رمضان بين المواصلة والتفريط

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 11 يونيو 2019 الساعة 07:33:16 مساءً
رمضان بين المواصلة والتفريط

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله وكرمه تزداد الحسنات، وتُغفر الزلات، الحمد لله على ما أولى وهدى، والشكر على ما وهب وأعطى، لا إله إلا هو العلي الأعلى، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي المصطفى والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والألباب والنهى.

اهمية العمل بعد رمضان :

ايها المسلمون: أولُ القول حمد  جزيل لله -تعالى- على نعمة رمضان التي أنعم بها علينا فصمنا الشهر كاملاً، نسأل الله -تعالى- أن يتقبل منا ما عملنا فيه من الخير، ويعفو عنا ما تجاوزنا فيه حدوده، فاللهم آمين.

عباد الله: لم يدم رمضان بيننا طويلاً، بل ارتحل عنا سريعاً ومعه أعمالنا؛ صالحها وطالحها شاهداً بها على أهلها لدى خالقنا، فمن أساء فإساءته كبيرة، ومن أحسن فلا يدري أَقُبِلَ منه عمله أم رُدَّ عليه، ولكنا نسأل الله أن يعفو عنا وأن يتقبل منا صالح العمل.

المسلم بين الخوف والرجاء بعد رمضان :

معاشر المسلمين – أن العامل عمل، ولكن العبرة كيف عمل العامل؛ فالله -تعالى- يقول: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك: 2]، وأحسن العمل: أخلصه وأصوبه، كما قال بعض العلماء.

كان بعض الصالحين يقفون على أبواب وداع رمضان ومعالم الحزن على وجوههم بادية، وعلى ألسنتهم ناطقة، مع أنهم كانوا يجتهدون اجتهاداً قد لا نستطيعه. فهمُّهم الأكبر في إتمام العمل وإتقانه، ورجاء قبوله وخشية ردّه.

روي عن عليٍّ -رضي الله عنه- أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: “يا ليت شِعْري مَن هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه؟”، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان يقول: “من هذا المقبول منا فنهنيه، ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟ أيها المقبول، هنيئًا لك، أيها المردود جبر الله مصيبتك“.

وقال علي -رضي الله عنه-: “كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً من العمل، ألم تسمعوا قول الله -عز وجل-: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[المائدة: 27]”.

وقال فضالة بن عبيد: “لأن أكون أعلم أن الله قد تقبَّل مني مثقال حبة من خردل أحب إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)[المائدة: 27]”.

وقال بعضهم: “أدركتهم يجتهدون في العمل فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ أيقبل منهم أم لا؟!”.

ورأى وهب بن الورد قوماً يعبثون حراماً بعد رمضان، فقال: “إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين!”.

الدروس المستفادة من رمضان:

التقوى وتحقيقها:

أما درس  من دروس رمضان والصيام فهو درس التقوى، والتقوى وصية الله للأولين والآخرين من عباده هي: تقواه سبحانه وتعالى، قال عز وجل: "وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [النساء:131].، ومعنى التقوى: تقوى العبد لربه: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وسخطه وقاية تقيه من ذلك بفعل طاعته واجتناب معاصيه. إنه مفهوم عظيم كبير الصائم في رمضان، كان مستشعرا لهذا المعنى أثناء صيامه، فمبدأ التقوى هو السرّ الحقيقي في الصوم، فالله عزّ وجل يقول في محكم التنزيل : " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ".

ينبغي علينا، بل يجب أن نستشعر مفهوم التقوى في جميع مناحي الحياة، في رمضان وبعد رمضان، التقوى يا عباد الله ليست محصورة في أيام أو في عبادات أو معاملات معينة بل التقوى شاملة لحياة المسلم كلها، إن معنى التقوى أي اتقِ عذابه بطاعته، اتقِ سخطه برضوانه، اتقِ الكفر بالإيمان، اتقِ الشرك بالتوحيد، اتقِ إتلاف المال بحسن كسبه، اتقِ سَخَطَ الله عزَّ وجل بحسن إنفاق المال، اتقِ الله في حواسك بأن تجعلها في طاعة الله عزَّ وجل، اتق الله في عينيك العين بأن تَغُضها عن محارم الله اتق الله في أذنيك بأن لا تسمع بها إلا الحق، اتق الله في لسانك بأن أن لاتقول إلا الصدق والحق، وأن تنزهه عن ماحرم الله من الغيبة والنميمة والكذب وغيرها .

التقوى تكون مع نفسك بأن تلزمها الحق وتكفها عن الباطل، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ" [الحديد:28]. التقوى مع أولادك بأنهم تجنبهم مواطن الردى ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) ، التقوى مع غيرك أن تعاملهم بما يرضي الله .

المسلم الذي يتقي ربه، تكون تقوى الله ومراقبته، حاضرة معه في كل مكان، في بيته، وفي عمله، مع نفسه، ومع زوجته، ومع أولاده، ومع زملائه، حينما يكون مع الناس، وعندما يخلو بنفسه لا يراه إلا رب الناس.

درس الإرادة:

أما ثاني الدروس، وهو درس بالأهمية بمكان، وهو درس الإرادة، فالمسلم في رمضان يخالف عاداته ويتحرر من أسرها، ويترك مألوفاته التي هي مما أحل الله لعباده، فتراه ممتنعا عن الطعام والشراب والشهوة في نهار رمضان امتثالا لأوامر الله عز وجل، وهكذا يصبح الصوم عند المسلم مجالا رحبا لتقوية الإرادة الجازمة، فيستعلي على ضرورات الجسد، ويتحمل ضغطها وثقلها إيثارا لما عند الله تعالى من الأجر والثواب .

إن هذا الدرس العظيم يقودنا بأن نعرف حقيقة في النفس البشرية أنها قادرة بعد توفيق الله سبحانه بإرادتها وعزيمتها عن الابتعاد عن الحرام، وعليه فمدرسة رمضان كانت درسا مجانيا لإخواننا المدخنين بأنهم بإمكانهم ترك هذه الآفة الضارة متى ما هم قرروا ذلك وسألوا قبل ذلك وبعده العون من الله سبحانه .

درس المداومة على الطاعة:

الدرس الثالث درس المداومة على الطاعة، فشهر رمضان الكريم موسم تنوع الطاعات، والقربات، فالمسلم في هذه الأيام الفاضلة يتقلب في أنواع من الطاعات والعبادات وهو مع ذلك كله حريص عليها، فإذا كان رب رمضان هو رب جميع الشهور كما نعلم، فحري بالمسلم أن يخرج من مدرسة رمضان بإقبال على الصلاة والخشوع فيها وصلاتها مع جماعة المسلمين، حري بالمسلم أن يجعل من القرآن الكريم منهج حياة له بتلاوته وتدبره، ما أجمل أن يداوم المسلم على قراءة القرآن بعد رمضان، وأن يجعل له ورداً يومياً يقرأه، فيعيش مع القرآن ويكون له بكل حرف حسنة والحسنة بعشر أمثالها .

لقد صلينا في رمضان صلاة التراويح والتهجد، ووجدنا فيها لذة المناجاة وعظم سماع القرآن، فلنجعل من هذه الدروس مثالا لنا بأن نجعل من ساعات الليل نصيبا من صلاتنا وتقربنا إلى الله، ولا يغلبن أحدنا عن صلاة الوتر كل ليلة ففيها الأجر العظيم من الله.

إن من أجلّ حكم الصيام غرس القيم والفضائل والخلق الحسن والاستقامة في نفوس الصائمين، والصوم ليس حرمانا مؤقتا من الطعام والشراب، بل هو خطوة لحرمان النفس من الشهوات المحظورة والنزوات المنكرة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " رواه البخاري لذلك ينبغي على المسلم ان يداوم على الطاعة والاستقامة بعد رمضان يقول المولى -جل شأنه-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:30-33].

عبادات وطاعات بعد شهر البركات:

أحبتي في الله: إذا كان رمضان قد مضى بعباداته وطاعاته من الصيام والقيام والقرآن فإن هذه العبادات مستمرة ودائمة ؛ فبعد انتهاء صيام رمضان …

هناك صيام النوافل : ( كالست من شوال ) , ( والاثنين , والخميس ) , ( وعاشوراء ) , ( وعرفة ) , ( وثلاثة أيام من كل شهر ) ؛ ( وصوم يوم وفطر يوم )؛ وغيرها ؛ وكل هذه الأيام لها فضلها ودليلها من السنة وأنت بذلك خبير !! وإنَّ مِنْ متابعةِ الإحسانِ بعدَ رمضان صيامَ السِّتِّ من شوال، فعَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ”. (مسلم)، ووجهُ ذلك أَنَّ الله يَجزي على الحسنةِ بعشرِ أمثالِهَا، فصيامُ رمضانَ مضاعفًا بعشرةِ شهورٍ، وصيامُ الستِّ بستينَ يومًا، فحصلَ منْ ذلِكُم أجرُ صيام سنةٍ كاملةٍ.

ووقتُها في شوال، وهي مستحبةٌ وغيرُ واجبةٍ، ويصحُّ صَومُهَا متفرقةً في أوَّل الشهر ووسطه وآخره، والأَولى المبادرةُ بالقضاءِ قبلَ صيام الست؛ قال – تعالى -: { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } [طه: 84].

وبعد انتهاء قيام رمضان , فقيام الليل مشروع في كل ليلة : ونبيكم صلى الله عليه وسلم كان دائم القيام طوال العام حتى تورمت قدماه شكراً لله تعالي؛ وقد سئلت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ؟ فَقَالَتْ :” مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً”.(البخاري). والآن بعد أن انتهت ( زكاة الفطر ) : فهناك الزكاة المفروضة , وهناك أبواب للصدقة والتطوع والجهاد كثيرة . وقراءة القرآن وتدبره ليست خاصه برمضان: بل هي في كل وقت .

وهكذا …. فالأعمال الصالحة في كل وقت وكل زمان ….. فاجتهدوا أيها الأحبة في الله في الطاعات …. وإياكم والكسل والفتور .

فالله … الله في الاستقامة والثبات على الدين في كل حين؛ فلا تدروا متى يلقاكم ملك الموت؛ فاحذروا أن يأتيكم وأنتم على معصية .

ولقد كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائماً، ويجعل صيامه شكراً على التوفيق .

هكذا يجب أن يكون العبد … مستمر على طاعة الله , ثابت على شرعه , مستقيم على دينه , لا يراوغ روغان الثعالب , يعبد الله في شهر دون شهر , أو في مكان دون آخر , لا … وألف لا ..!! بل يعلم أن ربّ رمضان هو ربّ بقية الشهور والأيام …. قال تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَك.. } هود: (112) , وقال : { … فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ… }.( فصلت 6 )

نسأل الله أن يثبتنا على طاعته؛ وأن يتقبل منا؛ وأن يجعلنا من الشاكرين الذاكرين الصائمين القائمين على الدوام يا رب العالمين!!

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس

الشكوى التي يسمعها الله

الحمد لله الذي يسمع شكوى عباده ونجواهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المحمود على كلّ حال، الخير بيديه، وهو الكبير المتعال، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله، لا خيرَ إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه؛ فهو الناصح الأمين صلى الله وسلَّم وبا