الشجاعة في الإسلام

التاريخ: الأحد 14 إبريل 2019 الساعة 07:01:56 مساءً

كلمات دلالية :

الشجاعة
الشجاعة في الإسلام

من الصفات الجليلة التي كان يتحلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرف بها واشتهر صفتي الشجاعة والنجدة، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهما بالمكان الذي لا يجهل، وقد حضر المواقف الصعبة، وفر الكماة والأبطال عنه في الحروب، غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد حصلت له فرة، وأخذت عليه غير مرة، سوى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وإذا كان القدوة يدعو إلى صفات مثل هذه كالشجاعة والنجدة، فلابد أن تكون فيه متمثلة، وهاتان الصفتان أساسيتان في القدوة، لأنهما إذا توفرتا فيه، كان قادراً على ترجمة القيم إلى سلوك عملي واقعي، غير عابئ بما يعترضه ويواجهه من صعاب في تأدية مهامه، إن صفتي الشجاعة والنجدة أساسيتان لأي قدوة، لأن الشجاعة عماد الفضائل لأنها إقدام على المكاره والمهالك عند الحاجة إلى ذلك، قد وصف الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه كان أحسن الناس وأشجع الناس, وأجود الناس ولقد ربَّى رسول الله أصحابه على خلق الشجاعة والنجدة، شجاعة في اعتناق الحق والتمسك به وإن خالف أهل الأرض، شجاعة في قول كلمة الحق والجهر به، شجاعة في الثبات والصمود أمام الأهوال والفتن، وشجاعة في ميادين البذل والعطاء، بذل النفوس وبذل الأموال، شجاعة في كافة الميادين حتى سطر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الملاحم والبطولات، مقتدين في كل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليكم نماذج يسيرة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين لنا شجاعته، فحين فر الناس يوم حنين من المعركة بعدما رماهم المشركون بنبالهم وترصدوا لهم وهم رماة، فثبت النبي عليه الصلاة والسلام وأخذ يقاتل ويدعو أصحابه وهو يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» ويتجه نحو العدو فلما رآه الصحابة تجمعوا حوله وتشجعوا وقاتلوا وكان النصر.

 

وقال البراء بن مالك رضي الله عنه وهو من الشجعان العظام كنا والله إذا احمرَّ البأس نتقي بالنبي، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به.

 

وفي غزوة أحد حين كانت الجولة للمشركين وتفرق الصحابة واشتد هجوم المشركين وتكاثروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ملء يده من الحصى ثم رمى به وجوه المشركين، فنكبوا على أعقابهم القهقرى، فعل ذلك مراراً، ثم إن سعد بن أبي وقاص انحاز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يرمي المشركين بسهامه ورسول الله يناوله ويقول له: «إرم سعد فداك أبي وأمي»، سعد يرمي ورسول الله يدعو حتى قيل إن السهام التي رمى بها سعد بلغت يومئذ الف سهم، وكان رسول الله له نقطة لقاء وتجمع ومقاومة للصحابة أمام المشركين، وقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة في عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا، ما وجدت من شيء»، وقال للفرس: «وجدناه بحراً وإنه لبحر»، قال وكان فرسه بطيئاً فيه قطاف يعني مريب الخطوة فما سبق بعد، وهذا من جملة معجزاته صلى الله عليه وسلم كونه ركب فرساً بطيئاً لا يعدو، فعاد بحراً لا يسابق ولا يجارى من شدة سرعته.

 

وروى الإمام أحمد عن على رضي الله عنه قال: "كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه".

 

وقال أيضاً: "لما كنا يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشد الناس بأساً يومئذ، وما كان أحد أقرب من المشركين منه".

 

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "ما رأيت أحداً أنجد ولا أجود، ولا أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: "ما لقي رسول الله كتيبة إلا كان أول من يضرب".

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على الشجاعة والبطولة ويشحذ هممهم ويقوي عزائمهم، ومن ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفاً يوم أحد فقال: «من يأخذ مني هذا؟» فبسطوا أيديهم كل إنسان منهم يقول: أنا أنا - قال: «فمن يأخذه بحقه؟» قال: فأحجم القوم، فقال سماك بن خرشة أبو دجانة: أنا آخذه بحقه - قال -: فأخذه ففلق به هام المشركين.

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرح ويسر بالمواقف البطولية التي تدل على الصدق والشجاعة من الصحابة الكرام رضي الله عنهم, ولقد وعى الزمن وسجل التاريخ تلك المواقف الإيمانية العظيمة التي سطرها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفرت في أفئدة أجيال المسلمين وذاكرتهم، وهم يقتدون بها جيلاً بعد جيل، ومن تلك المواقف العظيمة التي وقفها الصحابة حين استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم في القتال يوم بدر، وكانت تلك الاستشارة بمثابة اختبار لإيمان المسلمين، وصلابة عقيدتهم، ومقدار استعدادهم للقتال والتضحية في سبيل الإسلام، وقد أسفر الامتحان عن نجاح باهر، ودللوا بحق على أنهم أهل لحمل الرسالة المحمدية والجهاد في سبيل تبليغها للناس كافة.

 

استشار النبي أصحابه في القتال فقام أبوبكر الصديق فقال وأحسن الكلام، وقام الفاروق فقال وأحسن الكلام، ثم قام المقداد بن الأسود وهو من حضرموت: فقال: "يا رسول الله امض لما اراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، فقال له رسول الله خيراً ودعا له.

