المصلحون في الأرض (7-8)

التاريخ: السبت 30 مارس 2019 الساعة 05:55:18 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
المصلحون في الأرض (7-8)

إن من دلائل المصلحين وعلاماتهم أنهم قلة في المجتمعات، فهم كالغرباء بين البشر، لكنهم مع ذلك عاملون مصلحون رواد للخير وطلائع للبناء والإصلاح في كل مجتمع، الواحد منهم يعد بألف أو أكثر إذا جد الجد،

 

وَالنـاسُ أَلـفٌ مِنهُـمُ كَـواحِـدٍ *** وَواحِـدٌ كَالأَلـفِ إِن أَمـرٌ عَنـا

 

هؤلاء المصلحون أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وبشر بهم وبشرهم بالرضوان والجنة والكرامة والقبول، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء؟» قالوا يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس» وفي لفظ عند الترمذي: «إن الدين بدأ غريباً، ويرجع غريباً، فطوبى للغرباءالذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» روى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الصحابة يربو على العشرين، وللغربة معان في اللغة العربية، وقد جاءت في السنة النبوية ويراد بها أحد معنيين: فقد جاء بمعنى المقيم في غير وطنه، وبين قوم غير قومه، وعلى هذا المعنى جاء حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما حيث قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، وقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» فشبه صلى الله عليه وسلم الحال التي ينبغي أن يكون عليه المؤمن الناسك المصلح الموفق بحال الغريب الذي ليس له مسكن يؤويه، ولا بيت يكنه، وأموره كلها من المركب والمأكل والمشرب والمسكن مؤقته عابرة لحال غربته، وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطناً فينبغي أن يكون فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غيره مغترباً عن أهله ووطنه، همه التزود للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنه مسافر غير مقيم أصلاً، بل هو في سفر ليله ونهاره، يسير إلى بلد الإقامة، فلهذا وصى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين، وللمصلحين المتقين في هذا المعنى حظ وافر في التقلل من الدنيا والتزود للآخرة، ولهم في ذلك أقوال وأحوال، وهذا المعنى في إطلاق الغربة على الغربة الحسية، وهي مفارقة الأهل والوطن، ومساكنة قوم آخرين قد ورد في السنة أحاديث كثيرةلا يتسع المقام لذكرها، وجاءت الغربة بمعنى الاغتراب المعنوي، وهو أن يكون المرء على حال الاستقامة ولزوم الحق ومجانبة الباطل، وهجر الفتن والأهواء وملازمة الجادة والتمسك بالسمت الذي كان عليه الصدر الأول، مع قلة النصير والمعين الموافق، وكثرة المنابذ والمخاذل والمخالف، فيسمى صاحب هذه الحال غريباً لعدم موافقته لمن حوله، على المنكر والباطل، إذ له شأن ولهم شأن آخر، وهو في واد وهم في واد، وهذا المعنى هو المقصود أصلاً والمراد... والمفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم «أن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» فهذا الحديث من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، ولقد عشنا وشهدنا غربة الإسلام في عصرنا وما سبقه وكانت مظاهر غربة الإسلام كثيرة فقد طفت على أرض الإسلام الأفكار العلمانية والإلحادية، وكثرت الأحزاب الكافرة والفلسفات المنحرفة، والأفكار الفاسدة، وظهرت أنواع من المؤسسات التي تفتري وتضلل وتنشر الكفر وتشكك في الثوابت والمسلمات من أمور الإسلام، ولقد مرت فترات من الغربة الشديدة على المسلمين كنت لا تجد في جيوش المسلمين قائداً يعتز بدينه وإسلامه إلا نادراً بل لا يصلى إلى الرتب العالية غالباً إلا إذا كان متنكراً لإيمانه وقيمه، معاقراً للخمر فاسداً مفسداً، وكنت لا تجد زعيماً سياسياً إلا وله صلة تنظيمية بحزب من الأحزاب الكافرة إلا من رحم الله وهم قلة نادرة غرباء حقاً، كنت لا تجد في الجامعات والمدارس والمؤسسات من يصلى وإذا صلى مؤمن صلى مستخفياً حتى لا يهزأ به أو يشكك في عقله، غير أن المؤمنين المصلحين قاوموا الغربة وصمدوا أمام الأعاصير كالأعلام الشامخة الراسية، يوقظون النائمين ويطمئنون الخائفين ويردون الشاردين، ويشرون الخير ويبثون الأمل في روع اليائسين القانطين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، ثم بدأت ولله الحمد والمنة هذه الغربة تختفي شيئاً فشيئاً عن بعض الأقطار الإسلامية، وتستشري في أقطار أخرى، والمرجو من فضل الله وكرمه أن تنتهي موجة الغربة عن الإسلام وأهله، وذلك مربوط بعد قدر الله ومشيئته بما يبذله المصلحون من جهود في إصلاح الأمة وترشيدها، مزيلين للغربة، مهما قل عددهم أو عز وجودهم، فليست العبرة بكثرة ولا قلة وإنما العبرة في الصدق مع الله وإخلاص العمل له والانتقال من مرحلة الصلاح الشخصي إلى مرحلة البناء والإصلاح، البناء الحسي والمعنوي والإصلاحي الفردي والجماعي.

 

أيها المؤمنون: إن المصلحين في كل أمة أعداد قلائل، والرواد في كل مجتمع غرباء قليلون.

 

فأهل الإسلام غرباء في أهل الأديان، في كل زمان ومكان فالمسلمون في الكفار كالشعرة البيضاء في الثور السود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، إنهم قليل وأقل من القليل، قال الله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13]، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسخ هذه المعاني في نفوس أصحابه الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فقد جاء في الحديث عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قبة فقال: «أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟» قلنا نعم قال: «ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟» قلنا نعم، قال: «أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟» قلنا: نعم، قال: «والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر» وهذه حقيقة ثابتة شرعاً وقدراً وهي كثرة الكفار والفجار وقلة المؤمنين والأخيار، إننا لو نظرنا اليوم في عدد سكان الأرض لوجدنا عددهم في حدود أربع مليارات تقريباً، المسلمون منهم مليار ومائتي مليون فقط ثم هؤلاء المسلمون إذا نظرت في حالهم رأيت أعداداً غفيرة منهم لا تفقه دين الله عز وجل ولا تعرف أحكامه، لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه, ولا من القرآن إلا رسمه، ثم الصلاة وهي الركن الأعظم في الإسلام بعد الشهادتين ستجد الكثير من المسلمين لا يؤدون الصلاة كلية ومنهم من يؤديها في غير أوقاتها وهكذا في سائر الأمور، إن المتمسكين بالحق القائمين بالفرائض والواجبات التاركين للمحرمات والموبقات المصلحون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر غرباء حتى في أهل الإسلام وكلما ازداد تمسكهم بالكتاب والسنة علماً وعملاً ازدادت غربتهم وقل مشاكلوهم وكثر مخالفوهم فهم مسافرون في طريق طويل شاق، لكن المصلحين يشقون طريقهم في عمل دؤوب مستمر لإقامة الحق وإقراره وحمايته حريصين على دفع الغربة عن الإسلام وأهله بكل ممكن, هؤلاء المصلحون الغرباء طوبى لهم وهذه لفظة تدل على الخير والفرح والنعيم وتدل على الجنة وشجرة فيها تسمى بذلك بشر الله عباده المؤمنين العاملين لإزالة الغربة بذلك كله في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد:29].

ابتلاء الشر والخير بين الشكر والكفر

لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار، فقد شاءت إرادة الله أن يبتلي أقواماً وشعوباً بالفقر والظروف الصعبة والحروب الداخلية رغم اجتهاد أبناء هذه الشعوب في الكد والعمل الدءوب، ونضالهم في سبيل البحث عن صيغة عادلة للاستقرار السياسي. كما شاءت إرادته أن يبتلي أقواماً وشعوباً أخر

خطبة الجمعة والخطة السنوية

التخطيط لموضوعات خطب الجمعة إجراء له فوائد كثيرة جدا للخطيب وللمستمع وللمجتمع عموما، وفق الآتي: 1_ في السنة خمسون خطبة جمعة تقريبا، وطرح خمسين موضوعا ومفهوما على المستمع أمر يحدث الأثر المطلوب بالتراكم. 2_ الخطة ينبغي ان تكون تصاعدية وتراكمية ومتسلسلة في الموضوعات من أولويا

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف