الصبر عنوان الإيمان

خاص عيون نت

التاريخ: الجمعة 11 مايو 2012 الساعة 12:00:00 صباحاً
الصبر عنوان الإيمان

 

للدكتور / حيدر بن أحمد الصافح |خاص ينابيع تربوية

 

الصبر عنوان الإيمان ودليل الثقة بالله ، الصبر من أبرز الأخلاق التي عنى بها القرآن الكريم وحث عليها وقد ورد ذكره في القرآن الكريم أكثر من غيره من الأخلاق الإسلامية ، وللصبر ثمرات لا تحصى ، وقد ذكر القرآن الكريم طرفاً منها ، وذكرت السنة طرفاً آخر وهي شارحة للقرآن ومبينة له فمما ذكره القرآن ونص عليه من ثمرات الصبر أنه يعين على أداء الطاعات ، قال تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ  والذكر والشكر وعدم الكفر طاعات ثم قال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  فعقب الأمر بالذكر والشكر والنهي عن الكفر أمَرَ بالاستعانة بالصبر والصلاة في مواجهات الابتلاءات وتحمل البلاء ، فإن الصبر يثمر تحمل البلاء الذي ينزل بالإنسان ، فيزلزل بنيان غير الصابر ، وقد يقضي عليه بالأمراض المختلفة من شلل وجنون وقد يؤدي البلاء الذي ينزل بغير الصابر إلى الانتحار وكل ذلك شائع بين غير الصابرين .

أما المؤمن الذي يصبر على البلاء فهو في أمان من هذه البلايا ، ثقة منه بالله وواسع رحمته وعظيم مثوبته على ما نزل به من بلاء ، وعظيم ما عند الله من خير للصابرين في دنياهم وأخراهم ، يقول الله تعالى مشيراً إلى ذلك في كتابه الكريم : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ  فقد جمعت هذه الآيات بين الخوف وهو متعدد الأشكال والألوان ، فهو يتسع للخوف من الأعداء ، والخوف من الأمراض ، والخوف من المجهول ، وغير ذلك ، وبين الجوع وشبحه وخطره معروف ، ولا يزال الكثير من الناس في زماننا   

هذا وفي غيره من الأزمان يموتون من الجوع ، ويتعذب بشر غير قليل من الجوع وقد ينتهي بهم إلى الموت ، ونقص المال بالخسارة في التجارة والصناعة ، والآفات التي تصيب الزراعة معروف ، ونقص الأنفس بفقد الأحبة بالموت وفقد بعض أعضاء الجسم وقواه بالمرض ، كل ذلك واقع وشائع بين الناس .

ثم تذكر هذه الآيات أن علاج جميع الحالات السابقة التي تنزل بالإنسان فتزلزل بنيانه وقد تقضي عليه هو الصبر ، فمن صبر ظفر والله سبحانه وتعالى يقول بعد ذكره ما يمتحن به عباده من ألوان البلاء ،  وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ  بشارة يثمرها الصبر والبشارة تقاس بالمبشِّر بها ، وبشارة من الله الملك الحق المبين الذي لا تنفد خزائنه ، دونها كل بشارة من مخلوق ، ولو كان ملكاً متوجاً ، هذا بالإضافة إلى معية الله ورعايته للصابرين

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  فمعية الله تذهب بالحزن من القلوب وتذهب بالخوف منها كذلك وتملأ القلوب أمناً وأماناً واطمئناناً .

والصابر إذا نزلت به مصيبة عبر عن صبره الذي وقر في قلبه بقوله : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ومع تلك العقيدة التي يمتلئ بها قلب المسلم الصابر بأن الكل خلق الله وأن كل مخلوق لابد راجع إلى مولاه ومع تلك العقيدة يمتلئ قلب المؤمن رضاً عن قضاء الله وقدره ، فلله ما أعطى وله ما أخذ وكل شيء عنده بمقدار .

ويذكر الله تعالى في تلك الآيات أن الصابرين يفوزون بثلاث ثمرات :

أولاها : أنهم عليهم صلوات من ربهم ، غفران من الله لهم وثناء عليهم .