 

ثم قال رسول الله: «أشيروا علي أيها الناس»، وإنما يريد الأنصار لأنهم لما بايعوه ليلة العقبة بايعوه على أن يمنعوه مما يمنعوا منه أبناءهم ونساءهم ما دام بين أظهرهم، ولم تكن المبايعة على قتال خارج المدينة، وإنها لمشورة حقة ممن كان أصدق الناس بالوعود وأوفاهم بالعهود، وأبعدهم عن التوريط والخداع، وقد فطن لهذا السيد الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، فقال: "لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن نلقى عدونا غداً, إنا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ عند اللقاء، لعل الله يريك ما تقر به عينك فسر على بركة الله".

 

فَسُّر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشرق وجهه، ثم بشر القوم بالنصر قائلاً: «سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم».

 

وكيف لا يسر الرسول بهذه المواقف المشرفة التي مبعثها الإيمان الصادق الذي لا يعرف الضعف ولا الاستجداء، والذي ظهرت ثمراته في كلمات طيبة مؤمنة، والتي كشفت عن معدن العرب المسلمين الأصيل، وأبانت الفارق الشاسع ما بين موقف اليهود من نبيهم موسى عليه السلام وموقف المسلمين من نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ألا ما أحوج قادة المسلمين اليوم بالذات إلى أن يعوا هذه المواقف الخالدة, ويقتدوا بها في الوقوف مع الحق والدفاع عنه، وليأخذوا بوصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأسامة بن زيد وهو يودعه للجهاد، قال له: "يا أسامة احرص على الموت توهب لك الحياة".

 

الشجاعة خلق نفسي ينبعث من القلب فيكون ثابتاً قوياً عند المهمات والمخاوف، وجميع البشر يتمادحون بالشجاعة والنجدة والكرم، ويتذامون بالجبن والبخل وقد ذكر الله عزوجل الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدح في أكثر من آية في كتابه، وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل الله السابقين فقال سبحانه: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد:10]، فالشجاعة الممدوحة التي يحبها الله ورسوله إنما هي في طاعته سبحانه وطاعة رسوله، وأعظم ما يوجد الشجاعة ويقويها في النفس هو الإيمان، وقوة التوكل على الله، وكمال الثقة به سبحانه وأن يعلم العبد ويوقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ومما يقوي خلق الشجاعة وينميها في النفس الإكثار من ذكر الله تعالى والثناء على الله، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} [الأنفال:45].

 

ومما يقوي الشجاعة وينميها الصدق والإخلاص لله تعالى وعدم الاكتراث بالخلق، فإن المخلص الذي لا يريد إلا الله وما عنده لا يبالي بلوم اللائمين، إذا كان في ذلك رضى رب العالمين.

 

أيها المؤمنون إننا نحتاج إلى الشجاعة ورباطة الجأش لنعيش أعزة أقوياء بالله تعالى نعبده ونستعين به، ومن صور الشجاعة المطلوبة للمسلمين اليوم الاستمساك بالإسلام والدعوة إليه والاعتزاز به، فإن ذلك هو الرد العملي على تحدي الكفار وطعنهم في ديننا, ومحاولة تشويهه, والنيل منه, فرحم الله امراءً راغمهم وأغاضهم بقوة تمسكه بدينه ومتابعته لرسوله صلى الله عليه وسلم والدعوة إلى سبيله.

 

أما الجبن والخور والذوبان والغثائية فإن تلك الصفات قبيحة لابد من التخلص منها، والضراعة إلى الله أن يزيلها من نفوسنا وقلوبنا، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ بالله من سائر مظاهر الضعف والذلة فقال في دعائه: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن, وأعوذ بك من العجز والكسل, وأعوذ بك من الجبن والبخل, وأعوذ بكل من غلبة الدين وقهر الرجال».

 

وكان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الذلة والقلة».

 

ومن صور الشجاعة التي تحتاجها القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطهير المجتمع من المنكرات المتفشية الفردية والجماعية، فمجتمعات المسلمين اليوم تواجه اختراقات فكرية وعقائدية وأخلاقية، محاولات جبارة تبذل من قبل الكفار والمنافقين لطمس هوية المجتمع وتدمير أخلاقه، عبر منظمات ومؤسسات وعصابات ومافيات هذه وغيرها، العلانية منها والسرية، لابد من مجابهتها ومقاومتها وكشفها والتحذير منها ومطاردتها ووأدها.

 

من الشجاعة التي نحن بحاجة إليها قول الصدق, والجهر بكلمة الحق أمام الظلمة والطغاة والمتكبرين، فإن ذلك من أعظم الجهاد كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وأعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر».

وفي الصلاة على النبي ﷺ زاد

(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) الصلاة على النبي ﷺ هى تكرم لخاتم الأنبياء والمرسلين لتبليغه الرسالة وتأديته لها بأمانة وإحسان وإخلاص، ولعظم مكانته وشئنه ومنزلته عن الله. والص

لذة العطاء

وَمَن ذَا الَّذِي يَجهَلُ أَنَّ أَقرَبَ طَرِيقٍ إِلى ذَلِكَ هُوَ الإِحسَانُ إِلى عِبَادِ اللهِ وَنَفعُهُم رَحمَةً بِهِم وَإِشفَاقًا عَلَيهِم ؟! طَالَ الزَّمانُ أَو قَصُرَ،، وَتَغَيَّرَ الدَّهرُ فَعَبَسَ أَو بَسَرَ،، وَبَخِلَ مَن بَخِلَ رُكُونًا إِلى الدُّنيا وَإِيثارًا لِلحُطَ

التربية الجمالية في الإسلام

بخلاف ما قد يشاع، فإن الإسلام تشعّ في كل جانب من جوانبه قيمةُ الجمال والقيم الجمالية؛ بحيث تبدو لنا التربية الجمالية مطلبًا إسلاميًّا أصيلاً، وليست أمرًا هامشيًّا. وهذه التربية الجمالية في الإسلام ذات امتداد واسع، وأفق أرحب؛ لا تقتصر على الجمال المادي المحسوس- بحسب الشائع لمعن