خطبة الأضحى 1440 ( دروس اليقين والرضا)

خاص عيون نت

التاريخ: الإثنين 5 اغسطس 2019 الساعة 04:35:23 مساءً

كلمات دلالية :

الاضحى
خطبة الأضحى 1440  ( دروس اليقين والرضا)

( دروس اليقين والرضا والتسليم من سيرة الخليل ابراهيم)

 (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً)                                    

  الله أكبر ، الله أكبر ، الله أكبر.. 7 مرات

(وبعد الحمد والثناء على الله والصلاة على النبي وآله)

لله الحمد الذي جعل التكبير، شعار الإسلام الخالد، حاملاً لكل معاني الايمان والتوحيد.

فالتكبيز، زينة مواسم الطاعات والأعياد. 

والنكبير، لرفع رايات الجهــاد والاستشهاد.

والنكبير، في الأذان و الإقامة والسجود.

وعلى الجنائز والذبائح وفي إذن كل مولود.

  فالله أكبر من كل كبير{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ  وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }.

  لله الحمد بهذا اليوم الاغر الابهى، يوم عيد الاضحى، ونحن مقبلون على الله، بالذكر والصلاة، في رجاء وابتهال، عازمين على نحر الاضاحي ايمانا واحتسابا كما امِرنا: { فصلّ لربك وانحر}. ذلك من فضائل هذا الدين القيم الذي يجمعنا على رب واحد لا شريك له، وكتاب واحد لا مثيل له، ورسول خاتم لا نبي بعده، وقبلة واحدة، وشعار واحد خالد " لا اله الا الله محمد رسول الله ". 

  فهنيئا لمن اغتنموا أيام العشر الفاضلة بالاحسان في الطاعات وفعل الخيرات، مبتغين عند الرحمن ثواب الرضا والرضوان، كما اخبر النبي عليه الصلاة والسلام :(ما من أيام العمل الصالح فيها أحب الى الله من هذه الأيام العشر، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله، قال : ولا الجهاد في سبيل الله، الا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء )(احمد). أيام عظيمة القدر والفضل والبركات، عميقة المقاصد والدلالات، يعيشها المسلمون بأعمق معاني العبودية والشكر لربهم خاضعين خاشعين: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام 162).

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر .... ولله الحمد .

  لله الحمد  على نعمة الاسلام، الدين الحق الذي لا مثيل له ولا بديل، في تمامه وكماله وجماله، على الوسطية والاعتدال، واليسر، الذي لا احراج فيه ولا غلو ولا تعقيد؛ وله التجسيد الواقعي الملموس في القدوات الخيّرة للانبياء والمرسلين، الذين اصطفاهم الله للدعوة والتبليغ والتربية والتعليم ، وجعلهم ائمة للناس في الايمان والتوحيد والعبادة وكريم الاخلاق:  { لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يوسف111). الى ان بلغت القدوة تمامها وكمالها مع النبي الخاتم، عليه الصلاة والسلام، وهو المبعوثِ رحمة للعالمين، والامام الاعظم والأسوة الامثل والأكمل في الاستقامة على الدين والتحلي بخصاله وفضائله، اعتقادا وعبادة وخلقا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً } (الاحزاب21).

   لكن رسالته ومنهاج دعوته عليه الصلاة والسلام، انما قامت على إحياء ملة ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، كما أمره الله تعالى بالتأسي به واتباع ملّته: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}، بل هو أمر للمسلمين اجمعين، الذين كان الفضل للخليل في تسميتهم "المسلمين" { ملةَ ابيكُمُ ابراهيمَ، هو سمّاكُم المُسلمينَ من قبلُ..}.                                            

    وفي أجواء هذا اليوم الاغر، وهو ختام مسك لأيام العشر المباركة، التي تذكرنا مناسكها بأبي الأنبياء ابراهيم رمزِ التوحيد والحنيفية السمحة، نغتنم المناسبة الحميدة للوقوف على بعض الملامح الطيبة من سيرته وجهاده في إقامة الدين على عقيدة التوحيد وخالص العبودية والعبادة للمولى تعالى، ملتمسين ما فيها من دروس وعبر وعِظات، عسى ان تحرك هممنا وعزائمنا لأصلاح علاقتنا بالله تعالى،  في هذا العصر الذي ساد فيه الالحاد والفساد، والبدع والضلالات، واشكال العبودية لغير الله، باسم الولاء لأوثان المال والمناصب والمذاهب والملاهي. وعسى ان نعود الى ربنا بصدق الايمان وصفاء التوحيد، وخالص العبادة له وحده. فتدبّروا معي ـ ايها المؤمنون والمؤمنات ـ معالم من سيرة ابراهيم الخليل، الذي كانت حياته حافلة بالأحداث العظام والابتلاءات والتضحيات الجسام، وكلها تنطق بعمق الايمان وقوة اليقين ومنتهى الرضا والتسليم لرب العالمين.

   هذا النبي ابراهيم الذي اتخذه الله خليلا، وجعل ملته أصلا ومنهجا للدين كله بعده، وأوصى نبيه الخاتم عليه الصلاة والسلام باتباعه والاقتداء به فقال: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }(الانعام 161). {ومنْ أحسنُ دِيناً مِمنْ أسلمَ وجهَهُ لله وهو مِحسنٌ واتّبعَ ملةَ ابراهيمَ حَنيفا، واتخذَ اللهُ ابراهيمَ خَليلاً } (النساء 125).

ولقد وقفنا في خطب أعياد الاضحى السابقة على دروس من سيرة ابراهيم الخليل في جهاده وتضحياته، وابتلاءاته الشديدة وثباته، وطاعته المطلقة لربه، كما وقفنا على دَور المسجد ومركزيتة، والصلاة ومكانتها في الدين، والاسرة المسلمة ورسالتها الايمانية التربوية.  وكيف كان ابراهيم في سيرته ودعوته على الصدق والثبات واليقين، في الوفاء بعهد الله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} النجم/37، حتى صار بذلك اماما يقتدى به في جميع احواله وافعاله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/124.

  الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر .... ولله الحمد .

   لقد أثنى الله على خليله ابراهيم ثناء حسنا  في آيات كثيرة، ثم خصّه باكمل توصيف وثناء في آيات ثلات جامعة لخصاله الايمانية الحميدة التي "اجْتَبَاهُ" الله فيها واكرمه بخلته وجعله من صفوة خلقه. وهي الخصال التي ستتجسد بكمالها وجمالها في النبي الخاتم، محمد عليه الصلاة والسلام، سيرا على نهج الخليل وملته. دلك قوله تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } (النحل 120ـ 122).

  آيـات بيّنـات لنا فيها إسوة حسنة بالوقوف على مقومات البناء الايماني للانسان المسلم، ونحن احوج اليها لتصحيح ايماننا، اعتقادا وعملا، وتقوية علاقتنا بالله جل وعلا، على الصدق واليقين، كما تتجلى في الخصال الابراهيمية التالية.. فاعتبروا يا اولي الالباب:

ـ الخَصلة الأُولـى: أنَّ ابراهيم  "كَانَ أُمَـّة ": أي جامِعًا لصفات الخير، داعيًا إليها، وقدوةً كاملة فيها لمن بعده، حتى إنه يقوم وحده مقام أمة، بما حباه الله من المواهب المتفرقة في أمة بأكملها.

 ـ الخصلة الثَّانيـة:  أنه كان "قَانِتـاً لِلّهِ " أي مطيعا لربه بعمبق الايمان وتمام الخشوع والخضوع، راضيا مستسلما، ملازما لما يقرِّبه منه في سائر أفعاله وأحواله.

 ـ الخصلة الثَّالثـة:  أنَّه كان " حَنِيفـاً  "أي مقبلا على الله بخالص التوحيد والتوكل، وصادق العبودية والعبادة وصالح الطاعات والقربات، منقطعا في كل ذلك لربه في السراء والضراء .

ـ الخصلة الرَّابعة : أنَّه {لم يكُ من المشركين}: كان موحدا لا يشرك بالله شيئا، لا في الاعتقاد ولا في الأقوال والأفعال، بل جادل قومه في شركهم ومعبوداتهم بالحجة والبرهان، ودعاهم الى توحيد الله ثم تبرَّأ منهم.

ـ الخصلة الخامسة: انه كان "شاكرا لأنعم الله"، شكر إعتراف وتقدير لفضل الله عليه بوافر النعم، واعظمها نِعم الاصطفاء والخُلة والهداية والعناية والذرية الصالحة، ومعية العناية والتوفيق في كل مواقفه ومواجهاته وابتلاءاته. 

انها خصال الايمان التي تحلى بها ابراهيم الخليل وعمل بمقتضاها وجاهد من اجلها، وحاج قومه فيها، وعاش بها ولها على محبة خالصة لله، وتعظيم وتسليم، وانقياد، واستعداد للتضحية والفداء ولو بالنفس والولـد..

 فانظروا كيف تجسدت كل تلك الخصال مجملة في قوله:{قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (الشعراء 75 ـ 83 ) 

        الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر .... ولله الحمد .

    ايها الاخوة الكرام، لنا ان نتساءل كيف استحق ابراهيم عند الله هذه المكانة، ونال فيها العناية الالهية في اشد المواقف والابتلاءات. ذلك لانه كان مع الله على الصدق والاخلاص في اركان ثلاثة : الحرضُ على التوحيد الخالص والبراءة من الشرك، ( والشرك ظلم عظيم)، والتزامُ الصلاة وحثُ اهله عليها، والاكثار من الدعاء، له ولاهله وذريته من بعده، حتى نالت دعواته حيزا كبيرا في سيرته ومواقفه، وتجلت فيها اهتماماته الدينية، الحاضرة والمستقبلية.

