هكذا يكون العلماء الربانيين

التاريخ: الأربعاء 10 إبريل 2019 الساعة 07:04:27 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
هكذا يكون العلماء الربانيين

الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام هم المبلغون عن الله شرائعه وأحكامه امتثالاً لأمره {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39].

 

وهم الترجمة العملية والنموذج الحي في تحقيق العبودية لله رب العالمين، فتقتدي بهم البشرية الراشدة وتسير على خطاهم في عبادة الله وووحيده قال عليه الصلاة والسلام: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم انهم تخلف من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل».

 

والعلماء ورثة الأنبياء في التبليغ والبيان، ولذا أمرهم الله ببيان الحق وحذرهم من كتمانه أو تلبيسه طمعاً في حطام الدنيا وبيعاً رخيصاً لآيات الله قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} [البقرة: 174-175].

 

وقال: {وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187].

 

وفي تاريخنا الإسلامي الطويل نماذج حية، وأمثلة ناصعة وخالدة للعلماء الربانيين الصادعين بالحق الناصحين للحكام الذين كانوا السند المتصل عبر الأجيال للنصيحة الفصيحة والصريحة رغم جبروت الملك العضوض وطغيان الحكم الجبري.

 

نكتفي بذكر بعض النماذج علها تكون ذكرى للعلماء ليقتدوا بها وحتى تعلم الأمة تاريخ علمائها العظماء.

 

قدم هشام بن عبدا لله حاجا إلى مكة المكرمة فلما دخلها قال:ائتوني برجل من الصاحبة، فقيل له: يا أمير المؤمنين قد تفانوا فقال: من التابعين، فأتي بطاووس اليماني فلما دخل عليه خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بإمرة المؤمنين، ولكن قال: السلام عليك يا هشام ولم يكنه وجلس بإزائه، وقال كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضباَ شديداَ حتى هم بقتله، قيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله ولا يمكن ذلك فقال: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباَ وغيظاَ قال: خلعت نعليك بحاشية بساطي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني وقلت كيف أنت يا هشام؟

 

ترى كيف سيكون جواب هذا العالم التابعي الذي رفض بموقفه هذا التاريخي الأصيل أن ينساق مع تيار التمويه وثقافة التزييف وطقوس التظليل والتصفيق؟

 

قال الإمام طاووس: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك فإني أخلعها بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي، وأما قولك لم تسلم علي بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك فكرهت أن أكذب وأما قولك لم تكنني فإن الله سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا يحي يا عيسى يا داود وكنى أعداءه فقال: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1] وأما قولك جلست بإزائي فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: "إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام" قال هشام: عظني فقال: "إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته" ثم قام وذهب. هكذا استطاع هذا التابعي الجليل أن يقدم لهذا الملك نصيحة فصيحة بموقفة أولاً ثم بمقاله ثانياً، موقف أغضب الملك؛ لأنه جاء مناقضاً تماماً لما درج عليه ملوك العض من تقاليد الأبهة والتمجيد المزيف والألقاب المزورة رغم محاولة القتل وإظهار الغضب، جاءت أجوبة التابعي الرباني الناصح الأمين لتٌفحم الملك الغارق في أوهام الملك العضوض وتثبت له زيف وكذب ما كان يظن أنه الحق والصواب وتؤكد للجميع عظمة موقف طاووس ومشروعيته فهو درس للأجيال وعظة للعلماء الربانيين. نموذج آخر فقد أدخل سفيان الثوري رحمه الله وهو أمير المؤمنين في الحديث على أبي جعفر المنصور بمنى، فقال لي: ارفع إلينا حاجتك فقلت له: اتق الله فقد ملأت الأرض ظلماَ وجوراَ قال: فطأطأ رأسه، ثم رفعه، فقال: ارفع ألينا حاجتك فقلت إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار وأبناؤهم يموتون جوعاَ، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم فطأطأ رأسه ثم رفعه، فقال: ارفع إلينا حاجتك، فقلت حج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضع عشرة درهماَ وأرى هاهنا أموالاَ لا تطيق الجمال حملها، ثم قام وخرج.

 

هكذا كان العلماء الناصحين يحملون أرواحهم على أكفهم ويقولون كلمة الحق لا يخافون في الله لومة لائم فأين أدعياء العلم اليوم من هذه المواقف؟

 

وهذا أبو مسلم الخولاني رحمه الله من سادات التابعين وكانت له مواقف مع الحكام فمعاوية بن أبي سفيان لما حبس العطاء عن بعض المسلمين، قام أبو مسلم وقال: يا معاوية انه ليس من كدك ولا كد أبيك ولا كد أمك فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال للحاضرين: مكانكم وغاب عن أعينهم ساعة ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من نار وإنما تٌطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليغتسل» وإني دخلت فاغتسلت وصدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولا من كد أبي هلموا إلى عطائكم.

 

ومرة دخل عليه وقال له: السلام عليك أيها الأجير فرد عليه الحاضرون مصححين قل أيها الأمير وهو يكرر مقالته قائلا أيها الأجير.

 

إنه يريد أن يوصل رسالة للحاكم بأنه أجير عند الأمة يقوم بمصالحها ويرعى حقوقها لا أن يظلمها وينهب ثرواتها كما يريد أن يفهم الناس وظيفة الحاكم أنه أجير موظف عندهم وليس إلهاَ يعبد من دون الله.

 

ومن هذه النماذج أن الإمام الأوزاعي رحمه الله دخل يوماَ على المنصور فقال له المنصور: عظني، فقال: اعلم يا أمير المؤمنين أن الله هو الحق المبين ومن كره الحق فقد كره الله.

 

يا أمير المؤمنين إن الملك لا يدوم لمخلوق، وإنما الملك لله وحده ولو كان يدوم لأحد لما وصل إليك.

 

يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا للقصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابياَ وهو غير متعمد، فقال الأعرابي: بأبي وأمي قد أحللتك وما كنت لأفعل ذلك أبداً.

 

يا أمير المؤمنين إن خير الكرم عند الله التقوى ومن طلب العزة بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبها بمعصية الله وضعه وأذله فلما انتهى من عظته أمر له المنصور بمال فاعتذر واستعفى من قبوله، وقال ما كنت لأبيع نصيحتي بعرض من الدنيا فأحرم ثوابها، واقلل من نفعها، وما دام أمير المؤمنين قائما فينا بالعدل فنحن في خير الله ثم في خيره.

 

ألا ما أحوجنا اليوم حكاماً ومحكومين إلى مثل هذه المواعظ وإلى مثل هذه المواقف التي تضع النقاط على الحروف وتضع الأمور في مواضعها الصحيحة وترفض الظلم وتقيم العدل وتذكر الناس بوظيفتهم في الحياة وتحذرهم وتنذرهم وتبين لهم عظمة الوقوف بين يدي الله للعرض والحساب.

ابتلاء الشر والخير بين الشكر والكفر

لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار، فقد شاءت إرادة الله أن يبتلي أقواماً وشعوباً بالفقر والظروف الصعبة والحروب الداخلية رغم اجتهاد أبناء هذه الشعوب في الكد والعمل الدءوب، ونضالهم في سبيل البحث عن صيغة عادلة للاستقرار السياسي. كما شاءت إرادته أن يبتلي أقواماً وشعوباً أخر

خطبة الجمعة والخطة السنوية

التخطيط لموضوعات خطب الجمعة إجراء له فوائد كثيرة جدا للخطيب وللمستمع وللمجتمع عموما، وفق الآتي: 1_ في السنة خمسون خطبة جمعة تقريبا، وطرح خمسين موضوعا ومفهوما على المستمع أمر يحدث الأثر المطلوب بالتراكم. 2_ الخطة ينبغي ان تكون تصاعدية وتراكمية ومتسلسلة في الموضوعات من أولويا

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف