الشكوى التي يسمعها الله

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 26 اكتوبر 2019 الساعة 05:33:02 مساءً
الشكوى التي يسمعها الله

الحمد لله الذي يسمع شكوى عباده ونجواهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المحمود على كلّ حال، الخير بيديه، وهو الكبير المتعال، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله، لا خيرَ إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه؛ فهو الناصح الأمين صلى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار وأصحابه الأخيار وسلَّم تسليمًا..

اهمية الشكوى لله:

ايها المسلمون :ان جميعُ الخلق مفتقرون إلى الله، مفتقرون إلى الله في كل شؤونِهم وأحوالِهم، وفي كلِ كبيرةٍ وصغيره، وفي هذا العصرُ تعلقَ الناسُ بالناسِ، وشكا الناسُ إلى الناس، ولا بأسَ أن يُستعانُ بالناس في ما يقدرون عليه، لكن أن يكونَ المُعتمَدُ عليهم، والسؤال إليهم، والتعلقُ بهم فهذا هو الهلاكُ بعينه، فإن من تعلق بشيٍ وكلَ إليه.

نعتمدُ على أنفسِنا وذكائِنا بكل غرورٍ وعجب وصلف، أما أن نسأل اللهَ العونَ والتوفيق، ونلحَ عليه بالدعاء، ونحرِصِ على دوام الصلة باللهِ في كلِ الأشياء، وفي الشدةِ والرخاء، فهذا أخرُ ما يفكرُ به بعض الناس ونحن اولا واخيرا مفتقرون الى الله قال الله تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر:15]..

القران يحدثنا عن الشكوى لله ونتائجها.

1-      شكوى المريض : فهذا أيوب - عليه السلام - يشكو حاله إلى ربه، فيقول: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83]؛ فسَمِع الله شكواه، واستجاب دعاه، وكشف بلواه: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 84].

2-      شكوى الفقير : خرج موسى من بلده هارباً، حافياً، طريداً، خائفاً، ليصل جائعاً، متعباً، منهكاً، ويقوم بالمعروف كماقال الله تعالى : {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }،(سورة القصص : 23-24-25 ))

3-      شكوى من فقد ولده: هذا نبي الله يعقوب عليه السلام يفقد أصلح أولاده، وأمثل أولاده، والذي كان يُعده من بعده، ويخصه لما يجد من شدة الإقبال منه والاعتناء والرغبة، يوسف ثم من بعده أخاه الأصغر أيضاً يفقده، اشتد الحزن، عظم البلاء، طالت المدة، ولكنه لم ييأس ولا يزال يدعو ويدعو فيلومه بعض أهله على إضراره بنفسه فيقول: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ سورة يوسف:86، لا أشتكي إليكم وليس عندكم، إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ، ذهب الولد الأول ثم ذهب الولد الثاني، واختفيا، واشتد الأمر وعظم ومن الذي تمالأ عليه؟ أقرب الناس إليه أولاده الآخرون، أليس هذا موجعاً؟ ثم يذهب البصر ويفقد الحبيبتين، قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ سورة يوسف:86،فرد الله عليه يوسف وأخاه والمُلك والإكرامادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ*وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ سورة يوسف:99-100

4-      شكوى من لم ياته ولد: وَهَذَا زَكَرِيَّا - عَلَيهِ السَّلامُ - يَتَقَدَّمُ بِهِ العُمُرُ وَيَكبُرُ وَيَشتَدُّ ضَعفُهُ، وَتَهِنُ عِظَامُهُ وَيَشِيبُ رَأسَهُ ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: 4 - 6] وَيَرفَعُ الشَّكوَى إِلى اللهِ وَيُكَرِّرُهَا ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ [الأنبياء: 89، 90]

5-      شكوى من نزل به ضيق لا يفرجها الا الله : هذا يونس - عليه السلام - ينادي ربه ويُنَاجِيه، ويشكو إليه حاله، فينادي ﴿ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]؛ فسمع الله شكواه، واستجاب دعاه، وكشف بلواه: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88].

6-      شكوى المراءة خلافها مع زوجها الى الله : وهذه امرأةٌ ضعيفةٌ تشكو زوجها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمع الله شكواها، ويحل مشكلتها بآيات تتلى إلى يوم القيامة: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [المجادلة: 1]

7-      شكوى المهموم : شكوى المهموم : هذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذهب إلى أهل الطائف، فرد اهل الطائف ردا  سيء وسبوه وشتموه وآذوه وطردوه وأخرجوه فلم يكونوا أحسن حالاً من أهل مكة، ذهب صلى الله عليه وسلم  يخفق برأسه من الهم ويسير على غير هدىً في الطريق، حتى وصل إلى قرن الثعالب موضع بعيد خارج مكة ، من الهم والغم الذي ركبه، فما نصره من يتمكن من نصرته لتبيلغ الدين ولا آووه، جاء في رواية الطبراني في الكبير (181) قوله ﷺ: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك .

الشكوى للناس ومذلتها :

ايها المسلمون :هناك ظاهرة منتشرة بكثرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مِن فيس بوك.. وتويتر.. ومنتديات.. وغيرها، بل وعلى أرض الواقع، وأقصد بذلك ظاهرة شكوى النَّاس عَلَى بعضهمُ البَعض والتي تفاقمت بصورة كبيرة جدا في الآونة الأخيرة كما لا يخفى على أحد منكم، فهَذا يشكو شَظَفَ المعيشة، وهذا يشكو مَرَضه، وهَذا يشكو بُعدَ أولاده عنه، وآخر يشكو عَدَم تفهُّم وَالديه له أو أحدهما، وهذه تَشْكو عُنوسَتها وتأخُّرَها عن الزَّواج، وهذا يشكو فَقْدَ الحبيب والقريب، وآخر يشكو مشاكله في مقرّ عَمله، وأخرى تشكو أحزانها وماضيها المؤلم، وهكذا شكاوى تلو الأخرى.

قال الأحنف:

"شكوتُ إلى عمي في بطني فنهرني، ثم قال: يا بن أخي لا تشكُ إلى أحدٍ ما نزل بك، فإنما الناس رجلان، صديق تسوءه بهذه الشكوى وتؤلمه، وعدو تسره

لكن ينبغي ان يعلم أن الإنسان إذا طلب من المخلوق ما يقدر عليه؛ فلا يلح، ولا يلحف، ويكفي أن يفهم ذلك الشخص الموضوع، ثم يكون الإلحاح على الله؛ لأن الإلحاح على المخلوق مذلة، وإيذاء لهم، وذلة للسائل، فالإلحاح والإلحاف إيذاء للمسئولين، وكذلك ذلة للسائل.

وعلى هذا فأن سؤال المخلوقين لا يخرج عن ثلاث :

أولاً: أن سؤال المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله شرك.

ثانياً: أن البلاء إذا كان بالعبد ولا يملك العبيد الآخرون له شيئاً فالشكوى إلى العبيد في هذه الحالة هي شكوى الرحيم إلى الذي لا يرحم.

ثالثاً: إذا كان الإخبار عن الحال لمن يمكن أن يساعدك في إزالة ضرر، أو حل مشكلة نفسية، أو مادية على نحو ليس فيه تسخط على القدر، ولا جزع من المكتوب، فلا بأس بذلك.

كيف نشكوا حاجتنا الى لله  :

1-      اطرح حاجتك بين يدي الله : أول من تشكو إليه، وأول من تلجأ إليه إذا نزلت فاقة أو مصيبة؟ هو الله عز وجل، ثم تستعين من المخلوقين بمن يقدر وأنت لا زلت متوكلاً على ربك، وهذا أيضاً من الفروق العظيمة: فتلجأ أولاً إلى الله عز وجل، قبل أن تلجأ إلى المخلوقين، والمخلوق ما هو إلا سبب يسخره الله فيأتيك بالفرج على يديه، وقد يأتي بالفرج بلا سبب، ألم يرزق مريم في محرابها الطعام بلا مخلوق؟! كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ سورة آل عمران:37

2-      ارضى بما قسمه الله لك : فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) [رواه أحمد والترمذي]، فالكثير من يجتهد في حياته الدنيا بحثًا عن الرزق، ولكن قدر الله له الفقر المادي، لكن رضاه بما قسم له يجعل له مقامًا كبيرًا عند الله!

3-      اصبر على ما اصابك ولا تجزع : البـــلاء يُبلغك المنازل العلا .. برفقة النبي محمد ، فالعبد تكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه إياها .. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله "إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها" [رواه أبو يعلى وابن حبان وقال الألباني: حسن صحيح، صحيح الترغيب والترهيب] ..

كان شُريح يقول "إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني" [سير أعلام النبلاء)] ..

 

 

المساجد ودورها الريادي في حياة الامة

الحمد لله الذي هدانا للإسلام ورضيه لنا ديناً، ووفقنا لعبادته وطاعته، ونسأله أن يزيدنا يقيناً، ونشكره على نعمه التي أعطنا إياها حيناً فحيناً، ومن نعمه, ومحاسن دينه, هذه الاجتماعات الإسلامية, في مساجده التي أمر برفعها, وتعميرها ظاهراً ودينا، ويؤدي فيها أفضل شعيرة من شعائر ديننا، وأ

تقلبات الدنيا بأصحابها

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مكور الليل على النهار، تذكرة لأولي القلوب والأبصار، وتبصرة لذوي الألباب والاعتبار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه، فزهدهم في هذه الدار، وشغلهم بمراقبته وإدامة الأفكار، وملازمة الاتعاظ والادكار، ووفقهم للدأب في طاعته، والتأهب لدار القرار، والحذ

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع