الحياء

التاريخ: الخميس 11 إبريل 2019 الساعة 09:51:30 مساءً

كلمات دلالية :

الحياء
الحياء

الحياء خلق جميل يمنع صاحبه من ارتكاب النقائص والقبائح والمنكرات، ويدفع المرء إلى التحلي بكل جميل ومحبوب من المكارم والمعالي والقيم والأخلاق.

 

وإذا كان الحياء خلقاً إسلامياً عاماً يطلبه الإسلام من أتباعه، فإن تحلي من كان في مكان القدوة بالحياء أكرم وأوجب.

 

الحياء في حياة النبي صلى الله عليه وسلم:

 

فهيا بنا نعيش لحظات مع هذا الخلق الرفيع في حياة نبينا وحبيبنا وقدوتنا محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه خلقاً وسلوكاً وأمراً وتوجيهاً وترغيباً وتحبيباً للأمة في أن يكون لها حظاً ونصيباً من هذا الخلق، ثم نعرج على واقعنا المعاصر الذي من أبرز ملامحه الإفلاس في عالم الأخلاق والقيم، وانعدام خلق الحياء وتجرد مجتمعات المسلمين والكفار على حد سواء من هذا الخلق إلا ما شاء الله ممن بقي من المؤمنين بالله ورسوله واليوم الآخر متأسين في ذلك بنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم الذي حاز الكمال في كل الصفات والأخلاق الكريمة وكفى بربك شهيداً فقد أثنى الله عليه نبيه في ذلك فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4].

 

ومن أخلاقه صلى الله عليه وسلم خلق الحياء الذي طبعه الله عليه وعرف به أصحابه، ومن حيائه صلى الله عليه وسلم عدم مواجهته أحداً بشيء يكرهه، ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه".

 

فقد رأى صلى الله عليه وسلم على وجه رجل صفرة فقال: «لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة» كان لا يكاد يواجه أحداً في وجهه بشيء يكرهه.

 

وكان صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن رجل شيئاً لم يقل له قلت: كذا وكذا وإنما يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا».

 

ومن حيائه أنه صلى الله عليه وسلم لا يسأل عن شيء إلا أعطى، ومن صور حيائه عليه الصلاة والسلام ما رواه أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما بنى النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش وصُنعت وليمة من خبز ولحم ثم دعي القوم فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون... وبقي ثلاثة نفر ظلوا يتحدثون في بيت النبي وكان النبي شديد الحياء فخرج إلى حجر نسائه الأخريات فلما أخبر أن القوم خرجوا رجع عليه الصلاة والسلام.

 

ولقد كان العرب على عادتهم قبل الإسلام لا يعرفون للبيوت حرمة ولا آداباً، وبعضهم عديم الحياء، ثقيل الظل، غليظ الطبع، يدخل البيوت بدون استئذان، وحين يرى طعاماً يوقد عليه يجلس في انتظاره ليأكل بدون دعوة، وبعضهم يجلس بعد الطعام ويأخذ في الحديث غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج وإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم وإثقال عليه، وكان يستحيي صلى الله عليه وسلم أن ينبههم إلى ثقلة مقامهم عنده حياء منه، ورغبة في ألا يواجه زواره بما يخجلهم، حتى تولى الله جل وعلا توجيه المؤمنين وبين لهم الأحكام والآداب التي ينبغي أن يلتزموا بها فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ...} [الأحزاب:53].

 

أهمية الحياء في حياة المجتمع:

 

إن خلق الحياء من الأخلاق المهمة بل هو من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدراً وأكثرها نفعاً، بل هو من أخص خصائص الإنسان، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق، لم يُقَرَ ويكرم الضيف، ولم يوف بالوعد ولم تؤد الأمانة، ولم تقضى لأحد حاجة، ولا تحرى أحد الجميل فآثره والقبيح فتجنبه، ولولا الحياء لم تستر عورة ولا امتنع من فاحشة، وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئاً من الأمور المفترضة عليه ولم يرع لمخلوق حقاً، ولم يصل له رحماً، ولا بر له والداً، فإن الباعث على هذه الأفعال الجميلة إما ديني، وهو رجاء عاقبتها الحميدة وتعبد الله بها، وإما دنيوي علوي، وهو حياء فاعلها من الخَلق.

 

وهنا تبين أنه لولا الحياء من الخالق جل وعلا أو من الخلائق لم يفعل الإنسان شيئاً من الخير أو يترك شيئاً من الشر، ولما للحياء أهمية بالغة في حياة الفرد والمجتمع فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته إلى التحلي والتخلق بالحياء، قال عليه الصلاة والسلام «إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء» [جه].

 

وقال صلى الله عليه وسلم «الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» [ق].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، البذاء من الجفاء، والجفاء في النار» [ت].

 

وقال: «الحياء لا يأتي إلا بخير».

 

وقال صلوات الله وسلامه عليه: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء إلا زانه» [ت].

 

ومر عليه الصلاة والسلام على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعه فإن الحياء من الإيمان» [ق].

 

دخل عليه يوماً عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو مضطجع وفخذه مكشوفة فجلس صلى الله عليه وسلم وسوى ثوبه فلما سئل عن ذلك، قال: «ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة» [م].

 

وقال وهو يرغب الأمة في الضراعة والدعاء: «إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً، ليس فيهما شيء» [ت، د].

 

أقوال الصحابة في الحياء:

 

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "من لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله".

 

وعن إياس بن قرة قال كنت عند عمر بن عبدالعزيز رحمه الله فذكر عنده الحياء، فقالوا الحياء من الدين، فقال عمر بل هو الدين كله.

 

وقال الحسن البصري رحمه الله: "الحياء والتكرم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلا رفعه الله بهما".

 

وقال: "أربع من كن فيه كان كاملاً، ومن تعلق بواحدة منهن كان من صلاحي قوم: دين يرشده وعقل يسدده، وحسب يصونه وحياء يقوده".

 

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: "رأس مكارم الأخلاق الحياء".

 

أيها المؤمنون هذا هو خلق الحياء، إنه زينة ووقار ورفعة، فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذل وعطاء وإحسان فإن صاحبها يستحيي مع بذله حياء شرف نفس وعزة، وإن العبد ليتخلق بخلق الحياء ويمارسه حتى يستحي من نفسه، وهذا النوع من الحياء هو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة عن رضاها لنفسها بالنقص والعيب، وقناعتها بالدون فيجد نفسه مستحيياً من نفسه، حتى كأن له نفسين، يستحي بأحدهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء فإن الإنسان إذا استحيي من نفسه فهو من باب أولى يستحيي من غيره.

 

أيها المؤمنون الحياء الحقيقي لا يمنع من طلب العلم وتحصيله ولو على كبر، فلا ينال العلم مستح ولا متكبر.

 

كما أن الحياء الحقيقي لا يمنع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه سلم فإنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها ولكنه مع ذلك لا يقوم دون غضبه شيء إذا انتهكت حرمات الله.

 

نسأل الله تعالى أن يرزقنا إيماناً وخلقاً وحياءً يحول بيننا وبين الوقوع فيما نهى الله عنه ورسوله.

 

كما نسأله سبحانه أن يهب لنا شجاعة وقوة نفس حتى نقوم بواجبنا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن نغضب إذا انتهكت حرمات الله.

 

تربية الأبناء على الحياء:

 

أيها المؤمنون، الأصل في بيوت المسلمين أن تبنى على أسس من الإيمان والفضائل والأخلاق، وأن يربى الصغار على العفة والحياء، وأن يعلَّموا ويدربوا على الصدق، واحترام الآخرين، وإنزال الناس منازلهم فقد جاء في الحديث: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعلم لعالمنا حقه» أين احترام الآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمات وسائر الأقارب لدى أبنائنا وبنتنا؟!

 

أين التربية على نظافة السلوك وعفة اللسان لدى صغارنا، إننا نسمع الفاحش من القول وسيلاً من الشتائم والألفاظ المشينة من أطفالنا حتى إن أبناء الكفار لا يستخدمونها، ولا تجري على ألسنتهم، فأين الإيمان؟! وأين الإسلام وأين القرآن، واين الدين والأخلاق والحياء يا أتباع محمد صلى الله عليه وسلم؟!

 

إن واجبنا جميعاً أن نربي أبنائنا وبناتنا على العفة والحياء، في المأكل والمشرب، وفي الملبس وفي الأقوال والأفعال، وسائر التصرفات، فإن البيوت هي المصدر الأول للأخلاق والتربية وهي التي تصدر إلى المجتمع إما أخلاقاً حسنة وإما أخلاقاً سيئة، فلنجعل من بيوتنا مصدراً للخير والفضائل.

 

واجب المجتمع في نشر خلق الحياء:

 

ثم المجتمع بكل مكوناته مسئول عن المحافظة على منظومة الأخلاق الإسلامية التي أكرمنا الله بها.

 

فالرجال لابد أن يكون لديهم خلق الحياء، ليترفعوا عن الدنايا والأمور المخلة بالدين أو بالعرض والشرف، وليبتعدوا عن الميوعة والخلاعة والمجون والتشبه بالنساء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن المتشبهين من الرجال بالنساء وأن يتشبهوا بالكفار، فإنه من تشبه بقوم فهو منهم.

 

وعلى النساء أن يكون لديهن أوفر الحظ والنصيب من هذا الخلق العظيم خلق الحياء.

 

فإن عظمة المرأة وكمالها وجمالها إنما هو في الإيمان والعفة والحياء، على المرأة المسلمة أن تحافظ على دينها وهويتها وأن تحافظ على حجابها وعفافها وأن تتمسك بقيمها وأخلاقها، ولتحذر غاية الحذر من التشبه بالنساء الكافرات في عاداتهن وتقاليدهن أو في سفورهن وفجورهن كما أن على المرأة أن تحافظ على فطرتها وأنوثتها وأن لا تتشبه بالرجال فإن ذلك خروج على الفطرة، وتمرد على الله ورسوله وعلى الإسلام والمسلمين وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكاسيات العاريات المائلات المميلات المترجلات، وأخبر أن اللواتي يفعلن ذلك لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها.

 

أيها المؤمنون إن مؤسساتنا ومدارسنا وجامعاتنا وأسواقنا وإعلامنا ومجتمعاتنا في أشد الحاجة إلى جرعة من القيم والأخلاق وإلى جرعة من الإيمان والحياء، فهل تتفضل الدولة على مواطنيها بجرع مفيدة من الحياء والعفة والمكارم والفضائل والحفاظ على الهوية وإيقاف سياسة الذوبان وفقدان الشخصية، وتضمين ذلك في مناهج التعليم والتربية وبرامج الإعلام والثقافة والتوجيه.

 

وهل تفعل الأحزاب والمنظمات ذلك بين أفرادها وفي تجمعاتها.

 

هل سيتحلى القادة والزعماء بخلق الحياء ويدعون الكذب على الله ورسوله والكذب على الشعوب ومخادعتها، قال رسول الله صلى لله عليه وسلم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت».

 

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

معادن الرجال

الحديث عن معادن الرجال حديث ذو شجون، فما من شخص عركته الحياة وتوالت عليه الأعوام والسنون في مخالطة الناس إلا وفي ذاكرته أسماء رجال كشف بعضهم عن معدنه الأصيل الغالي النفيس، بينما كشف آخرون عن معدنهم البخس الرخيص. لا يمكن قياس معادن الرجال بكثرة المال أو علو المنزلة والجاه أو ال

آداب التعارف والتآلف

إن الشريعة الإسلامية انطلاقًا من شموليتها واستيعابها لكل الأمور؛ قد عالجت في طياتها قضايا الفرد والمجتمع دون تفريط ولا إفراط، وسبقت بذلك النظريات العلمية المعاصرة؛ التي اهتمت بدراسة الاجتماع البشري وظواهره، والمشاكل التي تواجه المجتمعات وسبل معالجتها. لقد كانت المقاصد الاجتماع

اليسر والسعة.. من سمات الحياة الروحية في الإسلام

الحياة الروحية في الإسلام ـبرغم امتدادها وشمولها واستمرارهاـ حياة سهلة ميسرة، لا تكلف الإنسان شططا، ولا ترهقه عسرا، ولا تحمله من الآصار والأغلال ما يقصم ظهره، فهو غير مكلف إلا بما في وسعه، ولا مطالب إلا بما يستطيعه ويقدر عليه دون مشقة شديدة. ولا غرو إن وجدنا القرآن ينفي الحرج عن