أثر المعاصي في الأمة

التاريخ: السبت 30 مارس 2019 الساعة 06:18:02 مساءً

كلمات دلالية :

المعاصي
أثر المعاصي في الأمة

الحَمْدُ لِلَّهِ نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

 

ولكي تقوم حياة الناس على العدل فقد أصل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر في وجدان كل مسلم وحث عليه فقال عليه الصلاة والسلام: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الناس صدقة...»(1).

 

وأخبر -صلى الله عليه وسلم- بأن من المنجيات من عقاب الله في الدنيا والآخرة هو التزام المسلم بالعدل في الغضب والرضا كما قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي صححه الألباني رحمه الله: «ثلاث مهلكات، شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وثلاث منجيات: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى، والعدل في الغضب والرضا»(2). وهذه أعلى مراتب العدل، إذ قد يعدل الإنسان في حال الرضا، ولكن يندر أن يعدل وهو غاضب أو ساخط أو كاره.. وقد خص الله –تعالى- أهل العدل في الدنيا، بإعلاء شأنهم في الآخرة، وتقريبهم منه سبحانه كما في الحديث: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا»(3).

 

والأمة المسلمة لا يشفع لها انتسابها إلى الإسلام في استحقاق التأييد من الله والنصر إذا كانت ظالمة وبعيدة عن العدل.

 

إن من أسباب التمكين في الأرض والتأييد من الله عز وجل أن يحال دون تفش المظالم في المجتمع، وأن يعم العدل حياة المسلمين، فإن الدول والأمم لا تسود ولا تستقر وتهنأ بالعيش إلا إذا كانت تتمتع بقدر من العدل، أما إذا كانت جائرة ظالمة، فإنها حينئذ تحل بدور السقوط والانحلال ثم الزوال.. ومن ينظر في سير الدول والأمم في القديم والحديث سيعلم الحقيقة وهذا ما جعل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: إن الله يقيم الدولة العادلة -وإن كانت كافرة- ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.

 

أيها المؤمنون إن المسلمين اليوم يعانون من الظلم وهم أبعد ما يكون عن تحقيق العدل في حياتهم إلا من شاء الله، الأفراد فيما بينهم لا يتعاملون بالعدل وإنما بالظلم فالقوي يقهر الضعيف ويجور عليه، والغني يهضم الفقير ويؤذيه، والجار لا يأمن شرور جاره ويظلمه.

 

وكذلك الأحزاب والتنظيمات السياسية والدينية القوي منهم يجور على الضعيف، يقهر الحاكم منهم المحكوم، ويصادر حقوقه ويحقره ويخذله ويظلمه في بلدان المسلمين إلا من رحم الله.

 

حكام يقفون للظلم والطغيان ويحاربون العدل والعدالة ويؤممونها بل لا يطيقون العدل ولا يريدون..

 

..{اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ...} [فاطر:43].

 

أيها المؤمنون أحوالنا وأوضاعنا تسر العدو وتغيظ الصديق، وتغضب رب العالمين، حرمات الله تنتهك وحدوده تعطل ولا تنفذ. ودينه يحارب تحت مسميات ومصطلحات يروج لها الكفار والمنافقون، تسلط واستبداد من قبل الحكام، وممارسة سياسات القهر والظلم واغتيال لكل معاني العدل في حياة الناس؛ ظلم في الأعمال وفي توزيع الثروات، ظلم في تطبيق الأنظمة والقوانين التي تسحق الصغار وينجوا منها الكبار في كافة المجالات.

 

وحين انتشرت هذه المعاصي والمظالم وغيرها في المجتمعات الإسلامية عاقبنا الله -عز وجل- بعقوبات ومصائب وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وكأن الله أطلع نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- على ما ستؤول إليه الأوضاع وما ستعاقب به الأمة حين تتمرد على الله وتأتي محارمه، فقد ذكر -صلى الله عليه وسلم- الأسباب والمسببات التي تودي بالأمة وتفسد حياتها وتشقيها في دنياها وأفرادها، وحذر من الوقوع فيها واستعاذ بالله من ظهورها ووقوعها فقال كما جاء في سنن ابن ماجة وغيره بسند صحيح عن ابن عمر -رضي الله عنه-، قال: أقبل علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله؛ إلا سلط الله عليهم عدواُ من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، ومالم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم»(4).

 

وفي صحيح الحاكم بأسانيد صحيحة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: عن عبدالله بن بريدة عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر»(5).

 

وفي الطبراني بلفظ عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خمس بخمس قالوا: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ولا طففوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر»(6).

 

هذه هي أفعال الخلق وأخلاقهم عادت عليهم بالعقوبات والأزمات التي لن يخرجوا منها إلا بالتوبة والرجوع إلى الله..

 

إن من دلائل نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وآيات صدقه ما أخبر به من أمور الغيب التي أطلعه الله عليها فتقع كما أخبر.. وهذا مما يزيد المؤمن إيماناً وتصديقاً واتباعاً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. ومما أخبر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله: «لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون، والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا»(7).

 

وها هي البشرية اليوم تعيش حياة بهيمية منحلة تجاوزت كل الأعراف والقيم والأخلاق وغرقت في مستنقع من الفواحش ومن سلم من هذا الفساد لاحقته الأمم الكافرة ببرامجها ومؤتمراتها ومقرراتها التي تدعوا إلى تحطيم الأسرة، وتحرير المرأة من كل فضيلة وحشمة وسوقها إلى ممارسة كل رذيلة.

