المصلحون في الأرض (4-8)

التاريخ: الإثنين 25 مارس 2019 الساعة 07:36:58 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
المصلحون في الأرض (4-8)

إن من أبرز صفات المصلحين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون، أنهم يصلحون بين المتخاصمين وينزعون فتيل الفرقة والنزاع بين المتنافرين، يقربون بين وجهات النظر، ويزيلون عن القلوب سخائمها وانحرافها ويهيئون الأجواء للخير والبناء والحب والتسامح والصفح، يقومون بذلك العمل على الرغم مما فيه من مشقة وعنت طاعةً لله وعبودية له، وحباً للناس ونصحاً وإرادة الخير لهم يبذلون في ذلك من جاههم وأموالهم، والصلح بين الناس والقيام بأعبائه وتبعاته لا يقوى عليه إلا أولوا العزم من المؤمنين المصلحين، أما الضعفاء والمتعجلون فإنهم لا يصبرون ولا يتحملون، بل قد يحلف بعضهم إذا واجه إشكالاً أو عدم استجابة من المتخاصمين أن لا يفعل الخير وأن لا يصلح بين اثنين، وفي هؤلاء وأمثالهم يقول الله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:224]، والمعنى لا تجعلوا أيمانكم بالله حائلة بينكم وبين البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل كفروا عن أيمانكم واصنعوا الخير كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير».

 

إن الإصلاح بين الناس وظيفة كبير وعبادة عظيمة يقوم بها المصلحون وهي خير من كثير من نوافل العبادات والطاعات كما جاء في الترمذي من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة»، قلنا بلى يا رسول الله، قال: «إصلاح ذات البين».

 

والصلح عقد يتوصل به إلى الموافقة بين المتخاصمين قطعاً للنزاع وهو من أنفع العقود لما يتوصل به إلى إطفاء الفتن وإخماد الحرب وإصلاح الأحوال وإرضاء النفوس، ولما يثمر من استتباب الأمن واستقرار الأمور وصفاء النفوس وقطع دابر الشر، ولذا قال الله تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، وقال سبحانه: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء:128]، إن الإصلاح بين الناس وظيفة عظيمة باشرها الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ورغب أمته القيام بها، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء، وهو يقول: والله لا أفعل فخرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للحالف: «أين المتألي على الله أن يفعل المعروف؟» فقال: أنا يا رسول الله، «فله أي ذلك أحب» ومعنى يستوضعه: يسأله أن يضع عن بعض دينه ويسترفقه: يسأله الرفق، وهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد أحوال أصحابه فإذا بلغه وقوع خصام أو نزاع فيما بينهم أسرع للصلح بينهم وإزالة الشر عنهم، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم في أناس معه...، ولقد كان صلى الله عليه وسلم حذراً متيقظاً لمكائد اليهود الرامية إلى تفتيت وحدة المسلمين والتفريق بينهم بإثارة النعرات الجاهلية وإيقاد الفتن وإشعال الحروب علهم يجدون سبيلاً للسيطرة بين توازن القوى المتعادية كما هو حال اليهود وشأنهم قديماً وحديثاً، ولذا تصدى لتنفيذ هذه المكيدة حبر من أحبار اليهود اسمه شاس بن قيس، وكان شيخاً موغلاً في معاداة الإسلام، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، فمر على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج، فوجدهم في مجلس واحد مجتمعين فيه يتحدثون فيه، وقد ألفت بينهم الإخوة الإسلامية، وجمع بينهم الحب في الله، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها قرار، أي: ما لليهود من قرار في المدينة وما حولها إذا اجتمع أشراف عرب يثرب، وعرب يثرب أوسهم وخزرجهم يقال لهم "بنو قيلة" نسبة إلى أمهم قيلة، فأمر شاس فتى شاباً من اليهود كان معه، فقال له اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان يوم بعاث يوماً من أيام حروب الجاهلية اقتتلت فيه الأوس والخزرج فأقبل الشاب اليهودي وجلس معهم وانتهز مناسبة تحدث فيها عن يوم بعاث وأنشد ما يحفظه من الأشعار وذكرهم بالأيام التي تقاتلوا فيها، فلم ينتبهوا لمقصده في تلك الحروب وتطور الأمر، فتنازعوا وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين، ثم قال أحدهم إن شئتم رددناها لكم جذعة، وغضب الفريقان جميعاً وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة أي الحرة السلاح السلاح، فخرجوا إليها ليتقاتلوا، واليهود أصحاب الفتنة يراقبون ما جرى بفرح وغبطة ويدسون من يوقد نارها ويؤججها، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه، حتى جاءهم وهم في الحرة يستعدون للقتال، فقال: «يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام؟ أو أكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم...» فلما سمع الأوس والخزرج ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا أنها نزغة من نزغات الشيطان، وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم ببعضاً, ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله من بينهم نار الفتنة، ورد كيد اليهود في نحورهم، وانتهت المكيدة بالفشل وفي ذلك أنزل الله آيات منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران:100].

 

وإن مما نستفيده من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم القولية وسيرته الفعلية أهمية الإصلاح بين الناس، وجمع كلمة الأسرة والقبيلة والأمة، وحسم مادة الشر والقطيعة، وتوجه المسئول الأول في الدولة بنفسه إلى بعض رعيته لإزالة الشر وإصلاح ذات البين فهل يصنع ذلك حكامنا، ويبادروا إلى تقوى الله وإصلاح ذات البين, أم أنهم يرون أن بقاءهم مربوط باختلاف الأمة ونزاعها وتفرقها وتناحرها أحزاباً وقبائل وطوائف وشيعاً، إن هذه سياسة خاطئة كان يمارسها فرعون وحكومته حين جعلوا الشعب شيعاً وأحزاباً يضرب بعضهم بعضاً، قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} [القصص:8]، إننا أيها الإخوة بحاجة ماسة إلى عملية إصلاحية شاملة تبدأ بإصلاح النفوس وتوحيد القلوب وإصلاح المجتمع بقبائله وتنظيماته وأحزابه ومنظماته، والالتقاء على الثوابت والقواسم المشتركة التي توحد ولا تفرق، وتجمع ولا تشتت وتصلح ولا تفسد، إن عملية الإصلاح بين الناس لا يقوم بها إلا سادة مصلحون, وقادة ربانيون, وزعماء عصاميون, يهدون بالحق وبه يعدلون ولقد حرص الإسلام على جمع الكلمة وتوحيد الصف وإزالة كل أسباب الفرقة والفساد، وأثنى على الذين يقومون بالإصلاح بين الناس وأمر بدعمهم والوقوف إلى جانبهم، فقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم عى الحسن بن علي وأشاد به وهو غلام صغير بسب ما سيقوم به من إصلاح بين طائفتين من المؤمنين وكان هذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته؛ إذ أخبر بأمر لم يتحقق إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم بما يزيد على ثلاثين سنة فقال صلى الله عليه وسلم: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين» ولقد تحقق ونال الحسن بن علي رضي الله عنه هذه المنقبة حين عرض خطة رشد وصلح وجمع الله له كلمة المسلمين وسمي ذلك العام بعام الجماعة، وإن الإسلام ليوجب حقاً مالياً في الزكاة لمن يقوم بالإصلاح ويتحمل تبعات مالية عن الفريقين في سبيل الخير والإصلاح هؤلاء يعطوا من الزكاة ما يسددوا به ما تحملوه تشجيعاً لهم وإكراماً لمساعيهم الخيرية ودعماً لقيم الخير والإصلاح في المجتمع المسلم وهذا صنف من الأصناف الثمانية التي أمر الله أن تصرف لها الزكاة وهم الغارمون، عن قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أساله فيها فقال: «أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» والحمالة: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، مثل أن تقع حرب بين فريقين تسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين ونحو ذلك، فاتقوا الله أيها المؤمنون وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين.

ابتلاء الشر والخير بين الشكر والكفر

لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار، فقد شاءت إرادة الله أن يبتلي أقواماً وشعوباً بالفقر والظروف الصعبة والحروب الداخلية رغم اجتهاد أبناء هذه الشعوب في الكد والعمل الدءوب، ونضالهم في سبيل البحث عن صيغة عادلة للاستقرار السياسي. كما شاءت إرادته أن يبتلي أقواماً وشعوباً أخر

خطبة الجمعة والخطة السنوية

التخطيط لموضوعات خطب الجمعة إجراء له فوائد كثيرة جدا للخطيب وللمستمع وللمجتمع عموما، وفق الآتي: 1_ في السنة خمسون خطبة جمعة تقريبا، وطرح خمسين موضوعا ومفهوما على المستمع أمر يحدث الأثر المطلوب بالتراكم. 2_ الخطة ينبغي ان تكون تصاعدية وتراكمية ومتسلسلة في الموضوعات من أولويا

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف