العمل الخيري الإسلامي

التاريخ: الأحد 7 إبريل 2019 الساعة 09:51:50 مساءً
العمل الخيري الإسلامي

إن العمل الخيري الإسلامي عمل منبثق من العقيدة والإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فحين يسعى المسلم في فعل الخير والإحسان إلى الخلق فإنه يتعبد الله تعالى بذلك، يرجو رحمته وثوابه ويخشى عذابه وعقابه؛ لأن الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر لا يصدر منه الخير ولا يحسن إلى الغير من الفقراء والضعفاء واليتامى والمساكين، وهذه حقيقة مشاهدة في القديم والحديث، وقد ذكرها الله في كتابه وعرفها لعباده ليجتنبوها فقال سبحانه: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الماعون:1-3].

 

فهو بخيل شحيح مناع للخير معتدٍ أثيم، ومن كانت هذه حاله فمحال أن يحث غيره على فعل الخير والإحسان إلى الطبقات الفقيرة والمحرومة والمنكوبة.

 

وقد حذر الله ورسوله من هذه الأخلاق ووعد الذين يتخلقون بها بعذاب النار، فحين يُسأل أهل النار عن الأسباب التي أوقعتهم في عذاب الجحيم فكان جوابهم ما ذكره الله عنهم بقوله وقد سئلوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ} [المدَّثر:42-44]. فصلاتهم مقطوعة مع خالقهم، وهي كذلك مقطوعة مع الناس، ويأمر الله ملائكة العذاب بتعذيب الكفار على جرائمهم بقوله: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ العَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الحاقَّة30-34]، والمسلم الذي يفعل الخير لا يقبل الله عمله إلا إذا كان خالصاً لا يريد منه إلا وجه الله تعالى ورضوانه، أما إذا شابه رياء وسمعة أو صاحبه من أو أذى فإنه مأزور غير مأجور، وملام عند الله وعند خلقه، وقد بين القرآن الكريم هذه القضية وفصلها الله للعباد، فقد أثنى على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وابتغاء مرضاته ووعدهم الأجر الكبير الكريم فقال سبحانه: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:262]، قال تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:274].

 

وامتدح سبحانه الذين يطعمون الضعفاء ويحسنون إليهم لا لمصلحة لهم سوى الفوز برضا الله سبحانه كما قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا،إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان:8،9]، وهذه المعاني لا توجد عند غير المسلمين البتة، وما هذه المنظمات والهيئات غير الإسلامية في معظمها إلا ستار لأطماع الدول الصليبية، في استعمار البلدان والاستيلاء على خيراتها، وتكريس الجوع والجهل والفقر والتخلف في البلدان التي يستهدفونها، فما الأعمال الخيرية التي يقومون بها إلا طُعماً وشراكاً للشعوب الضعيفة والفقيرة، وقد يوجد عدد قليل ممن لديهم بقايا من الخير والإيمان ولكنهم في حكم النادر والنادر لا حكم له، والجميع محكوم بسياسة بلاده، وقد ذكر الدكتور/ عمر فروخ وغيره حقائق وأرقام عن التنصير والاستعمار في القرن الماضي ممن يستغلون الجهل والفقر والمرض لمصالحهم السياسية، إن الدول الغربية الغنية تتلف الفائض من القمح وغيره حرقاً وإغراقاً لتحافظ على السعر في أسواقها والأسواق المستهلكة لمنتجاتها بينما مئات الملايين يموتون جوعاً.

 

إن الإسلام في تشريعه وتعاليمه يحث على عمل الخير وينشر مبادئ الرحمة والرفق على العالمين، ويتجاوز الخير والإحسان الإنسان إلى الحيوان البهيم فيذكر النبي صلى الله عليه وسلم «أن امرأة بغي من بني إسرائيل رأت كلباً قد بلغ به العطش مبلغاً عظيماً حتى كاد أن يهلك فرحمته فنزلت البئر ووضعت الماء في خفها ثم صعدت وسقت الكلب فشكر الله لها ذلك الصنيع فغفر لها». ويذكر الرسول صلى الله عليه وسلم امرأة أخرى «دخلت النار بسبب أنها حبست هرة حتى ماتت، فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض»، وقد سأل الصحابة الكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: «وإنا لنا لأجراً في البهائم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: في كل كبد رطبة أجر».

