؟ والله لتحملنني إلى المسجد، فحملوه إليه ، فلما كان في السجدة الأخيرة ، قبض الله روحه كما كان يسأل الله الميتة الحسنة وهو ساجد لربه.

   جعلني الله واياكم من المقيمين الصلاة صادقين خاشعين لرب العالمين ، واجارنا من عذابه المهين .

 الخطبــــة الثانيـــة

يقول الله جل وعلا في الثناء على المؤمنين الملتزمين بعهده في الصلاة جماعة بالمساجد :{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ، وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } النور36ـ38)،

     فيا سعادة من شملهم هذا الثناء الجميل ، ونالوا هذه المنزلة الرفيعة والثواب العظيم عند الله تعالى بالتزام عهد الصلاة وميثاقها الغليظ . اولئك الذين لا تلهيهم عنها تجارة ولا بيع ، أحرى ان يلهيهم اللهو واللعب ومجالس المقاهي والملاهي .واولئك الذين ذاقوا حلاوة المناجاة لربهم راكعين ساجدين يبتغون فضلا من الله ورضوانا ، فكانوا عمار بيوت الله ، وضيوفا على الرحمن آناء النهار والليل ، راتعين بها في رياض الجنة على الارض ، متحصنين بالمساجد من كيد الشيطان الرجيم ، فانه لعلمه قدر الصلاة عند الله تعالى وكونها عمود الدين كله وأنها أعظم القربات ، فانه يعمل بكل جهده ومكره ليصرف الناس عنها: { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ } المائدة(91). 

فالله الله في الصلاة. من حافظ عليها، حفظه الله، ومن ضيعها، ضيعه الله، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فاتقوا الله ايها المسلمون واحرصوا على الاستجابة لله تعالى كما أمر ، مستمسكين بكتابه وسنة رسوله ، محافظين على عمود الدين حتى ياتيكم اليقين : { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت(45).

   ولنا موعد أخر بحول الله ، مع موضوع الصلاة ، في شروط إقامتها على الأركان والسنن والآداب وما اعد الله تعالى لأهلها من الفضل العظيم والثواب العميم  .

      جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ،أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب

ـــــــــــــــــــــــــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثمرات البركة واستجلابها

الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا، طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ عليه، وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ، أما بعدُ: اهمية البركة : ايها المسلمون: الكل يصيح

الاثار الطيبة بعد الموت

الحمد الله العزيز الغفار الواحد القهار، أنعم على العباد بهذه الدار، وجعلها مكان بلاء واختبار، ووعد الطائعين بجنات وأنهار وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تواب غفار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى عليه الله وعلى آله وسلم ما أثمرت الأشجار وما تفتحت الأزها

قانون الإضافة البسيطة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات ، الحمد لله الذي علم العثرات ، فسترها على أهلها وانزل الرحمات ، ثم غفرها لهم ومحا السيئات ، فله الحمد ملئ خزائن البركات ، وله الحمد ما تتابعت بالقلب النبضات ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، ما نزل غيث إلا بمداد حك