  تلك الاركان الايمانية التي تجسد اعظم حقوق الله على العباد، وأكبر الامانات، واوثق العرَى والصِلات. وهي التي أضاعها أكثر المسلمين، بالوقوع في ظواهر الشرك الاكبر والأصغر، وإضاعة الصلاة، وصرف التوكل والدعاء لغير الله:{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً}(مريم 59).وتلك الاركان التي مافتئ الخليل يلح عليها في دعواته، كما في هذا الدعاء الجامع:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ }ابراهيم.

ولقد اختبره الله في كل محبوبات النفس الانسانية، فاخلص له بمنتهى الرضا والانقياد، ولم تغلبه شهوة حب الحياة والنجاة، حتى في أشد البلاء:

 ـ فحين حطم اصنام القوم واقام عليهم الحجة، وألقوه في النبران، ما ضعف ولا استكان، بل كان اقوى يقينا بمعية الله وهو يردد" حسبي الله ونعم الوكيل" فكان الفرج المعجز الباهر: { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيم، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ}  (الأنبياء 60ـ70). 

  ـ وحين أتاه أشد البلاء في المنام، ان بذبح لله ابنه البكرَ اسماعيل قربانا، كانت الاستجابة منهما بمطلق الطاعة والتسليم،حتى اذا  بلغ العزم على التنفيذ مَداه، ولم يبق الا ان يراق الدم من الوريد، جاء الجزاء والفداء من الحليم الكريم بذبح عظيم.، كذلك الوصف القرآني المبين لهذا المشهد المثير:

{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ }{الصافات 99ـ 104}.

  ذلك برهان الايمان والطاعة والانقياد، وشاهد الاستجابة والتسليم لرب العباد. فهلا اقتدينا بالخليل طائعين لله على الرضا واليقين، كما أمِرنا: { ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الاحزاب 36). ففلنجعل حياتنا كلها لله خاشعين، موقنين بمعيته للمؤمنين: { إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا  وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} (النحل128). 

 

الخطبـة الثانيـة

الله أكبر الله أكبر الله أكبر .... ولله الحمد،

لله الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا، دائما بدوام عزته وجلال وجهه، وعظيم سلطانه ومجده..

   ايها المؤمنون، إذا كان الخليل إبراهيم قد اسنجق أن يكون أمـة وحده، في الايمان والتوحيد والجهاد والتضحيات، ونال الرضا والثناء الجميل والمقام الجليل، فلأنه أدى الامانة ووفّى في العمل بجميع الاوامر والنواهي، وبلّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للأنبياء من بعده ولأهل الايمان أجمعين إماما يقتدى به :{ وإذْ ابْتلَى إبْراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمّهنّ قالَ إنّي جاعِلُك للناسِ إمامـاً }.           

   فهيا نقتبس من سيرته بعضَ مواقف الطاعة والرضا والصبر واليقين، والتسليم لرب العالمين، ففيها شواهد حقيقة الايمان ومنهاج بناء الشخصية الايمانية التي نفتقدها اليوم..                               -  فلأن ابراهيم كان يقدم رضا الله على أهواء النفس، ويستجيب لأمره على كل حال، فقد نال معيته وعنايته وحمايته في اشد الابتلاءات .

  -  وحين ترك وطنه في العراق تلبية لأمر ربه وحباً في نشر دينه، أبدله الله أرضاً خيراً منها، بفلسطين: {ونجيناهُ و لُوطاً الى الأرضِ التي باركْنا فيها للعالمينَ}( الأنبياء 71).

  -  وحين ألحّ في الدعاء يسأل الذرية الصالحة، واثقا من قدرة الله وإحسانه، وهبه على الكبر اسماعيل ثم اسحاق، وجعل في ذريتهما النبوءة والكتاب، وكان من الشاكرين: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ }(ابراهيم 39).

  - ولما رضي بحكم الله صابرا، وترك ابنه الرضيع و أمه في الارض الحرام، بواد غير ذي زرع، وسأل الله لهما ولذريته العناية والهداية، كان خيرا له وللموحدين بعده، فاصبحت الأرض الخلاء، بدعوته المباركة، أشرف البقاع، وموطنا لدعوة النبي الخاتم  المبعوث رحمة للعالمين:

{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } البفرة 129).

  ـ  ولأن الخير كله في العمل بأوامر الله، وإن اوحى ظاهرها بالهلاك : { فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }، كذلك كانت ابتلاءات الخليل، رغم شدتها، خيرا وبركة عليه وعلى آله وذريته من بعده الى قيام الساعة.