 

إن العمل الخيري الإسلامي المنطلق من المنطلقات الشرعية يستمد قوته وازدهاره وانتشاره من ذاته، وحين يعلم الضعفاء والفقراء الحقيقة فإنهم يحبون الخير وأهله ويدركون عظمة الإسلام. وأما إذا تجرد العمل الخيري الإسلامي عن مبادئه وتعاليمه وابتعد القائمون عليه عن المعاني الربانية والتعبد لله وابتغاء ما عنده، وكانت السمعة والشهرة والسيطرة والمصالح الشخصية هي الباعث فإن ذلك من أقوى عوامل الضعف وأسباب السقوط والانهيار.

 

عوامل الازدهار في العمل الخيري:

 

- إن من عوامل القوة في العمل الخيري قوة أهله الذين يقودونه ويرشدونه، وتتمثل قوتهم في الصدق مع الله ومع خلقه، والتحلي بالأمانة والشفافية، والصبر على هذا العمل، والتغلب على الصعوبات والعقبات التي تعترضهم مع حب الخير وحب مساعدة الآخرين، واستشعار العبودية في كل عمل وخطوة تؤدى في هذا المجال.

 

- ومن عوامل القوة والازدهار في العمل الخيري الوضوح في الأهداف والوسائل وإيجاد الأنظمة واللوائح التي تضبط العمل وتنظمه وتحدد فيه المسئوليات والصلاحيات، وأن يُفعَّل مبدأ الثواب والعقاب في صفوف العاملين دون استثناء.

 

- ومن أسباب نجاح العمل الخيري وازدهاره الاستقلالية التامة، فلا يكون للدولة هيمنة ولا تدخل ولا إملاء. من حق الدول العادلة أن تراقب وتصحح وأن تدعم وتشرف. لا أن تملي وتعرقل.

 

- ومن عوامل نجاح واستمرار العمل الخيري العمل على إيجاد تمويل ذاتي عن طريق الاستثمارات وإيجاد الأوقات وتشجيع الإنتاج وتأهيل الأيتام والفقراء والعاطلين عن العمل، ليكونوا عاملين منتجين مفيدين لأنفسهم وأسرهم ومجتمعاتهم.

 

"ولأن تعلم الفقير كيفية الصيد خير له من أن تعطيه سمكة".

 

إن مما لا شك فيه أن الجمعيات والمؤسسات الإسلامية الخيرية قد حققت نجاحات كبيرة خلال العقدين الماضيين، وقد انتشر خيرها وعم نفعها على الرغم من التضييق والتشويه الذي تتعرض له. وهي بحاجة إلى مراجعة وتقويم بين الفينة والأخرى لتعمل على تطوير أدائها، وتلافي سلبياتها، وترسيخ نجاحاتها وإيجابياتها.

 

 

العمل التطوعي وأثره

تسعى المجتمعات المتقدِّمةُ لإحداث تنميةٍ شاملة تتضمَّنُ تلبيةَ الحاجات الأساسيةِ للمواطنين، وتوفيرَ فرص العملِ للشباب، وخفضَ معدَّلات البَطالة، وتحقيق العدالة في توزيعِ الدَّخْل، وتحسينَ مستوياتِ التَّعليمِ والصِّحَّةِ والرَّفاهية عمومًا لكافة المواطنين، وتعميمَ قِيَمِ حبِّ المعر

مجتمعنا: أمانة في أعناقنا! (2/2)

عبّرت في مقالة سابقة عن إيماني أنّه في مقدور كلّ إنسان أن يخدم مجتمعه، وينفع أناسه، مهما كانت طبيعته، وإمكاناته، ومواهبه، وبيئته، واستعداداته، ونظرته للحياة، وباختلاف هذه الأمور يتباين مستوى الأداء ما بين صاعد في الفضاء، ومنحاز إلى الأرض، وبينهما من بينهما من الخلائق. وأشرت لأ

مجتمعنا: أمانة في أعناقنا! (2/1)

أنا على يقين بأنّ فعل الخير، وبذل المعروف، وكفّ الأذى، وإشاعة التّسامح، والبعد عن الشّرور، فعال حبيبة إلى قلوب أكثر بني آدم، ولكلّ واحد نصيب منها، ففيهم من حظّه وافر، ومن يأخذ منها أقلّ القليل، ولا يمنع هذا وجود من لا يرفع بها رأسًا، أو يتفاوت اهتمامه بها طبقًا لمعايير وأحوال.