المصلحون في الأرض (8-8)

التاريخ: السبت 30 مارس 2019 الساعة 05:59:00 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
المصلحون في الأرض (8-8)

إن من الصفات التي يتحلى بها المصلحون العمل الدؤوب في الدعوة إلى الخير والعمل الجاد المتواصل في عملية الإصلاح الشامل صابرين محتسبين على الرغم من صعوبات الطريق وكثرة المعوقات التي تعترضهم، ووقوف قوى الشر والطغيان في وجوههم يوسدون أبواب الخير ومنافذه ويصدون عن سبيل الله، غير أن المصلحين لا يثنيهم عمن مهمتهم مكر ولا تهديد، لا ييأسون ولا يقنطون لأن اليأس والقنوط من رحمة الله لا يستبدان بقلب مؤمن بالله، مصلح لعباده صادق اليقين، هذه عقيدة من عقائد الإيمان الراسخ وثمرة من ثمراته، إن المصلحين الصادقين مع الله في كل زمان ومكان أصحاب نفس طويل يمنحهم الله الأمل في النجاح والانتصار، ويشرح صدورهم للإصلاح والعمل، وهذه المعاني النفسية التي يمدهم بها تولد في النفس دواعي الكفاح من أجل الخير، وتبعث النشاط والحيوية، تدفع بالكسول الخامل إلى الجد والمثابرة، وتدفع المخفق الفاشل إلى تكرار المحاولة حتى ينجح، إن الذي يدعو المصلحين إلى تحمل المشاق والأذى هو أملهم في رضوان الله والجنة وطمعهم في عون الله ونصره فالأمل إذن عامل مهم من عوامل النجاح في هذه الحياة ولقد صدق من قال:

 

أعلل النفس بالآمال أرقبها *** ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل

 

إن الآمال الخيرة هي إكسير الحياة، ودافع لنشاطها، ومخفف من صعوباتها وويلاتها، وباعث على البهجة والسرور فيها، سواء تحققت تلك الآمال أو لم تتحقق فإن فوائدها مضمونة وإيجابياتها على صاحبها معلومة.

 

مني أن تكن حقاً تكن أحسن المنى*** وإلا فقد عشنا بها زماناً أرغدا

 

إن الإيمان والأمل متلازمان، فالمؤمن المصلح أوسع الناس أملاً، وأكثره تفاؤلاً واستبشاراً، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر، إذ الإيمان معناه الاعتقاد بأن الله تعالى خالق هذا الكون ومدبر أمره لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء، يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، يمنح الجزيل، ويغفر الذنوب ويقبل التوبة عن عباده يعفو عن السيئات، يداول سبحانه الأيام بين الناس، فيبدل من بعد الخوف أمنا، ومن بعد الضعف قوة، ويجعل من كل ضيق فرجاً ومن كل هم مخرجاً ومع كل عسر يسراً، والله سبحانه يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه، ويدعوه ويسألوه من فضله لأنه الملك الحق الكريم الجواد، أجود من سئل وأوسع من أعطى، والرجاء والأمل الذي نتحدث عنه ليس سلبية بمعنى أنه أمان مجردة دون كدح أو عمل، وإنما إيجابية تمد العاملين بالحيوية والنشاط وتدفعهم إلى مواصلة السير دون كلل أو ضجر، فالمؤمنون المصلحون يعيشون متفائلين بالخير، مؤملين في الله أمل لا حد له راجين في ربهم رجاءً لا تنفصم عراه، ينظر أحدهم إلى الحياة بوجه ضاحك، ويستقبل أحداثها برضى وتسليم بقضاء الله وقدره، المؤمن المصلح الصادق: إذا حارب كان واثقاً بالنصر، لأنه مع الله يريد نصر دينه وإعلاء كلمته راجياً نصر الله حيث قال سبحانه عن جنده وأوليائه: {إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات:172-173]، إذا مرض لم ييأس وينقطع أمله في العافية، بل يرجو الشفاء والعافية من ربه قائلاً بلسان الحال والمقال: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء:78-80]، المؤمن المصلح إذا ارتكب ذنباً لم ييأس من مغفرة الله مهما يكن ذنبه عظيماً فإن عفو الله أعظم ورحمته أوسع بعبده إذا رجع إليه وتاب توبة صادقة، قال سبحانه منادياً عباده: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]، المؤمن الصادق المصلح إذا أقتر أو أعسر لم يزل يؤمل في الفرج واليسر، {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:5-6]، ولن يغلب عسر يسرين ابداً، قال بعض العارفين: "لو دخل العسر جحراً لتبعه اليسر، ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليسر بالعسر: أن الكرب إذا اشتد وعظم وزاد، أيس العبد من المخلوقين وتعلق قلبه بخالقه وحده، وهذه هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه كما قال سبحانه وتعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3].

 

وكل الحادثات إذا تناهت*** فموصل بها الفرج القريب

 

المؤمن المصلح إذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء:18]، إن الحق أصيل في طبيعة الكون، عميق في تكوين الوجود والباطل طارئ لا أصالة فيه، ولا سلطان له، يطارده الله ويقذف عليه بالحق فيدمغه والآية الكريمة تجلى هذا معنى في صورة حسية حية متحركة فكأنما الحق قذيفة تقذف على الباطل فيُحطم دماغه! فإذا هو زاهق هالك ذاهب ولقد يخيل للناس أحياناً أن واقع الحياة يخالف هذه الحقيقة التي يقررها الله العليم الخبير وذلك في الفترات التي يبدو فيه الباطل متفشياً منتفشاً كأنه غالب، ويبدو فيها الحق منزوياً غائباً كأنه مغلوب، وإن هي إلا فترة من الزمن يمد الله فيها ما يشاء للفتنة والابتلاء، ثم تجري سنة الله التي لا تتغير في إزهاق الباطل وذهابه وإهلاكه، والمؤمنون المصلحون لا يخالجهم الشك في هذه النتيجة وإن طال ليل الباططل وتأخر بزوغ الفجر الصادق فهم موقنون بالنتيجة التي قررها الله وأخبرنا بها وضرب لنا الأمثال ليترسخ الحق في أذهاننا وقلوبنا وتغدو حقيقة تجري في دمائنا وهي بقاء الحق وذهاب الباطل، قال تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} [الرعد:17]، إن الماديين من الكفار يقفون عند الأسباب الظاهرة والسنة المعتادة لا يطمعون في شيء وراءها، ولا يهتدون إلى حقائقها ذلك لأنهم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7]، أما المؤمنون المصلحون فإنهم ينظرون إلى ما وراء الأسباب وينفذون إلى سر الوجود، يوقنون بأن الله جلت قدرته خالق الأسباب والمسببات الذي عنده من الأسباب ما يخفى على إدراك عباده، فتتجه قلوبهم إلى الله حين تذلهم الأزمات، وتستحكم عليهم الحلقات، ويضيق على أعناقهم الخناق، إنهم يجدون فيه الملاذ في الشدة والأنيس في الوحشة والنصير في القلة، يتجه إليه المظلوم آملاً يوماً قريباً ينتصر فيه على ظالمه، ويتجه إليه المكروب يسأله تفريج كربته وكشف غمته.

 

وقد ذكر الله لنا نماذج من سير أنبيائه ورسله بين لنا صوراً من رجائهم في ربهم وأملهم في رحمته ولجوؤهم إليه فهذا نبي الله أيوب لما نزل به المرض وطال به الأذى توجه إلى الله بدعاء صادق أن يكشف عنه ما به وأن يرحمه {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء:83-84]، وهذا نبي الله يونس قد ابتلعه الحوت وذهب به بعيداً في أعماق المحيط لكنه لم ييأس بل توجه إلى ربه ضارعاً منادياً: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:87-88]، وموسى عليه السلام حين يسري بقومه لينجو من فرعون وجنوده فيعلمون بخروجه ويحشدون الحشو ليدركوه؟ {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ* فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:60-61]، إن الهلاك محقق، وأي إدراك أكثر من هذا؟ البحر من أمامهم والعدو من خلفهم، إلا أن نبي الله موسى لم يفزع ولم ييأس فرجاؤه في ربه وأمله المتيقن جعله يقول: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62]، وإذا بالبحر طريقاً يبساً يسلك فيه موسى وقومه ويخرج منه سالماً ويغرق فرعون ومن معه وأنى له النجاة، قال تعالى: {وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ* ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً...} [الشعراء:65-67]، وهذا خاتم النبيين وسيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حين قررت قوى الشرك والطغيان التخلص منه بالتصفية الجسدية وتضع الجوائز المغرية لمن يأتي به في حادثة الهجرة من مكة هو خارج منها مطارد مضطهد يغير الطريق، ويأوي إلى الغار، ويسير بالليل ويختفي بالنهار، وفي الطريق يلحقه الفارس المغامر سراقة بن مالك وفي رأسه الحصول على الجائزة التي رصدتها قريش لمن يأتي برأس محمد حياً أو ميتاً مائة ناقة من حمر النعم، ولكن قوائم فرسه تسوخ في الأرض ويدركه الوهن فإذا هو يطلب النجاة، وينظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: «يا سراقة كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى» فعجب الرجل ويبهت ويقول كسرى بن هرمز؟ فيقول: «نعم» وفي غزوة الخندق تكالب الأعداء على الرسول والمؤمنين وأحاطوا بهم من كل مكان ويشتد الأمر ويعظم الخطب

 

 

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف

جندية فكرة ودعوة

إن الداعية ليس موظفاً تحكمه ساعات محددة للعمل ، وواجبات معينة لا يتجاوزها. فالواجبات المحددة في اللوائح والتعليمات تشكل الحد الأدنى ، وفوق ذلك مجال رحب ، للمتنافسين في الخيرات. وعلى المرء أن يختار بين الحد الأدنى المطلوب يومياً وأسبوعيا وشهريا وفصليا وسنوياً ، وبين الاستكثار من ا

هكذا يكون العلماء الربانيين

الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام هم المبلغون عن الله شرائعه وأحكامه امتثالاً لأمره {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39]. وهم الترجمة العملية والنموذج الحي في تحقيق العبودية لل