وثانيها : أنهم عليهم رحمة من ربهم وهي ما يكون مع المصيبة من لطف الله تعالى بهم .

ثالثها : أنهم مهتدون إلى الحق والصواب فيما ينبغي عمله في

أوقات الشدائد فلا يستحوذ الجزع عليهم ولا يذهب البلاء بالأمل من قلوبهم .

ومن ثمرات الصبر محبة الله للصابرين ، قال تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ  .

ولئن كانت شريعتنا الحنيفية أوصت عموم المؤمنين بالصبر والتحلي به فيما حزبهم من أمور ، فإنها اختصت جحافل المجاهدين بأحوال من الصبر المستبين ، فأوصتهم بالصبر قبل نشوب المعركة واحتدام الصراع ، وبالصبر في خضم النزال والقراع ، وبالصبر عقب جولة جهادية صار غبارها إلى زوال وانقشاع فهذه أحوال ومقامات من الصبر ينعقد بنواصيها حكم بالغة نيرة وثمرات يانعة طيبة خيرة ، أما الصبر قبل نشوب المعركة فأثبته قوله سبحانه لسيد المجاهدين  بنص قرآني مبين بقوله : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ  .

فالوصية بالصبر في هذه الآية الكريمة حملت للمجاهدين بين طياتها لمسة تربوية بارعة مُؤداها أنها تضبط مشاعرهم وتهذب عواطفهم وتمحص مواقفهم وتصفي نواياهم وطواياهم وسرائرهم ، فصولاتهم وجولاتهم الجهادية لا تأتي من باب ردود الأفعال إنما من جهة إرضاء الكبير المتعال فهي ليس رهينة حظوظ النفس إنما من الظلم وأفعاله تقتص تلقنهم ومن شايعهم ومشى ممشاهم أعظم درس فدماؤهم وأرواحهم في سبيل الله ترخص إعلاء لراية التوحيد وتخضيداً لشوكة الشرك العنيد .

وها هي ملامح التضحية والبطولة والثبات تتجلى لنا في غزة وهذا الثبات وهذه الشجاعة لم تأت من فراغ وإنما جاءت نتيجة لتربية متواصلة على العقيدة في الله ، فالعقيدة هي التي توحد الجهود هذه النفوس الأبية هي التي ينبغي صناعتها وإشباعها 

بالمبادئ الإسلامية النقية لتغدو لدماء شهدائها وفية ويكون شعارها دائماً المنية لا الدنية فمهما ادلهمت الخطوب ونزلت في ساحتها الكروب فإن مبادئ الإيمان وقيمه وثوابته لن تزول ولن تسقط الراية وهذا ما نشاهده في واقعنا على أكثر من صعيد .

وأما الصبر في خضم المعركة فيبينه قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  وقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  .

لقد حملت هذه الآيات الكريمة بين ثناياها دعوة المجاهدين إلى التجلد وتجشم المشاق واستعذاب المنايا في سبيل الله الملك الخلاق ، وطلبها من مظانها بلا وجل ولا إشفاق وهذا من شأنه أن يفرج كربتهم ، وينهي بإذن الله غربتهم ، في حين يخضد لأهل الزيغ والفساد شوكتهم ، وقد قدمت غزة للعالم أنموذجاً من ذلك أحيت للأمة معاني جهادية كادت أن تنسى وتندرس وفي ذلك عظة وعبرة صاغتها ثلة مجاهدة صابرة ، فعلى المجاهدين في فلسطين وفي كل مكان في أنها معركتهم المقدسة التي يذودون فيها عن حياض الأمة ومقدساتها وحرماتها .. عليهم أن لا يُقيلوا ولا يستقيلوا عن درب قدموا فيه من الدماء والأشلاء فإننما هي ضريبة النصر والحرية والكرامة التي لابد منها .

وعليهم أن يعلموا دوماً أن كوكبة الشهداء الذين قضوا نحبهم وجادوا من قبل ومن بعد بأرواحهم إنما شيدوا منار هدى يهتدي به الحيارى ، فلا يليق بالجموع التي تأتي بعدهم إلا أن تحذوا حذوهم ، وتواصل زحفهم نعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الضلالة بعد الهدى .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

أشد أحوال الصبر ومقاماته لدى المجاهدين : الصبر عقب المعركة ، إثر انقشاع جولة ، والفراغ من صولة ، كشف ذلك قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ  فأخر الصبر عن الجهاد لأن المقصود بالمجاهدين هنا المقيمون عليه ، وبالصابرين : الثابتون عليه ولأوائه دونما انخزال أو انْخِذَال .

ذلك أن غبار المعركة سوف ينجلي عن دماء تراق ، وأشلاء تتناثر ، وأرواح تزهق من فلذات الأكباد ، وقادة الجهاد وصناع الاستشهاد فضلاً عما تخلفه وراءها من نساء ثكالى ، وأطفال يتامى ، وأبنية تتهاوى ، وخراب ودمار ، ومقدرات وثروات ، وخيرات ومزروعات ، فهذا كله يتطلب من المجاهدين ومن آزرهم وساندهم استنفار جهود كثيفة واستفراغ طاقات حثيثة ، بغية تضميد الجراح وبلسمة القروح ، لكيلا يتوانى أحد عن الزحف نحو التحرير وانتزاع حق الحرية وتقرير المصير ، ومتطلبات هذه المرحلة تنوء بالعصبة أولي القوة إلا من شاء الله ممن بث فيه العزيمة والهمة ولهذا نجد القرآن الكريم قد أعلى شأن رواد هذه المرحلة وأولاهم عناية فائقة وتوجيهات سامقة ، ففي مثل هذه المرحلة وما شاكلها نزل قول الله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً  لأن التبديل والتغيير إنما هو من ثقافة وإفرازات المنافقين والمرجفين من شياطين الإنس والجن الذي يجمعون حينما يثخن الجسد بالجراح وتتناثر الأشلاء في الساح وتسيل بالدم البطاح .. عندها ينفثون سمومهم وتنشط مساعيهم وتتعالى صيحاتهم لإشاعة الهزيمة في النفوس وغزوها بسوء الظنون ولهم في ذلك دروب وفنون ، إنهم لا

يحسنون سوى التخذيل والتوهين ، وتسويق الهزائم وتبريرها وها نحن نراهم اليوم يشيعون في الأمة ثقافة الذلة والهوان ويسخرون من المجاهدين الصامدين في كل مكان ، ويقولون بلسان الحال والمقال كما قال إخوانهم السابقين غر هؤلاء دينهم ، وماذا يصنع

هؤلاء بالقوى الكبرى ويسمون أسلحتهم بلعب أطفال بينما الأعداء لا يخشون سوى لعب هؤلاء المجاهدين كما يسميها المنافقون ، فهم مخذلون من البداية مرجفون في النهاية لا يسرهم أن ينتصر الإسلام ويعلو شأن المسلمين هؤلاء الذين يظهرون في صورة الخائف المشفق هم الأعداء الألداء الذين حذرنا الله منهم ، فعلى الأمة المجاهدة أن تواجه كل هذا الإرجاف والكيد بالعزيمة والصبر كما قال الله تعالى : إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ  وقال عز وجل : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ  .

والصبر إذا اقترن بالأمل كان عصمة من اليأس والملل ، والتوقف والانقطاع وتفجرت بسببه ينابيع العزم والثبات إنه الصبر المُتْرعُ بأنواع الأمل العريض وليس صبر اليائس الذي لم يجد بداً من الصبر ، فَصَبَرَ رغم أنفه .

فاللهم هب لنا صبراً وشجاعة وقوة نستطيع بها أن نجاهد أنفسنا حتى يستقيم على طاعتك لتكون مؤهلة لمواجهة أعدائك من شياطين الجن والإنس قال رسول الله  : ( ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يتصبر يصبره الله ، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر ) .

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح