شاب أبكى الرجال1

التاريخ: السبت 2 اكتوبر 2010 الساعة 12:00:00 صباحاً
شاب أبكى الرجال1

شاب أبكى الرجال(1)

د. علي بن عمر بادحدح

[ الخطبة الأولى ]

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :

سيرة عطرة لشاب أبكى الصحابة يوم مماته كما أبكاهم يوم إسلامه ..

وفيما بين إسلامه ووفاته سطّر بحروفٍ من نور سيرةً أعطر من الشذا الفياح ، وأسطع نوراً من القمر المنير . وجعل في ثناياها دروساً عظيمةً تكتب بالكلمة والموقف : درس استعلاء الإيمان على كل جوانب الأرض .. ودرس استعصاء اليقين على كل مجابهة الباطل .. ويسطر فيما بين ذلك قوة الإيمان ، وفتوة الشباب ، وحصافة الداعية ، وثبات المسلم ، وقوة الحجة ، وإصابة الهدف .. ويرسم فيما وراء ذلك كله نموذجاً من نماذج التربية المحمدية التي تربى عليها جيل الصحابة على يد المصطفى صلى الله عليه وسلم .

وجدير بنا أن نحني رؤسنا إعظاماً وإجلالاً لهذه السيرة كما أحنى كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤوسهم ، وجعلوا أبصارهم  في الأرض إجلالاً وإعظاماً لهذا الصحابي الجليل .

إنه ( مصعب بن عمير ) الشاب المدلل الذي انتقل من طورٍ إلى طور ، ومن حياة إلى حياة ، ومن غاية إلى غاية ، ومن هدف إلى هدف ، ومن كل ما كان له صلة بالجاهلية إلى كل ما له تعلق بالإسلام .

فلنقف مع صفحات هذه السيرة ، ولنقف مع هذا الشاب الذي كان استشاهده في يوم أحد من شهر شوال في العام الثالث من الهجرة النبوية الشريفة .

كان لمصعب بن عمير نشأة أولى اجتمع فيها عراقة النسب ، وعظمة الجاه ، وسعة الرزق ، ورقة الحياة ، وكان قد جمع كل ما يجمعه الشاب الذي يحوز على المال الوفير ، والأبوين الحنونين الذين يرعيانه ويكرمانه ، ويوافقانه فلا يخالفانه ، ويعطيانه فلا يحرمانه ، ويفتخران به في كل مجلس ، ويحبان أن يرايانه في أحلى صورة ، وأبهى حلة ، وكان في عراقة النسب من بني عبد الدار من أصل قريش وأمومتها الذين كانت لهم مناقب ومفاخر في خدمة البيت الحرام ، وكانت عندهم السقاية ، وكان إليهم أمر دار الندوة ، وكان فيهم عظمة وحسب ومناصب و أدوار عظيمة .

وكان مصعب من هذا كله ، وكان في  هذا كله ، وكانت أمّه - على وجه الخصوص - كثيرة المال ، تغدوه بأحسن الطعام ، وتلبسه أرق الثياب ، وتعطّره بأجمل وأعطر العطور .. وكانت تتباهى به بين شباب مكة ؛ حتى عرف مصعب رضي الله عنه وأرضاه بأنه أعطر أهل مكة ، وكان يُعرف إذا مرَّ في طريق ومضى أنه مرَ منه ؛ لما يرى أو لما يُشمُّ من أثر ريحه بعد مضيه .

وكان في هذه الصورة من النعيم العظيم ، ومن الترف العنين ، يتنقل في مكة على هذه الهيئة ، ويعرف بهذه الصورة .. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك عندما دخل مصعب في الإسلام من بعد ، فكان مما قاله عليه الصلاة والسلام : ( ما رأيت بمكة أحسن لمةً ، ولا أرق حلةً ، ولا أنعم نعمةً من مصعب بن عمير رضي الله عنه .. ) .

أي ليس في مكة أحسن لمةً - أي الشعر الذي يغطي الجبهة - ولا أرق حلة ، ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير ؛ دليلاً على عظيم الترف والرقة ..

هكذا عاش مصعب نعومة حياته الأولى ، وبدايات فتوته وشبابه .