 

إن الكفار اليوم يشرعون ويقننون القوانين التي تبيح الزنا والخمور، ويطالبون الدول والمجتمعات بل ويلزمونهم بتطبيق ذلك وممارسته واقعاً عملياً وإلا صنفوهم ضمن الدول التي تحمي الإرهاب ولا تنساق لقرارات الشرعية الدولية، أليس هذا هو ما يجري في العالم.

 

وقد أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك منذ ما يقرب من خمسة عشر قرناً من الزمان.. وأن ذلك يكون من علامات الساعة وأشراطها، فقد أخبر -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من حديث بأن من أشراط الساعة ظهور الزنا وإشاعة الفاحشة واستحلالها؛ جاء في صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير..»(8).

 

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا..»(9).

 

الخطبة الثانية:

 

أيها المؤمنون: ماذا جنت البشرية من جراء هذا الفساد الكبير لقد عاقبها الله بالأوبئة والأمراض التي لم تعهدها البشرية في تاريخها الطويل إن مرض الإيدز -وهو واحد من الأمراض الكثيرة التي يعاقب الله بها الزناة في الدنيا قبل الآخرة- يحصد سنوياً ملايين من البشر ثم هؤلاء الكفار لا يتوبون ولا يذكرون وإنما يزيدون في الفسق والفجور ويصبون الزيت على النار، بدعوتهم إلى المزيد من الفساد والانحلال وتحطيم كل الحواجز التي تحول بين الناس وبين الوقوع في تلك الفواحش.

 

أيها المسلمون: إن مجتمعاتنا مهددة بهذه الفواحش ومن يسبر غور المجتمع ويدرس أحواله سيجد بوادر خطيرة تظهر هنا وهناك تهدف إلى إشاعة الفاحشة وتطبيع المجتمع الإسلامي بطابع الكفار الذين يطالبوننا بإباحة الزنا والخمور وفتح المجالات والأبواب على مصاريعها لاستقبال فجورهم وفسادهم: {وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء:27]. فواجب المسلم أن يتمسك بدينه وأن يعض عليه بالنواجذ ويحمي أسرته.

 

ومما أخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من العقوبات التي ستحل بالأمة حين تعتمد الغش والخيانة معياراً لها في معاملاتها تتعامل به أخذاً وعطاءً قال -عليه الصلاة والسلام-: «ولم ينقصوا المكيال والميزن إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم»(10).

 

إن ظهور الغش والخداع والخيانة وإفساد المعايير والموازين والبخس تنبئ عن حب الدنيا والتهالك عليها ونسيان الله والدار الآخرة ولقد حذر الله في كتابه من الوقوع في هذه الجريمة.. وأمر بالأمانة والاستقامة في البيع والشراء وترك الغش بالمكاييل والأوزان في كل شيء؛ لأن هذا من الإفساد في الأرض وذلك يؤدي إلى سخط الله والتعرض إلى العقوبة الشديدة كما فعل الله بقوم شعيب الذين أهلكهم جزاء فسادهم وعدم طاعتهم لنبيهم الذي قال لهم: {...أَوْفُوا المِكْيَالَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود:85].

 

وما نعانيه اليوم من أزمات اقتصادية خانقة وما نمر به من سنوات عجاف، وما نكتوي به من ظلم وجور الحكام وارتفاع الأسعار وقلة الأمطار كل ذلك إنما هو نتيجة لمعاملاتنا فيما بيننا.. البعيدة عن العدل والأمانة المليئة بالبخس والخيانة، في السلع والبضائع وغيرها.

 

فهلا من توبة صادقة.. نطهر بها أنفسنا وواقعنا ونرضي بها ربنا. هلا من تعاون على البر والقوى في حماية ديننا ودنيانا. هل من وقفة صادقة ضد التيار الإفسادي الذي يتبناه في كل بلد أكابر مجرميه ليخرقوا السفينة ويغرقوا الأمة في مستنقع الانحلال والفوضى..

 

إنه لا خيار لنا إلا أن نصدق مع الله ونطيعه ونتبع رسوله -صلى الله عليه وسلم- في المنشط والمكره وفي اليسر والعسر.

 

_______________________

 (1) صحيح البخاري: كتاب الجهاد والسير: باب: من أخذ بالركاب ونحوه: الحديث رقم:(2827). وصحيح مسلم في الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم: (1009).

 (2) مجمع الزوائد: كتاب الإيمان: باب في المنجيات والمهلكات: الحديث رقم: (313) عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة ومن لا يعرف.‏

 (3) مسلم 3/1458، حديث رقم: 1827.

(4) سنن ابن ماجة 2/1332، حديث رقم: 4019، وحسنه الألباني.

(5) لمستدرك 2/ 136، حديث رقم: 2577، وقال الذهبي: على شرط مسلم.

(6) المعجم الكبير 11/45، حديث رقم: 10992.

(7) سبق تخريجه.

(8) صحيح البخاري: باب: ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسمِّيه بغير اسمه:الحديث رقم: (5268).

(9) صحيح البخاري: كتاب العلم: باب: رفع العلم وظهور الجهل: الحديث رقم: 80/81، عن أنس -رضي الله تعالى عنه-.

(10) سبق تخريجه.

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح