المصلحون في الأرض (6-8)

التاريخ: الأربعاء 27 مارس 2019 الساعة 07:50:57 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
المصلحون في الأرض (6-8)

من الصفات التي يتحلى بها المصلحون تقوى الله عز وجل، والقول الحسن السديد الذي ينصر الحق ولا يخرج عنه، امتثالاً لأمر الله عز وجل واستجابة له كما قال سبحانه مخاطباً عباده المؤمنين المصلحين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71]، فقد رتب الله عزوجل على القول السديد آثاراً عديدة، دنيوية وأخروية، وعلق سبحانه إصلاح الأعمال، وغفران الذنوب بكل من التقوى والقول السديد ثم عقب ذلك بتعليق الفوز بطاعة الله ورسوله مما يشعر بمفهومه: أن مخالفة العمل للتقوى والقول السديد يعد خروجاً من طاعة الله ورسوله وطريقاً إلى الخسران الكبير لا يستحق صاحبه إصلاح الأعمال في الدنيا، ولاغفران الذنوب في الآخرة، إن المصلحين يستخدمون ألسنتهم في الخير والصدق وقول كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطيب الكلام والقيام بالشهادة والإصلاح بين الناس وتعليم الجاهل وتذكير الغافل وإرشاد الضال، وذكر الله وتلاوة القرآن، إلى غير ذلك من الكلام الطيب والقول الصائب السديد الحسن, وفي مقابل هذه الصفات الإيجابية نجد المتقين المصلحين يجتنبون آفات اللسان وسيء الأقوال، فهم لا يتحدثون عن الإشاعات وترويج الباطل وتحسينه ثم هم لا يشفعون في باطل ولا يصدون عن حق أو خير، وهم لا يفجرون في الخصومة، ولا يغتابون، ولا يستهزئون، ولا يسخرون من الآخرين، ولا يحرفون الكلم عن موضعه، ولا يلبسون الحق بالباطل، ولا يكتمون الحق، ولا يتنقصون العلماء وذوي الفضل، ولا ينقلون الكلام إلى الحاكم دون مبرر شرعي بقصد الإفساد، فكل ذلك ليس من الكلام الحسن, ولا هو من القول السديد الذي أمرنا الله به في قوله: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء:53]، هذه التكاليف الربانية التي أمرنا الله بها في مجال القول التي هي أحسن أو القول السديد الذي لا يجانب الحق ولا يخالطه باطل، يقوم بها المصلحون الذين أصلحوا أقوالهم وأحسنوا القول والعمل، يسدد الله تعالى خطاهم ويصلح لهم أعمالهم جزاء التصويب والتسديد، والله يغفر لذوي الكلمة الطيبة والعمل الصالح ويكفر عن السيئات التي لا ينجو منها بشر، ولهذا جاءت الآيات والأحاديث ترشد المؤمنين إلى وجوب ضبط اللسان والتحذير من خطره وأضراره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» وهذا صريح في أنه لا ينبغي للمؤمن أن يتكلم إلا إذا كان الكلام خيراً وسديداً، وفي الحديث تهديد للذين يطلقون لألسنتهم العنان ويقولون الشر، فكان من يقول الشر غير مؤمن بالله واليوم الآخر، إذ المؤمن لا يقول إلا خيراً, والخير ما فيه ثواب الله من الذكر والعلم والنصيحة وما إلى ذلك.

 

إن المؤمن المصلح لا يتحدث ولا يقول أو يتكلم في مسألة إلا بعد أن يتثبت ويتبين ويزن الكلام بميزان الشرع كما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» ومعنى يتبين يفكر هل هي خير أم لا، وإن كلمة واحدة يتكلم بها المؤمن تكون سبب سعادته في الدنيا والآخرة لما تحمل تلك الكلمة من الحق والخير والهدى والسداد والرشد، وقد يتكلم الشخص بكلمة من الشر يشقى بها في الدنيا والآخرة لم تشتمل عليه... من فساد وباطل وأضرار وشرور، كما جاء في الحديث عن بلال بن الحارث قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه به سخطه إلى يوم يلقاه» وإن من علامات الخير في الإنسان أن يكف عن الناس يده ولسانه فلا يؤذيهم بقول أو فعل, وذلك دليل الإسلام والإصلاح وقد سأل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغب أمته ويضمن لهم الجنة إن هم ضمنوا أنفسهم بالمحافظة على ألسنتهم فلا يتكلموا إلا في خير وأن يحفظوا فروجهم فلا يقعوا في حرام، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة» وما بين اللحيين: هو اللسان فلا يتكلم إلا في خير, وما أمر به ويسكت عن غيره، وما بين الرجلين: هو الفرج، فلا يأتي به حراماً ثم إن الكلام الكثير الخالي عن السداد البعيد عن الحق والخير يفسد النفس ويقسي القلب، وإذا قسى القلب وغلظ فإنه لا يأتمر بخير ولا ينزجر عن شر فلا يكون الإنسان موصوفاً بالإصلاح والفلاح، وإنما يكون في زمرة الأشقياء المبعدين كما في الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله تعالى القلب القاسي» وفي حديث معاذ الطويل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله، «فأخذ بلسانه وقال كف عليك هذا» قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» وفي هذا دلالة على أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، والمراد بحصائد الألسنة: جزاء الكلام المحرم وعقوباته، فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات ثم يحص يوم القيامة ما زرع فمن زرع خيراً من قول وعمل حصد الخير والكرامة ومن زرع شراً من قول أو عمل حصد الذلة والندامة، إن الحذر من اللسان والخوف من سيئات الأقوال هو شعار المصلحين المتقين روى الإمام مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب دخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وهو يجبذ لسانه فقال عمر: مه، غفر الله لك فقال أبو بكر: هذا أوردني الموارد.

 

وقال ابن بريدة: رأيت ابن عباس آخذاً بلسانه وهو يقول "ويحك قل خيراً تغنم، أو اسكت تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم".

 

وكان ابن مسعود يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: "ما على الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان".

 

وقال عمر رضي الله عنه: "من كثر كلامه، كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به".

 

وقال رجل لسلمان: أوصني: قال: "لا تكلم، قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: "فإن تكلمت، فتكلم بحق أو اسكت".

 

والصمت عن الباطل شعار الصالحين والتكلم بالحق والجهاد باللسان هو سبيل المصلحين، وتذكر الناس يوماً عند الأحنف بن قيس: أيهما أفضل الصمت أو النطق، فقال قوم: الصمت أفضل، فقال الأحنف: "النطق أفضل، لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه، والقول بالحق والمنطق الحسن ينتفع به من سمعه".

 

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إني لأرجو أن يكون المتكلم على علم أفضلهما يوم القيامة حالاً وذلك أن منفعته للناس وهذا صمته لنفسه".

 

ولا شك أن قول الحق والشهادة بالحق والدعوة إلى الخير والجهاد بالقول هو الذي ينبغي أن يفعله المؤمن المصلح ويترب به إلى الله تعالى فإن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نهت الشريعة عن سكوت الإنسان مدة طويلة لا يتكلم فيها ولا ينطق فقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، كان الواحد منهم يعكتف اليوم واللية، فيصمت فيها ولا ينطق فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: «لا صمات يوم إلى الليل».

 

أيها المؤمنون ما أحوج أمتنا اليوم إلى النصحاء المصلحين الناطقين بالحق ليبينوا لهم مواطن الخطر ويحذرونا من الوقوع فيه وليدلوها على طريق الله ويرغبوها في السير فيه، فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق.

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف

جندية فكرة ودعوة

إن الداعية ليس موظفاً تحكمه ساعات محددة للعمل ، وواجبات معينة لا يتجاوزها. فالواجبات المحددة في اللوائح والتعليمات تشكل الحد الأدنى ، وفوق ذلك مجال رحب ، للمتنافسين في الخيرات. وعلى المرء أن يختار بين الحد الأدنى المطلوب يومياً وأسبوعيا وشهريا وفصليا وسنوياً ، وبين الاستكثار من ا

هكذا يكون العلماء الربانيين

الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام هم المبلغون عن الله شرائعه وأحكامه امتثالاً لأمره {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب: 39]. وهم الترجمة العملية والنموذج الحي في تحقيق العبودية لل