 وكانت الجاهلية في ذلك الوقت بأعرافها ، وأوضارها وشهواتها وزيغها ، في هدوء وسكون ؛ حتى أظهر الله عز وجل الدين الجديد ، ونبئ محمدٌ ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأشرقت الأرض بنور الإيمان ، واتصلت حبال هذه الأرض بأسباب السماء ، وانبثق الوحي يلقي في صدر محمد صلى الله عليه وسلم الرسالة الخاتمة التي تشمل هداية البشرية وصلاحها في كل زمان ومكان .. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

فجاء الدين الجديد والجاهلية غارقةٌ في ظلامها ، ساترة في غيها ، مقيمة على ظلمها ، متدنسة بشهواتها وملذاتها ، غارقةٌ في أوضارها وأرجاسها وأدناسها ، مقذرة لنعراتها وعصبياتها ، مؤكدة على طبقاتها ومنازلها ومراكبها ، تفرّق بين الإنسان والإنسان ، وتفرق بين حر وعبد ، وتسجد لأصنامِ من حجر تصنعها .. فماذا صنعت الجاهلية أمام هذا النور العظيم الذي أشرقت له الأرض من بعد شرقاً وغرباً ؟

لقد بدأ الصراع بين الجاهلية والإسلام ، وهذه سنة الله عز وجل في الحياة ؛ فإن الباطل لا يمكن أن يبقى ، ولا يمكن أن يحيى في وجود الحق !

وإن الظلام لا يمكن أن يقيم ، ولا أن يبقى في وجود النور ، ومن ثم لا بد من صراع الظلام بالنور ، ولا بد من اعتراك الحق بالباطل ؛ حتى يُحق الله الحق بكلماته ، ويبطل الباطل بقدرته سبحانه وتعالى : { ولتعلمن نبأه بعد حين } ، { وإن العاقبة للمتقين } .

ولكن الطريق مفروشٌ مملوءٌ بالأشواك ، مليءٌ بالعقبات ، يمتحن الله - عز وجل - به أهل الإيمان ، ويثبت به أهل اليقين : { لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } .

سنة من سنن الله عز وجل : { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } .

وبدأ مصعب - رضي الله عنه - يرى ملامح هذا الصراع ، يسمع الحوار الحائر في أندية قريش ، ويسمع الرأي الجائر من كبرائها وطغاتها ، ويرى بعد ذلك الظلم السافر ، والبغي الفاجر ، والعذاب المستطير ، والحرب والشر الذي لم تنتهي منه قريش ؛ حتى كتب الله النصر لرسوله صلى الله عليه وسلم ، وأذلّ طغاة الكفر والشرك ، وأفنى كبراء الجاهلية ؛ حتى ذلت الأعناق ، وخضعت الرقاب ، ثم من بعد ذلك - وفي أثنائه - استجابت القلوب ، فكان مصعب يرى ذلك ، وتجلت أمامه في مقابل ذلك صور الثبات الرائع ، والشموخ العالي لأهل الإيمان .

رأى بلالاً يُعذّب في صحراء مكة ، ودويُّ " أحد أحد " يملأ أذنيه .

ورأى خباب بن الأرت يشوى بالسياط ، ويُكوى بالنار ، وهو ثابتٌ على الإيمان ، وكان ذلك كله يختبر في رأسه ، ويتفاعل مع نفسه ، ويتردد في قلبه ، وإذا به يفكر وينظر ، ويتأمل ثم ينشرح صدره للإسلام ، ويشرق في قلبه نور الإيمان ، ويسمع سمعاً خفيفاً من همسٍ يتناجى به قليل من الناس : أن محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان مصعب يعرف سيرته - كما كانت مكة كلها تعرف سيرة الصادق الأمين - وكان يعرف رجاحة عقله يوم حكّمته مكة كلها - بقبائلها وزاعماتها - في وضع الحجر الأسود في مكانه من البيت .. وكان يعرف محمداً - صلى الله عليه وسلم - يوم ترفّع عن الجاهلية ، فلم يشرب شربة خمر ، ولم يجلس في مجلس لهو ، ولم يسجد لصنم قط صلى الله عليه وسلم .

