الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 5 نوفمبر 2019 الساعة 05:05:58 مساءً
الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164.

     مع حلول شهر ربيع الاول من كل عام، نقف، كما هو مع مختلف الذكريات الاسلامية، وقفة احتفاء وذكرى وتأمل واعتبار، في رحاب السيرة النبوية العطرة، نقتبس منها من أنوار الهداية والرشاد، ما نستنير به في مسالك ديننا ودنيانا، ونحن أحوج ما نكون الى ذلك في متاهات الغفلة والشرود والفتن .

   ففي مثل هذه الأيام من أواخر القرن السادس للميلاد، أطل على الوجود أشرف مخلوق وأكرم مولود، محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي، الذي كان مولده بداية تحول كبير في مجرى التاريخ الانساني كله. فمع ظهور رسالته انبثق فجر الهداية ليضيء آفاق الدنيا بدعوة الحق، وينير القلوب والعقول والابصار والبصائر، ويبدد ظلمات الشرك والكفر والضلال والجهل والجهالة.

   وشاء الله تعالى أن ترافقه في مولده وقبيل مولده أمارات وبشارات، تشهد له بكونه منبع اليمن والخير والبركات، على أهله وقومه وعلى الدنيا كلها. ولا غرابة فقد تواترت به البشارات في دعوات الانبياء والمرسلين عبر التاريخ، باعتبار ذلك من مقتضيات الايمان لديهم وهو خاتم دعواتهم اجمعين.

  كذلك بشرت به دعوة ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، حين حط الرحال بأهله بأرض الكعبة، ورفع هو وابنه اسماعيل قواعد البيت وقال داعيا:{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } البقرة 129.

   وكان بشارة دعوة عيسى بن مريم عليه السلام في خطابه لقومه: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } (الصف 6).

   كذلك رفع الله قدره وذكره في الأولين والآخرين، وفي الأرض والسماء، وفي الدنيا ويوم القيامة حيث يكون الشافع المشفع وصاحب الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود كما هو موعود: { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ}(الشرح).

   ومن لدن مولده ـ صلى الله عليه وسلم ـ الى وفاته، توالت الآيات والبراهين والمعجزات، في سيرته العجيبة، سواء في مرحلة الدعوة بمكة المكرمة خلال ثلاث عشرة سنة، أو في مرحة الدعوة والجهاد والبناء بالمدينة المنورة خلال عشر سنين، الى أن أكمل الله به دينه وأقامه وأتم به النعمة العظمى على الأمة الاسلامية.

   كذلك اقتضت حكمة الله تعالى وعنايته أن يولد رسوله الخاتم وينشأ في بيئة صحراوية قاسية، في مركز الأرض بجوار الكعبة، وهي وسط  بين مختلف الجهات الجغرافية للعالم، ليينبعث منها نور الرسالة الى الأقاق ملها. وهنا ينشأ يتيما لأبيه أولا وهو في بطن أمه، ثم يتيما للأم بعد ست سنين، لتكون تربيته ربانية خالصة، لا فضل فيها للأبوة الا بالولادة، ولا أثر فيها لنزعة عصبية ولا عرقية. وقد تكفل به جده عبد المطلب أولا الى أن مات، ثم عمه أبو طالب الذي كان له حاميا بين قومه بمكة .

  ويبلغ طور الشباب والكهولة بريئا من أذران الجاهلية وعقائدها الفاسدة، متميزا عن الجاهليين، معلوما بينهم ب(الصادق الأمين) وهي خصلة جامعة لمكارم الأخلاق. ثم يحين موعد البعثة والرسالة في الأربعين من عمره، فينطلق فيها وفق برنامج رباني للدعوة، حافل بالأحداث والمواجهات والتضحيات حتى استقامت رسالة الاسلام على أركانها، دينا ودولة وأمـة، خلال ثلاث وعشرين سنة فقط،  لتكون إنجازا عظيما واعجازا باهرا، ما كان له مثيل ولن يكون في تاريخ نشوء الدعوات وقيام الدول والأمم.

 ولقد اختار الله جل وعلا هذا النبي الكريم واصطفاه بكل معاني الاصطفاء، وجمع له الفضائل والإمتيازات الكمالية، الخَلقية والخُلقية في كل أحوالة، وزكاه وعصمه حتى يكون على وفاق وتكامل مع الرسالة الربانية الشاملة :

ـ اصطفاه الله في أصله ونسبه من أشرف الأنساب وأطيب الأصلاب، من ذرية أبي الأنبياء ابراهم الخليل وابنه اسماعيل عليهما الصلاة والسلام، وفي ذلك يقول عن نفسه:( إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ذرية اسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفانيمن بني هاشم) (الترمذي)  وفي رواية ( فلم أزل خيارا من خيار ) ( أنا سيد ولد آدم ولا فخر).

ـ واصطفاه في اسمائه فخصه بأفضل الاسماء وازكاها، أحمد ومحمد مشتقا من اسمه تعالى الحميد :

         

         

وضم الإله اسم النبي الى اسمه    إذا قال في الخمس المؤذنُ أشهــدُ

وشــــق لــه من اسمــه ليُجـلّــه    فـذو العــرش محمــود وهذا محمـــدُ

ـ واصطفاه في موقعه الرفيع ومقامه الأشرف من مسيرة الرسالات السماوية، ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين: { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ }(الاحزاب 40).

ـ واصطفاه ربه لرسالة عالمية هي للناس أجمعين بشيرا ونذيرا ورحمة للعالمين:{ وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا}ــ{وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.

ـ واصطفى له خير كتاب أنزل، قرآنا عربيا مبينا، ليكون له حجة وبرهانا، وللامة دستور دين ودنيا: { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ  يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}'المائدة 15ـ16).

ـ واصطفاه الله وزكاه في كريم أخلاقه ، فكان بتربيته الربانية أكمل صورة بشرية وأسماها خلقيا، وليس من توصيف أبلغ وأعم من ثناء ربه عليه، وهو الذي رباه وأدبه وأحسن تأديبه فقال: { وإنك لعلى خلق عظيم}.

ـ واصطفى له أمته وأكرمها بالخيرية، على أصول الإيمان والتوحيد والعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }(آل عمران 110).

أكرمه الله بجميع هذه المكرمات والفضائل والامتيازات  ثم وعده بالمزيد في الدنيا والآخرة فضلا منه ونعمة وقال:  { ولسوف يعطيك ربك فترضى } (الضحى5).

   نبي مختار، ورسول مصطفي، وسيرة فاضلة عطرة، لم يتأت لها مثيل لنبي ولا رسول، ولا لعظيم في تاريخ البشرية مطلقا، ولن يتأتى أبدا. سيرة مدونه ومحصية ومحفوظة، في كل صغيرة وكبيرة من تفاصيل حياته الخاصة والعامة، من الميلاد وما قبله، الى الوفاة وما بعدها. سجل مفصل دقيق لكل أقواله وأفعاله وأحواله، وفي جميع علاقاته: علاقته بربه، وبنفسه، وبأهله وزوجاته، وبأصحابه، وبأعدائه، وحتى بالحيوان والشجر والجبال. وتقلد من المهام والاعمال جلائل الأمانات والمسؤوليات والقيادات، فكان داعيا وإماما ومعلما ومربيا وقائدا وقاضيا ومجاهدا .. وفي كل ذلك وغيره كان صادقا أمينا، ورؤوفا رحيما، وحكيما سديدا. كل ذلك مسطور ومعلوم ومشروح، في جميع متغيرات حياته، في رخائه وشدته، وفي سلمه وحربه، وفي عباداته وقرباته، وفي جهاده وتضحياته، وفي سره وجهره، وفي أمور الغيب التي كشف الله له، وحتى في أخص أمور بيته ومع زوجاته. وذلك من أهمية سيرته، وسمو قدره وشرف الرسالة التي بعث بها بشيرا ونذيرا  وسراجا منيرا.

