ما زال للخير بقية

التاريخ: الثلاثاء 18 يونيو 2019 الساعة 07:21:45 مساءً
ما زال للخير بقية

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله، وصفوته من خلقه صلى الله عليه، وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حقَّ التقوى، واعلموا أن أجسادكم على النار لا تَقوى، واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذَّ في النار.

عباد الله، فلنقارن بين حالنا في رمضان وحالنا بعد رمضان؛ كنا في صلاة وقيام وتلاوة وصيام، وذكر ودعاء، وصدقة وإحسان، وصلة أرحام، ذاق بعضنا حلاوة الإيمان، ولذة الدمعة، وحلاوة المناجاة في الأسحار، وبعضنا كان ينفق نفقة من لا يخشى الفقر، كنا نتقلب في أعمال الخير وأبوابه، حتى قال بعضنا: يا ليتني مت على هذا الحال، يا ليت خاتمتي كانت في رمضان، رحل رمضان ولم يمض على رحيله إلا القليل، ولربما عاد تارك الصلاة لترْكه، وآكِل الربا لأكْله، ومشاهد الفُحش لفُحشه، وشارب الدخان لشُربه، فنحن لا نقول لنكُن كما كنا في رمضان من الاجتهاد، ولكن نقول: لا للانقطاع عن الأعمال الصالحة، فلنحيَ على الصيام، والقيام، والصدقة، ولو القليل، ها نحن ودَّعنا رمضان المبارك، ونهاره الطيب، ولياليه العطرة، ها نحن ودعنا شهر القرآن، والتقوى، والصبر، والجهاد، والرحمة، والمغفرة، والعتق من النار.

فماذا جنينا من ثماره اليانعة وظلاله الوارفة؟ هل تعلَّمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة وعن المعصية؟ هل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها؟ إياكم وترك الطاعات والأعمال الصالحة بعد رمضان.

الحذر الحذر من تضييع الصلوات مع الجماعة، فبعد امتلاء المساجد بالمصلين في صلاة التراويح التي هي سنة؛ نراها قد قل روادها في الصلوات الخمس التي هي فرض.

فمن علامات قبول العمل أن ترى العبد في أحسن حال من حاله السابق، وأن ترى فيه إقبالًا على الطاعة؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]؛ أي: زيادة في الخير الحسي والمعنوي، فيشمل الزيادة في الإيمان والعمل الصالح.

فلو شكر العبد ربَّه حق الشكر، لرأيته يزيد في الخير والطاعة، ويبعد عن المعصية، والشكر ترك المعاصي.

هكذا يجب أن يكون العبد مستمرًّا على طاعة الله، ثابتًا على شرعه، مستقيمًا على دينه، لا يعبد الله في شهر دون شهر، أو في مكان دون آخر، لا، وألف لا، بل يعلم أن رب رمضان هو رب بقية الشهور والأيام؛ قال تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ [هود: 112]، وقال: ﴿ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ [فصلت: 6].

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على عِظَمِ نِعمه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وخليله صلى الله عليه وآله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى.

والآن بعد انتهاء صيام رمضان، فهناك صيام النوافل: (كالست من شوال)، (والاثنين، والخميس)، (وعاشوراء)، (وعرفة)، وغيرها.

وبعد انتهاء قيام رمضان، فقيام الليل مشروع في كل ليلة، وهو سنة مؤكدة حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها بقوله: "عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكم، وقُربة إلى ربكم، وتكفير للسيئات، ومَنهاة عن الإثم، ومَطردة للداء عن الجسد"؛ (رواه الترمذي وغيـره بسند حسن).

وقال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل"؛ (رواه الحاكم وغيره بسند صحيح).

وقد حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل، وقام صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم المغفور له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر حتى تفطَّرت قدماه، فقيل له في ذلك، فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا"؛ (متفق عليه).

فإذا أراد المسلم أن يكون ممن ينال شرف مناجاة الله تعالى، والأنس بذكره في ظلم الليل، فليحذر الذنوب، فإنه لا يوفَّق لقيام الليل من تلطخ بأدران المعاصي، وقيام الليل عبادة تصل القلب بالله تعالى، وسمات النفوس الكبيرة، وقد مدحهم الله وميَّزهم عن غيرهم؛ قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 9].

والآن بعد أن انتهت (زكاة الفطر)، فهناك الزكاة المفروضة، وهناك أبواب للصدقة، والتطوع، وقراءة القرآن وتدبُّره؛ ليست خاصةً برمضان، بل هي في كل وقت، وهكذا، فالأعمال الصالحة في كل وقت وكل زمان.

فاجتهدوا في الطاعات، وإياكم والكسل والفتور، فاللهَ اللهَ في الاستقامة والثبات على الدين في كل حين، فلا تدروا متى يلقاكم ملك الموت؛ فاحذروا أن يأتيكم وأنتم على معصية.

اللهم ارزُقنا حبك، وحبَّ مَن يحبك، وحب عملٍ يُقرب إلى وجهك، اللهم ردَّنا إليك ردًّا جميلًا، ولا تجعل فينا ولا بيننا شقيًّا ولا مَحرومًا، اللهم اجعلنا هداةً مهديين غير ضالين ولا مضلين، اللهم احمِ بلادنا وسائر بلاد الإسلام والمسلمين من الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن. اللهم احفَظ لبلادنا أمنَها وإيمانها واستقرارها. اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وخُذ بناصيته للبر والتقوى، واجعله هاديًا مهديًّا، وأصلح به البلاد والعباد. اللهم ارفع راية السنة، واقمع راية البدعة. اللهم احقِن دماء المسلمين في كل مكان، وولِّ عليهم خيارهم واكفِهم شرَّ شرارهم. اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عِصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعَل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر. اللهم أكثِر أموال من حضروا معنا وأولادهم، وأطِل على الخير أعمارهم، وأدخلهم الجنة. ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه، ومَن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس

الشكوى التي يسمعها الله

الحمد لله الذي يسمع شكوى عباده ونجواهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المحمود على كلّ حال، الخير بيديه، وهو الكبير المتعال، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله، لا خيرَ إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه؛ فهو الناصح الأمين صلى الله وسلَّم وبا