سمع أن محمداً يجتمع بأصحابه - ممن استجاب لدعوته - في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، فتوجه مصعب يقوده قلبٌ أشرق بالإيمان ، ونفسٌ تعلقت باليقين ، وعقلٌ اقتنع بالحق وأيقن به .. توجّه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ، يسير في الظلام ، ويُسرُّ بمسيره ، ويخفي توجهه حتى دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه النفر القليل الذين لم يكن عددهم يتجاوز أصابع اليدين ، وأعلن هذا الشاب إسلامه بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم - وقد رأى مصير من دخل في هذا الدين ، وقد عرف عاقبة من اتبع محمداً الأمين صلى الله عليه وسلم - وكان يدرك تماماً ؛ لا عن مجرد قول ، بل عن رأي يقين ، ورأي حقٍ رآه بعينه ، وشاهده بنفسه : أن الأمر ليس بهيّن ، وأن العاقبة ليست سهلة ، وأن المستقبل ليس مفروشاً بالورود ، لكنه الإيمان إذا ملأ القلب واليقين ، وإذا شاء في النفس ، والقناعة إذا استولت على العقل ؛ فإنها بإذن الله عز وجل تكون أقوى من كل صعبٍ ، وأرسخ من كل مواجهة ، وأمضى - بإذن الله عز وجل - إلى المستقبل بثقة ويقين بنصر الله ، وأملاً ورجاءً في ثواب الله ، ورسوخٍ وثباتٍ على منهج الله .

فكّر مصعب في النعيم ، وفكّر في الجاهلية وما ستواجهه به ،

وفكّر أكثر وأكثر في أمّه التي كان لها معه شأن عظيم .. ومع كل هذا التفكير غلب إيمانه كل هذه العوائق وكل هذه المصاعب : { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } .

وكان مصعب يعرف أنه باختياره هذا الطريق قد ودع الترف ، وقد هجر الدعة والراحة ، وأيقن بقول الحق سبحانه وتعالى : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } .

وعجباً أن مصعباً رضي الله عنه قد صدقت فيه هذه الآية ، وكان قد صدق فيه وفي أصحابه ، ونزل فيه وفي شهداء أُحد : { الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } .

فكان صادقاً في إسلامه ، وكان صادقاً في ثباته ، وكان صادقاً في شهادته رضي الله عنه وأرضاه ؛ حتى كان مضرب مثلٍ للأغنياء ، ومضرب مثلٍ للفقراء ، ومضرب مثلٍ لمن سلموا من الأذى ، ولمن نالوا أشد وأقسى أنواع الأذى .

 فهذا عبد الرحمن بن عوف - كما في صحيح البخاري - كان صائماً يوماً من الأيام ، فأوتي له بطعام الإفطار ، وكان فيه صنفين من الطعام ، فطأطأ عبد الرحمن بن عوف رأسه ، وجرت دموعه على خدّه وبكى ، فقيل له : ما يبكيك يا عبد الرحمن ؟ ما يبكيك يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

قال : ذكرت مصعب بن عميرِ مات يوم مات ، ولم نجد ما نكفنه به إلا برده ، إذا غطينا رأسه بدت قدماه ، وإذا غطينا قدماه بدا رأسه ، وإني أخشى أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا .

أبكاهم في مماته وبعد مماته رضي الله عنه وأرضاه .

 وهذا خباب بن الأرت زعيمٌ من زعماء المعذبين ، والذي ظل أثر التعذيب في ظهره حتى وفاته ، وكان يُسأل عن ما لقي من التعذيب حينما امتد به العمر ؟ فيقول : " أسلمنا وجاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنا من لم يرى من ذلك شيئاً - لم يرى أثراً ولا ثمرةً ولا نعيماً ، وإنما مضى إلى الله عز وجل شهيداً قبل أن يفتح الله على الإسلام - منهم مصعب بن عمير مات يوم مات ، ولم نجد ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا رأسه بدت قدماه ، وإذا غطينا قدماه بدا رأسه " .

ثم يذكر خباب بعد ذلك ما فتح الله به عليهم .

وكما قال غيره من الصحابة ، منهم عتاب بن أسيد عندما تذكر حالهم الأول ، وما انتهى بهم المضاف ، قال : " وما منا اليوم إلا وهو أمير على مصر من الأمصار ، أما مصعب فقد مضى إلى الله عز وجل وما زال الإسلام محارباً محاصراً ، وما زال المسلمون لم يتجاوزوا المدينة التي كان لمصعبٍ أثرٌ عظيمٌ في فتح قلوب أهلها ، وفي إسلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها " .

لننظر إلى ما واجهه مصعب بعد أن قرر هذا القرار العصيب ؛ حتى نعرف أثر الإيمان ، وندرس ونتلقى من مصعب - الشاب المنعم المدلل المترف - أعظم دروس الإيمان ، نسأل الله عز وجل أن يزيد إيماننا .

[الخطبة الثانية]

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :

وإن من منابع التقوى سير أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم .. تزيد من إيماننا ، وتذكرنا لما نحن فيه من تقصيرٍ وتفريطٍ ، وضعفٍ وعدم استحقاقٍ لمسمى عظمة الإيمان ، وكمال الإسلام .. فهذا مصعب رضي الله عنه بعد أن أسلم .. لننظر إلى بعض صور العناء والشدة التي قاساها ولاقاها :

روى ابن سعدِ في الطبقات : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى مصعباً قادماً ، وعليه قطعةٌ من نمرة وصلها بإهابٍ - أي بجلد ، فثوبه مرقوعٌ ليس عنده ثوبٌ ، بعد أن كان كل يوم يروح في حلة ، ويغدو في حلة - قد ردمه ثم وصله إليها ، فلما رآه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نكّسوا رؤوسهم رحمة له - ليس عندهم ثياب يعطونها له - فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فردّ عليه المصطفى السلام ، وأحسن الثناء ثم قال : ( الحمد لله يقلب الدنيا بأهلها ؛ لقد رأيت هذا وما في مكة فتىً من قريشٍ أنعم عند أبويه نعيماً منه ، ثم أخرجه من ذلك الرغبة في الخير ، وحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ) .

شهادةٌ من المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما داس مصعب بن عمير الدنيا ونعيمها بقدميه ، وعندما لم يجد لذة إلا في لقاء المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولم يجد حلاوةً إلا للإيمان ، ولم يجد طعماً إلا للطاعة ، ولم يجد راحةً إلا في الإسلام ، ولم يجد طمأنينةً إلا في الذكر ، ولم يجد للحياة معنى ولا غاية ، ولا طعماً ولا هدفا إلا عندما أشرق الإيمان في قلبه .

فهل نذكر أن نعيم الدنيا كلها لا يساوي لحظة إيمان ، ولا يساوي سجدةً للرحمن ، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم عما يكون في آخر الزمان في مثل هذا المعنى !

وهل ندرك كيف كان إيمان مصعب قد غلب عليه ؛ حتى ما استطاعت جواذب الدنيا كلها ، ولا لذائذها وشهواتها أن تضعف من انطلاقته إلى الله ، وإلى مرضاة الله ، وإلى اتباع رسول الله ، وإلى أن يكون من دعاة الله ، وإلى أن يكون من جند الله ، وإلى أن يبيع نفسه رخيصةً في سبيل الله !

هذه هي حقيقة الإيمان ، وهذا هو معنى الإستعلاء بالإيمان ، وهذا هو الأمر الحقيقي ، الذي إذا ملك القلب ، واستولى على النفس لم يكن له في الوجود وفي حقيقة العمل إلا مثل هذا السلوك .

أما من يكون لقلبه تعلق بهذا وهذا ، وقد يبطل عن أمر الله إشتغالاً بدنياه : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  } .

وهذا المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول : ( لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرٌ منها شربة ماء ) . رواه الترمذي بسند حسن .

وكما قال بعض أهل الإيمان من سلفنا الصالح رضوان الله عليهم : " إذا كانت الدنيا كلها جناح بعوضة ، ويقتتل عليها الناس كلهم ، وتنشغل بها قلوبهم ، وتتعلق بها عقولهم هو جناح بعوضة .. فأي نصيبٍ لك يشغلك عن الله من هذا الجناح للبعوضة ؟! " .

وهذا الإمام الترمذي يروي عن الإمام علي بسند فيه ضعف كما ذكر ابن حجر قال فيه علي : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رأى مصعب بن عمير بكى لما كان فيه من النعمة ".

ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جعل من مصعب درساً وعبرة .. لمن ؟ للصحابة أهل الإيمان واليقين .

وكانت أمه - كما علمنا - كثيرة المال تكسوه أحسن الثياب وأمتنها ، وكانت أمه شديدة الكلف به .

قال النووي : " ثم انتهى الحال بعد الإسلام إلى أن كان عليه بردة مرقوعة بفروه " .

وهذا سعد بن أبي وقاص يذكر لنا صورةٌ من الصور العصيبة العجيبة ، التي مضى بها مصعب بن عمير - هذا المدلل المترف ، الذي كان يأكل أحسن أنواع الطعام ، ويلبس أحسن أنواع الثياب - دخل في حصار الشعر ، الذي دام ثلاث سنوات ؛ حتى أكل خير خلق الله من صحب الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكلوا أوراق الشجر ، وأكلوا الجلد الناشف الذي قد بلي ، دقوه وفتّوه وأكلوه ..