    سيرة دعوة وتطبيق عملي حي للقرآن الكريم، يبلغه ويبينه ويطبقه بصورة واقعية،  بأقواله وأفعاله وأحواله، حتى قالت عنه عائشة (ض) في تعبير وجيز بليغ: ( كان خلقه القرآن ). سيرة قدوة كاملة شاملة في الايمان والتوحيد والعبادة والأخلاق والمعاملات والدعوة والجهاد والتعليم والقيادة والامامة وغيرها. وكان فيها وسيبقى أسوة حسنة للأمة الى قيام الساعة كما اخبر القرأن الكريم وأمـر :

{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}( الاحزاب 21).

  أراد الله لسيرة نبيه الخاتم أن تضبط وتدرس وتحفظ بمقتضى حفظ القرأن الكريم، لآنها لكتاب الله بيان وتبليغ وتطبيق وبرهان:{ إنا نحنُ نزلنا الذكرَ وإنا له لَحافظونَ}.

وكذلك كانت سيرته محفوظة تعلم وتدرس عبر تاريخ الاسلام، وستبقى كذلك كنزا غنيا يفيض على المسلمين عبر الزمان والمكان بالدروس والعبر والحكم ، شاهدة لهذ النبي بالفضل العظيم من الله تعالى على هذه الامة الاسلامية.

الخطبــة الثانيــة

 

  عن أبي هريرة (ض) قال النبي صلى الله عليه وسلم  : ( كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل ومن يأبى يا رسول الله ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)                      ( رواه البخاري)

   سيرة فاضلة، متميزة وممتازة، يرتبط بها انتماؤنا لدين الله تعالى، ويتوقف عليها مصيرنا الى الجنة ، لذلك فنحن مأمورون بطاعته ، وهي سبيل نيل رضا الله ورضوانه ونعيم الجنة . وكيف تكون طاعة الرسول إلا بالاقتداء بسنته والاهتداء بهديه ، على دراية وتفقه في سيرته .

 فالى جانب عظيم فضائل هذا النبي الأمي، في أصله ونسبه وتربيته واخلاقه ورسالته ومكانته ، فانه يسمو ويزيد، من جهة التشريع، بمنتهى التكريم والتشريف :

ـ فلا إسلام إلا بإعلان شهادة الإيمان بهذا النبي ورسالته، مقرونة باعلان شهادة توحيد الله تعالى :             ( لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ).

 ـ ولا يصح الايمان إلا بالرضا به نبيا والتسليم له في حكمه وأمره : { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء 65).

ـ ولا برهان على محبة الله تعالى إلا باتباع سنة النبي والاقتداء به: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران31).

ـ ولا طاعة لله إلا من طريق طاعة رسوله:{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَنْ تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء80).

ـ وقرن الله بيعته ببيعته فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ }"الفتح 10.

وكفى به اصطفاء وثناء وتكريما، قول الله عز وجل في آية جامعة: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا } (الاحزاب45 ـ 46) .

ثم كان مسك الختام في فضل العظيم المنان على نبيه الكريم، صلاة الله سبحانه وملائكته عليه، وأمره المؤمنين بالصلاة عليه والتسليم:

{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً } (الأحزاب:56).

 

 

 

 

المساجد ودورها الريادي في حياة الامة

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ورضيه لنا ديناً، ووفقنا لعبادته وطاعته، ونسأله أن يزيدنا يقيناً، ونشكره على نعمه التي أعطنا إياها حيناً فحيناً، ومن نعمه, ومحاسن دينه, هذه الاجتماعات الإسلامية, في مساجده التي أمر برفعها, وتعميرها ظاهراً ودينا، ويؤدي فيها أفضل شعيرة من شعائر ديننا، وأ

تقلبات الدنيا بأصحابها

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذ

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس