في آخر النفق مصباح

التاريخ: الثلاثاء 9 إبريل 2019 الساعة 07:18:06 مساءً
في آخر النفق مصباح

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214].

 

أظننتم أيها المسلمون أنكم تدخلون الجنة بدون ابتلاءات تحدث لكم؟ كلا: لا يمكن أن تدخلوا الجنة إلا إذا جاءكم الابتلاء مثل من سبقكم من الأمم، ولا بد أن تفتنوا وتمحصوا ببأساء وضراء وشدة ورخاء، ومن يثبت في ذلك فإنه سينجح في الامتحان ويستحق أن يدخل الجنة، فلا تظنوا أنكم مميزين عن غيركم في الامتحان.

 

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه قد وقعت عليهم الشدائد والمحن، فقد تحالف المشركون مع أهل الكتاب في الأحزاب على النيل من المسلمين والإيقاع بهم واستئصالهم، وأصاب المسلمين يومئذ ما أصابهم من الجهد والشدة والجوع والحاجة وضروب الأذى؛ إذ نقض المنافقون العهد على المؤمنين الصادقين في ذلك الظرف العصيب، وقالوا قولتهم الفاجرة: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} [الأحزاب:12]، وجاءهم الأعداء من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، ولما رأى المؤمنون الصادقون الأحزاب مجتمعة عليهم قالوا بكل طمأنينة وثقة:{هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب:22].

 

وفي تلك الظروف الحرجة نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبث الأمل في نفوس أصحابه ويبشرهم بالفتح والنصر والتمكين في الأرض، ثم رأينا نتائج تلك الغزوة، وكيف لطف الله بهم {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب:25]، ثم رأينا بعد تلك الأحداث الصعبة كيف نصر الله عبده وعز جنده وهزم الأحزاب وحده، ونحن أيها المسلمون لسنا مستثنيين من سنة الله تعالى في الابتلاء والامتحان، وهو مس عارض ويزول بإذن الله.

 

وإن ما نعيشه هذه الأيام من أزمات يفتعلها الحاكم مست أمن الناس واستقرارهم ومعايشهم، ونالهم شيئاً من النقص في الأموال والأنفس والثمرات، وليس أمام المؤمنين بالله ولقائه من خيار سوى الاستعانة بالله والصبر وصدق اللجوء إليه سبحانه برفع الضر، وانتظار الفرج بعد الشدة، {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:100].. {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ} [الشورى:19]، فمن أسمائه تعالى اللطيف، ومن لطفه بعباده: أنه يجلب لهم الخيرات ويدفع عنهم الشرور من حيث لا يعلمون، ويوصل حاجات عباده بلطف ورفق وهم لا يشعرون.

 

ومن مظاهر لطفه بعباده: أنه يجزي بالكثير على القليل، ويتحبب بنعمه وهو غني عنا يرزقنا ويؤوينا بلا مقابل نطيعه، فيشكر ونعصيه فيمهل نتوب إليه ويرجع فيغفر إذا أظلمت الدنيا في أعيننا أضاءها بنوره، وإذا وقعنا في ورطات ومهلكات أو وصدت أمامنا الأبواب فرجها بلطفه:

 

وكم لله من لطف خفي *** يدق خفاه عن فهم الذكي

 

وكم أمر تساء به صباحا *** وتأتيك المسرة في العشي

 

إذا ضاقت بك الأحوال يوماً *** فثق بالواحد الفرد العلي

 

قد يتذمر الإنسان من المصيبة إذا وقعت لأنه لا يرى إلا المشهد الأول؛ فإذا نظر إلى المشاهد كلها واكتملت فصول الحادثة، أدرك حينئذ جانباً عظيماً من لطف الله تعالى. فلنحاول أن نعمق أن هذه المعاني في قلوبنا؛ لأننا حينها سنتمكن من اجتياز المنعطفات الوعرة في حياتنا.

 

إن ما يجري في بلادنا اليوم هو من لطف الله بنا، فربما صحت الأجسام بالعلل، وقد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ولكن عواقبها خيراً وبركة مع إن المخاض عسير والآلام كثيرة، ولكننا نرى في اليمن وضعاً جديداً صار الناس إخوانا متعاونين، يسهمون جميعاً في بناء وطنهم وحماية مجتمعهم، لا فضل لأحد على احد إلا بالإيمان بالتقوى أو بالعمل والإنتاج.

 

إننا نأمل أن تخرج البلاد من وضع الاحتراب والاقتتال والظلم والفقر والجهل والمرض الذي أنهك الأمة وجلب لها الهم والكرب والغمة؛ فلنهجر هذه التركة الثقيلة، ولندخل إلى المستقبل بتفاؤل وثقة، مؤمنين بقوله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7].

 

عسى نرجو يكون عسى *** نعلل أنفسنا بعسى

 

فلا تجزع إذا حملت *** هما بقطع النفسا

 

فأقرب ما يكون المرء *** في فرج إذا يئسا

 

إذا ضاق الأمر اتسع *** وإذا اشتد الحبل انقطع

 

وإذا اشتد الظلام *** بدا الفجر وسطع

 

سنة ماضية، وحكمة قاضية!

 

"يا من بكى من ألمه ومرضه وكده.. يا من بالغت الشدائد في رده وصده.. عسى الله أن يأتي بالفتح من عنده"

 

دع المقادير تجري في أعنتها *** ولا تبيتن إلا خالي البال

 

ما بين غمضة وعين وانتباهتها *** يغير الله من حال إلى حال

 

إذا كثر حزنك وانقطع عذرك.. سهل أمرك، أما قرأت: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1]؟!

 

يا من داهمته الأحزان ونام الناس وهو سهران وأصبح حيران، ألم تعلم أن الله تعالى يقول: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن:29] يفرج كرباً، ويكشف غماً، ويعافي مبتلى، ويشفي مريضا، وينصر مظلوما، ويقصم ظالما، ويغني فقيرا، ويجبرا كسيرا، ويرفع أقواما ويضع آخرين!

 

يا من هده الهم وأضناه.. وأقلقه الكرب وأشقاه.. وزلزله الخطب وأبكاه، أسمعت قول ربك: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] يجأر إليه حتى الكافرين عند الشدائد فيكشف الضر عنهم {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء:67]، وكم كشف الله تعالى من كروب عن عباده وفرج عنهم فهو اللطيف سبحانه.

 

إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق به الصدر الرحيب

 

ووطئت المكارة واطمأنت *** وأرست في مكانها الخطوب

 

ولم تر لانكشاف الضر نفعاً *** وما أجدى بحيلته الأريب

 

ومع قنوط منك غوث *** يمنُّ به اللطيف المستجيب

 

وكل الحادثات وإن تناهت *** فموصول بها فرج قريب

 

ولرب نازلة يضيق بها الفتى *** ذرعاً وعند الله المخرج

 

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فرجت وكنت أظنها لا تفرج

 

{لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق:1].

 

هل رأيت فقيرا أبدا؟ هل أبصرت محبوسا في القيد سرمدا؟ لن يدوم الضر ممتدا؛ لأن هنالك أحداً فرداً صمداً، تقصده الخلائق في مهامها، وتفزع إليه عند اشتدادها.

 

«من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب».

 

ألا أيها الإنسان إن في آخر النفق مصباح.. ولباب الهموم مفتاح.. وبعد الليل صباح.. وكم هبت للقانطين من الفرج رياح.

 

أيا هذا الشاكي وما بك داء *** كيف تغدو إذا غدوت عليلا

 

أترى الشوك في الورود وتعمى *** أن ترى فوقه الندى إكليلا

 

والذي نفسه بغير جمال *** لا يرى في الوجود شيئاً جميلاً

 

منهج التثبت: خلق الأسوياء ومنهج الأنبياء

عندما أخبر الهدهد نبي الله سليمان عليه السلام أنه جاءه من سبأ بنبأ يقين، كان الموقف الحكيم الذي اتخذه سليمان هو الالتزام بالمنهج العلمي في التعامل مع الأخبار؛ باختبارها والتثبت من صدقها من مصادر أخرى وإخضاعها للنظر والتأمل و التحليل المنطقي "قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ ك

التدين الرقمي ومشيخة التقنية!

مع ظهور ثورة التكنولوجيا الرّقميّة، التي صاحبها ثورة معرفيّة وثقافيّة ضخمة؛ أصبح الإنترنت بتطبيقاته الهائلة وإمكاناته الّلامتناهية، وبخدماته التي تتميز بالسرعة والدّقة وسِعة التخزين العالية؛ جزءاً لا يتجزأ من مكون مجتمعاتنا المعاصرة، حيث بسط نفوذَه وسلطَته على جميع مناحي الحياة،

تجديد الخطاب الدعوي في عصر الثورة الصناعية الرابعة

تحدثنا في مقال سابق عن الحاجة إلى تجديد روح التدين ونؤكد اليوم أن الحاجة إلى تجديد روح التدين تستلزم تجديد الخطاب الدعوي فما أحوجنا اليوم إلى خطاب دعوي جديد يستوعب المتغيرات العاصفة التي يعيشها هذه الجيل بعد الثورة الرقمية والثورة الصناعية الثالثة ويستشرف آفاق الثورة الصناعية الر