هذا سعد يروي هذه المحنة ، ويفرّق بينه وبين غيره من الصحابة وبين مصعب بن عمير ، فقد كان فتىً غض الإهاب في أول مقتبل الشباب ، وكان ذا نعمةِ سابقةِ سابغةِ من قبل ، يقول سعد : " فأما مصعب بن عمير ، فكان أشرف غلامٍ بمكة بين أبويه ، فلما أصابنا ما أصابنا لم يقوى على ذلك - لم يقصد أنه لم يقوى عليه بإيمانه وإنما بجسده - فقلد رأيته وإن جلده ليتطاير تطاير جلد الحية - جلده يتقطع كما تقطع الحية أو الثعبان جلده ويتقشر عنه - ولقد رأيته ينقطع به ، فما يستطيع أن يمشي فنعرض له القسية ثم نحمله على عواتقنا " .

مرّ به الحال إلى أن كان حياً في صورة ميت !

هذا المنعم المدلل يخوض محنة من حصارٍ من طعامٍ وشرابٍ وكلام مدتها ثلاثة أعوام ، لو مرّ أحدنا بمثلها في ثلاثة أيام ربما لم يقوى عليها ، ولم يكن عندنا من الجاهلية التي كان فيها مصعب ما مرّ به - رضي الله عنه وأرضاه - ثلاث سنوات من جوعٍ ، ومن مقاطعةٍ ، ومن ألمٍ ومعاناة ومقاساةٍ مرّ بها مصعب بن عمير ، ترنح لها جسمه ، وثبت فيها إيمانه ، وضعف فيها بدنه ، وعظم فيها يقينه ، ولقّن الأمة الإسلامية درساً : أن القوة قوة الإيمان ، وليست قوة الأبدان .

وهذا السهيلي في سيرته يقول : " لما أسلم مصعب أصابه من الشدة ما غيّر لونه ، وأذهب لحمه ، وأنهك جسمه " .

ثم إنه قد أسرّ بإسلامه ، فبصر به عثمان بن طلحة يصلي سراً ، فوشى به إلى أهله ، فإذا بالأم الرؤم الحنون تنقلب نمراً كاسراً ! تدافع عن الجاهلية وأعرافها ، وتتوجه إلى مصعب تنهره - وهي تعلم أنه لم يكن يخالف لها قولاً ، وما كان يسمع منها أمراً ولا نهياً ولا توجيهاً إلا أذعن له - فإذا بها ترى مصعباً آخر ، وترى وجهاً قد أشرق بنور الإيمان ، وترى لساناً قد نطق بالحق .. فتُفجع وتعلم أن الأمر ليس بهين !

 

فتأمر به ، فيُأخذ في ركن بيته ، ويحبس ويربض .. ثم إنه يسمع أن بعض الصحابة قد هاجروا إلى الحبشة ، فيلتمس خلاصاً ويهاجر إلى الحبشة ، ويرجع ثم تصطرع الأمور وتتفاعل ، وتزداد قبضة قريش وأذاها ، ويزداد أمر أمه عتواً ؛ حتى امتنعت عن الطعام والشراب ؛ تضغط عليه وتؤثر فيه ، فماذا كان من مصعب الذي كان قلبه مملوءاً بحبّ أمه،  وحياته السابقة مملوءة بفضلها عليه ؟

كان يقول لها : " يا أماه إني لك ناصح ، وعليك شفيق ، فاشهدي أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبد الله ورسوله " .

 فتقول له : " قسماً بالثواقب لا أدخل في دينك فيزرى في رأي ، ويضعف عقلي " .

وظلت على جاهليتها ، وظل مصعب المحب لها على إيمانه .. فقد أعطانا درساً - وسيعطينا دروساً - أن القرابة ، وأن الأهل - أمهاتٍ أو زوجاتٍ أو آباء أو أبناء - إذا وقفوا في طريق الإيمان ، وإذا اعترضوا سبيل الدعوة ؛فينبغي للمؤمن أن يتجاوز بإيمانه ويقينه كل هذه العقاب والصعاب ، وأن لا يرضخ لها ، وأن لا يلين ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع إسلاميات

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس

الشكوى التي يسمعها الله

الحمد لله الذي يسمع شكوى عباده ونجواهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المحمود على كلّ حال، الخير بيديه، وهو الكبير المتعال، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله، لا خيرَ إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه؛ فهو الناصح الأمين صلى الله وسلَّم وبا