المصلحون في الأرض (5-8)

التاريخ: الأربعاء 27 مارس 2019 الساعة 07:28:26 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
المصلحون في الأرض (5-8)

من صفات المصلحين التي يتصفون بها في معاملة الآخرين، السماحة والعفو، لا يحملون الحقد والبغض لأحد من المسلمين، يقابلون السيئة بالحسنة ويعفون ويصلحون، وهذه الصفات التي يتحلى بها المصلحون لا تصدر إلا عن نفس مؤمنة وعقل راجح وقد أوصى الله المؤمنين بهذه الأخلاق، كما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بها في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159]، كما أمر الله عباده المؤمنين بالعفو والصفح عن الناس ووعدهم على ذلك بالجنة قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، فمن الصفات الخلقية التي يتحلى بها المتقون المصلحون أنهم رحماء كرماء، إذا ظلموا من قبل إخوانهم كظموا غيظهم وعفوا عمن أساء إليهم، ويقول الله عزوجل: {وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النــور:22]، نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين أقسم أن لا ينفق على مسطح بقوله: "والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً، ولا أنفعه بنفع أبداً" والسبب في ذلك أن مسطحاً كان من الذين اشتركوا في إشاعة خبر الإفك على أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر، فآلم ذلك أبابكر وكان يحسن إلى مسطح وينفق عليه لقرابته وحاجته فحلف بسبب ذلك أن لا ينفق على مسطح عقوبة له من أجل الإساءة الكبيرة التي أساء بها هذا الرجل لآل أبي بكر، فجاءت الآية تدعو وتحث وترشد إلى العفو والصفح {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا} أي: فلا تكن الإساءة الشخصية مانعة من فعل الخير مع المسيء، لأن فعل الخير إنما يبتغى به وجه الله ومرضاته لا مرضااة الذين يقدم إليهم الإحسان, ثم ألمح الله في آخر الآية إلى أن من يعفوا عمن يسيء إليه فإن الله يعفو عنه نجد ذلك في قوله تعالى: {أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}, والمعنى إن الله يغفر لكم سيئاتكم التي تفعلونها في جنبه، إذا أنتم عفوتم عن إخوانكم وصفحتم عنهم، وحين يرى الله عبده يعفو عن المسيئين إليه فإنه يقول له أنا أجود وأكرم قد غفرت لك، وكم للعبد من سيئات وخطايا في جنب الله وهو بحاجة إلى أن يغفرها الله له, فمن كان حريصاً على أن يغفر الله له فليعف عمن يسيء إليه، وقال سبحانه في صفات عباده المؤمنين المصلحين {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ* وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ* وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ* وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [الشورى:39-43]، وهذه الصفة دائرة بين أمرين هما: العدل والإحسان: وهي: أنهم يجازون على السيئة بمثلها دون زيادة, وهذه حق لهم وهو مقتضى العدل والإنصاف, فإن من حق المجني عليهم أن ينتصروا لأنفسهم بالحق، والمرتبة الأخرى أعلى من ذلك وهي مرتبة العفو والإصلاح والصبر, ولما كان العفو عن المسيء صعب على النفس رغب الله فيه وشجع عليه بقوله فمن عفا وأصلح فأجره على الله، أي من عفا عمن ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه، فإن الله سبحانه يأجره على ذلك وأبهم الأمر تعظيماً لشأنه، وتنبيهاً على جلالته فكان العفو من الأعمال الصالحة التي يأجر الله العبد عليها، حتى الكفار الذين لا يرجون لقاء الله فإن المصلحين مطالبين بأن يغفروا لهم إساءتهم الشخصية، مما لا علاقة له بموضوع الجهاد في سبيل الله بالقتال كما قال تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ* مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية:14-15]، والهدف من ذلك أن يقدم المسلمون صورة حية للأخلاق الإسلامية العظيمة حتى يكونوا بأخلاقهم الكريمة داعين إلى الإسلام محببي الناس به، فكم من الناس أسلموا بفضل الخلق النبوي، والخلق الإسلامي الذي كان يتمتع به المسلمون الأولون، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المصلحين وسيد المتقين يكذبه قومه ويؤذوه ويخرجوه فيبعث الله له ملك الجبال ليأمره بأمره صلى الله عليه وسلم ويقول له ملك الجبال "يا محمد إن الله قدسمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين"، وهما الجبلان المحيطان بمكة، فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً» وتارة يدعو صلى الله عليه وسلم لقومه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون», أي سُمُوٍّ هذا, وأي نفس زكية هذه, إنها النبوة والرسالة, وإنه الخلق العظيم الذي امتدحه ربه فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4]، وفي غزوة ذات الرقاع نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يستظل لها وعلق بها سيفه، فجاء رجل من المشركين، فاخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتخافني؟ قال: «لا» قال: فمن يمنعك مني؟ قال: «الله» فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للأعرابي: «من يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟» قال الأعرابي: أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال الراوي: فخلى سبيله فجاء إلى قومه، فقال جئتكم من عند خير الناس، وأسلم الرجل، وهكذا نجد هذا الخلق الرفيع لدى الصحابة رضوان الله عليهم في سيرهم في عفوهم وصفحهم عن الآخرين فكانوا قدوة يهدون بالحق وبه يعدلون.

 

هذا رجل من الأعراب يقول لعمر بن الخطاب: هيي يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل, ولا تحكم فينا بالعدل, فغضب عمر رضي الله عنه من افترائه وهمَّ أن يبطش به فقال له أحد جلسائه يا أمير المؤمنين إن الله قال لنبيه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]، وإن هذا من الجاهلين فعفا عنه عُمر، وإذا كان العفو والصلح مطلوباً مع الآخرين فهو مع الأهل والأقربين من الأزواج والأولاد مطلوب من باب أولى، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التغابن:14]، يرشد الله المؤمنين المصلحين في هذه الآية الكريمة إلى أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا، وقد جاء الإرشاد إلى العفو والصفح بعد أن بين الله تعالى أن من الأزواج أعداء، تنبيهاً على ضرورة المحافظة على وحدة الأسرة المؤمنة وترابطها وهذا الخلق خلق العفو والصفح ضمان لاستمرار وحدة الأسرة وتماسكها وترابطها، يضاف إلى ذلك أن الإنسان عادة يكون هو البادئ بالإحسان إلى زوجه وأولاده قد يسرف في عطائه وإحسانه، فإذا وجد منهم إساءة آلمته جداً وآذته، لأنه يستبعد أن يكافأ على الإحسان بالإساءة فإذا وجد منهم الإساءة اشتد غضبه، وصعب عليه جداً أن يعفو ويصفح لأنه يعتر ذلك غاية في الجحود ونكران الجميل، من أجل ذلك كان بحاجة إلى إرشاد خاص وتوجيه إليه، بأن يعفو ويصفح ويغفر، حتى يستحق من الله الغفران والرحمة، وهذا واضح في قوله تعالى: {وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وجاء رجل إلى النبي يشكو إليه قائلاً: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي, وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» ومن روائع ما قيل في هذا المعنى في الإحسان إلى الأقربين وإن أساءوا قول المقنع الكندي:

 

إن الذي بيني وبين بني أبي*** وبين بني عمر لمختلف جدا

 

إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم*** وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

 

وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم*** وإن هم هوو غييي هويت لهم رشدا

 

وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم*** دعوني إلى نصر أتيتهم شدا

 

وإن زجروا طيري بنحس يمر بي*** زجرت لهم طيراً يمر بهم سعدا

 

ولا أحمل الحقد القديم عليهم*** وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

 

لهم جل مالي إن تتابع لي غنى*** وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا

 

وإني لعبد الضيف ما دمت نازلاً*** وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا

 

ومن الأمور التي يقوم بها المصلحون مع أهليهم وذويهم أنهم يبذلون جهوداً علمية وعملية في تنشئتهم على الإيمان والعمل والإصلاح، ليكونوا لبنات خيرة في الأمة والمجتمع، ويتوجهون إلى ربهم داعين أن يتقبل عملهم وأن يصلح لهم الذرية، نلمح هذه الصفات في قول الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف:16].

 

ومن الأمور التي يتحلى به المصلحون تواصيهم فيما بينهم التمسك بالحق والوصية بالعمل والإصلاح والتحذير من اتباع الطرق الملتوية والانسياق مع المفسدين ومتابعتهم في ضلالهم وانحرافاتهم، فهذا نبي الله موسى عليه السلام يوصي أخاه هارون بذلك، كما قال تعالى مخبراً عنه: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:142]، وهكذا يجب على المصلح أن يكون ناصحاً مذكراً متواصياً مع المسلمين، فالنصيحة حق واجب للمسلم على المسلم، والقائمون بهذه الواجبات هم الناجون الفائزون الرابحون في الدنيا والآخرة، ومن عداهم أهل الضياع والخسران كما قال تعالى: {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1-3].

الرحمة.. خط دعوي أصيل

فالرحمة قيمة عليا ومعلم أصيل في دين الإسلام، فنجدها في صفات المولى الجليل وأفعاله كما نجدها في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك نجدها في تشريعات الإسلام كلها وفيما أمر الله به عباده بحيث تكون الرحمة الصفة الأبرز التي تحتوي في داخلها أو تهيمن على بقية الصفات الأخرى، قال الله

14 خطوة لتحضير خطبة الجمعة

فإن الخطيبَ مسؤول مسؤولية عظيمة جدًّا أمام الله – عز وجل – فيما يُلقيه على الناس، “والخطابة مسؤولية عُظمى، لا يعلم حجم خطورتها إلا مَن يعلم أهميتها ودقَّة مسلكها، فهي منبر التوجيه والدعوة، وإحياء السنن، وقمع البدع، وقول الحق. وفي المقابل إذا أُسِيء استعمالُها، انقلبتْ إلى الضّ

الدعوة إلى صلاة الجمعة

تكامل الرؤية الإسلامية للحياة المنيبة لله في آيات الدعوة إلى صلاة الجمعة في مثل هذا اليوم من كل أسبوع دعانا الله سبحانه وتعالى إلى اجتماع خاص لذكرٍ مخصوص في يوم مخصوص يجب أن نتفرغ له ونأخذ إجازة مؤقتة من أعمالنا التجارية وجميع الأعمال الاعتيادية لدقائق معدودة نفتح فيها قلوبنا