الرفق واللين يا دعاة الحق المبين

التاريخ: الأربعاء 7 اغسطس 2019 الساعة 04:36:33 مساءً

كلمات دلالية :

الرفق
الرفق واللين يا دعاة الحق المبين

لمّا كانت القلوب تميل إلى من يلين ويرفق بها، والدعوة في حقيقتها هي استمالة الناس إلى الدين كان هذا الخلق من الأخلاق التي لا غنى للداعية عنها، وقديماً قالوا: "ليكن وجهك بسطاً، وكلمتك لينة تكن أحب إلى الناس ممن يعطيهم عطاءً"، وهكذا فإن الطبائع البشرية تنفر من الفظ الغليظ ولو كان خير خلق الله تعالى -صلى الله عليه وسلم- كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك﴾ [آ عمران:59].

 

واللين في اللغة: هو ضد الخشونة، قال ابن الجوزي في معنى قوله تعالى "لنت لهم" لان جانبك وحسن خلقك وكثر احتمالك.

 

أما الرفق: فهو لين الجانب والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف.

 

والقرآن الكريم والسنة المطهرة يحفلان بكثير من النصوص التي تبين ضرورة تحلي الداعية بالرفق واللين، ومن ذلك أمره تعالى لموسى وهارون -عليهما السلام- بإلانة القول لفرعون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:44]، وفي هذا الصدد يقول القرطبي في تفسيره: "فإذا كان موسى -عليه السلام- أُمر بأن يقول لفرعون قولاً ليناً فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه"، ويقول القاضي أبو السعود في تفسيره: "فإن تليين القول مما يكسر عناد العتاة ويلين عريكة الطغاة"، ويقول يزيد الرقاشي يناجي ربه:

 

يا من يَتَحَبَّبُ إلى من يعاديه

 

فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟

 

أي أن الله تعالى يتحبب إلى عدوه فرعون ويطالب رسوليه بمخاطبته بالقول اللين رجاء أن يتخلى عن كفره وحاصل القول أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين سهل رفيق ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، وهذا كقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل:125]، قال العلامة الألوسي في تفسيره: (بالتي هي أحسن) أي بالخصلة التي هي أحسن كمقابلة الخشونة باللين، والغضب بالكظم، والمشاغبة بالنصح، والثورة بالأناة".

 

 ويقول العلامة محمد رشيد رضا في "المنار" تعليقاً على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك﴾ [آل عمران:59]، "لأنهما -الفظاظة والغلظة- من الأخلاق المنفرة للناس لا يصبرون على معاشرة صاحبهما وإن كثرت فضائله ورُجيت فواضله بل يتفرقون ويذهبون من حوله، ويتركونه وشأنه لا يبالون ما يفوتهم من منافع الإقبال عليه، والتحلق حواليه، وإذاً لفاتتهم هدايتك، ولم تبلغ قلوبهم دعوتك".

 

ووجود الرفق في الدعوة مما يزينها، فتصير أبلغ في استمالة القلوب، وحصول المقصود، وفقدانه فيها مما يشينها، وقد أخرج مسلم في صحيحه قوله -صلى الله عليه وسلم-: »إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يُنزعُ من شيء إلا شانه« [رواه مسلم].

 

وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن رفق بأمته، فقد أخرج أحمد في المسند أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: »اللهم من رفق بأمتي فرفق به ومن شق عليهم فشقق عليه« [رواه أحمد]، فيا أخي الداعية احرص أن تكون رفيقاً في دعوتك ليناً سهلاً في كلامك ومعاملتك حتى تحظى بدعوة نبيك -صلى الله عليه وسلم-، واعلم أن الرفق واللين من علامة الخير في المسلم، فقد روى الإمام البزار في مسنده من حديث جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: »إذا أراد الله بقوم خيراً أدخل عليه الرفق« [رواه البزار]، كما بشّر -صلى الله عليه وسلم- أن الله تعالى يعين على الرفق ما لا يعين عل العنف فقد روى الإمام الطبراني عن خالد بن معدان عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: »إن الله رفيق يحب الرفق ويرضاه، ويعين عليه ما لا يعين على العنف« [رواه الطبراني].

 

وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف ففي حديث الإمام ممسلم عن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لها: »يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي عل العنف« [رواه مسلم]، وقد بلغ تميزه -صلى الله عليه وسلم- بهذه الصفات والتحلي بها حتى جاء ذكرها في التوراة كصفات بارة له -صلى الله عليه وسلم- فقد أخرج البخاري »عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي التَّوْرَاةِ قَالَ أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِر« [رواه البخاري].

 

ومما ينبغي التنويه إليه هنا: أننا لا نريد من الحديث من ضرورة تحلي الداعية بالرفق واللين والرحمة، أن يكون "مداهناً" حيث يلقى الفاسق المعلن لفسقه فسكت عنه ولا ينكر عليه وهذا الذي أراده المشركون من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما حكى القرآن الكريم: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:9]، فهذا الشكل من أشكال المعاملة محرم شرعاً.

 

فالمطلوب من الداعية أن تكون دعوته لينة سهلة بعيدة عن العنف والخشونة والقسوة والشدة الجفاء، أو بعبارة أخرى أن تكون عنده "مداراة"، والمداراة كما يقول العلامة العيني: "هي الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي واللطف به حتى يردّه عما هو عليه "، وهي صفة مرغوبة وممدوحة في الشرع، هذا وقد بين بعض المحدثين -جزاهم الله خيراً- الفرق بين المداراة والمداهنة، ومن أولئك العلامة ابن بطال حيث قال: "المداراة من أخلاق المؤمنين وهي: "خفض الجناح للناس، ولين الكلمة، وترك الإغلاظ لهم في القول"، وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرمة، وهي كما فسرها بعض العلماء: "معاشرة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه".

 

والمداراة: "هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولاسيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك".

 

ولا يُفهم مما سبق أن الدعوة بالرفق واللين هي الصورة الوحيدة للدعوة، بل هناك أحوال يُعدلُ فيها إلى الشدة والغلظة، فإذا انتهكت حرمات الله، وآن وقت إقامة الحدود، أو ظهر عناد واستخفاف بالدعوة ففي تلك الأحوال يُلجا إلى الشدة والقسوة، وغالباً ما يخضع هذا الأمر لقاعدة المصالح والمفاسد.

الداعية بين اللين والشدة

على الداعية إلى الله أن يعرف بوضوح أن رسالته التي يحملها إلى الناس، هي رسالة رحمة، كما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]، وحين يستوعب الداعية ذلك، يتعمق في نفسه الإحساس بالتيسير على الناس والرفق بهم، فالله

غربة سادس أركان الإسلام في مجتمعاتنا

نعم... من العلماء من اعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سادس أركان دين الله الخاتم أهمية , نظرا لمكانة هذه الشعيرة العظيمة في الإسلام , ويكفي أن الله تعالى جعل خيرية هذه الأمة منوط بتحققها بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَ

الداعية وخدمة الناس

الداعية لا يستقيم له حال، أو تنجح له دعوة إذا كان بمعزلٍ عن المجتمع، وإذا كان الإنسان مدنيًّا بالطبع - أي: لا بدَّ له من الاجتماع - فإن الداعية يجب أن يكون ألصقَ الناس بهذه الطبيعة، يغشى الناسَ ويخالطهم، ويصبر على ما يكون منهم. وتتعدد أساليب الدعوة إلى الله، وتختلف باختلاف الم