   ومن جميل الثمرات لصدق الطاعة والتسليم، أنّ فداء الله لآل ابراهيم " بذِبح عظيم " كان رحمة منه سبحانه ولطفا بأمة الاسلام أن كانت مناسك الهدي والاضحية من بهيمة الانعام، لا من الابناء: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } (الحج 34).

  فلنفقه دروس سيرة ابراهيم الخليل، وهي كثيرة، ولنحمد الله الذي جعلنا على ملته، وأكرمنا من ذريته بمحمد خاتم المرسلين، وجعلنا أولى الناس بابراهيم من كل الذين يدّعون الانتساب اليه من اهل الكتاب، وهم على غير ملته: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيءُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ }(آل عمران 68).

       الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر .... ولله الحمد.

     لله الحمد على فضله العظيم أن جعلنا من أمة محمد النبي الامين، وعلى ملة الخليل ابراهيم عليهما ازكى الصلاة والتسليم. وها نحن على سنتهما الحميدة، بمناسك العيد في فضلها وثوابها العظيم.

   فلنقرّب أضحياتنا لله مخلصين، ولنعظّم فيها شعائره شاكرين، فانها منسك توحيد وطاعة، وشكر وعبادة، ولنكن من أهل الأحسان، فان الله يحب المحسنين. وقد قال الصادق الأمين: (ان الله تعالى كتب الاحسان على كل شئ، فاذا قتلتم فأحسنوا القِتلة واذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة، وليحدَّ أحدُكم شفرتَه وليُرِح ذبيحتَه ) مسلم.   فاذا ذكيتم فاعملوا فيها بامر الله طائعين محتسبين:{ فاذا وجبت جنوبها، فكلوا منها وأطعموا القانعَ والمعتر، كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون، لن ينالَ اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم، وبشّر المحسنين}.

    أيها المؤمنون، اهنأوا بعيدكم، وافرحوا بفضل ربكم حامدين فذلك الفرح المحمود { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. واذكروا نعمة الله عليكم بالإيمان وأخوة الإسلام، {فإنما المؤمنون إخوة}، وارعوا بينكم مشاعر هذه الأخوة بالمحبة المتبادلة والتعاون والتآزر، والتراحم والتزاور، فإنه " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". واجعلوا يوم العيد منطلقا لتمتين العلاقات وتقوية الصلات والتنافس في الخيرات واجتناب المنكرات. ولا تنسوا إخواناً لنا في بلدان إسلامية كثيرة، لا يعيشون فرحة العيد مثلنا بما يعانون من ويلات الحروب والكروب، وما ينالهم من الوان الظلم والعدوان، يقتّلون ويشردون،  ونحن في سلام وأمان منعّمون. فلنسأل الله تعالى لهم الفرج القريب والنصر على الظالمين، وألا يؤاخذنا بما قصرنا في واجب نصرتهم وإعانتهم، إنه تعالى حليم كريم.   

     ( والختم بالدعاء للمسلمين اجمعين بالصحوة والوحدة والاتحاد، ولأئمتهم بالتوفيق لخير الدين والبلاد والعباد..)                     

 

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ

الحمد لله رب العالمين, لايسأم من كثرة السؤال والطلب ,سبحانه إذا سُئل أعطى وأجاب ,وإذا لم يسأل غضب ,يعطى الدنيا لمن يحب ومن لا يحب, ولا يعطى الدين إلا لمن أحب ورغب, من رضي بالقليل أعطاه الكثير ,ومن سخط فالحرمان قد وجب , ومن ركن إلى غيره ذل وهان ,ومن اعتز به ظهر وغلب , نحمده تبارك

عيد الأضحى 1440 هـ .. رسالة الإسلام .. رسالة حياة

عيد الأضحى 1440 هـ .. رسالة الإسلام .. رسالة حياة عناصر الخطبة : 1/ عيد الأضحى المبارك من أيام الله العظيمة. 2/ رسالة الاسلام رسالة حياة وبناء. 3/ تعظيم شأن الدماء في الإسلام. 4/ جرم الاعتداء على المسلمين. 5/ تأملات في أحوال الأمة اليوم. 6/ المسلم من سلم الناس من لسانه ويد

الحج مقاصد وفضائل

الحمدُ لله، شرع الحجَّ لعباده رحمةً بهم وإسعادًا، نحمده تعالى ونشكره جعل المناسكَ مورِدًا للحسنات ومنهلاً وازديادًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له شهادةَ من لاذ به خضوعًا لعظمتِه وانقيادًا، وأمّله لبلوغ ذُرى العلياء توفيقًا وسدادًا، وأشهد أنّ نبيّنا وسيّدنا محمّدًا عب