المصلحون في الأرض (2-8)

التاريخ: السبت 23 مارس 2019 الساعة 09:59:20 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
المصلحون في الأرض (2-8)

من الصفات التي يتحلى بها المصلحون أنهم يتوجهون أولاً إلى إصلاح نفوسهم وتزكيتها ثم يصلحون غيرهم فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، وهذه النفس تحتاج إلى إصلاح وتزكية، لأن التمادي في الشر يجر إلى أوخم العواقب على النفس الإنسانية وعلى المجتمع، ولهذا وعد الله الذين يصلحون أنفسهم، بالغفران والرضى، فقال سبحانه: {فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [المائدة:39] ويخاطب الناس جميعاً ويدعوهم لإصلاح أنفسهم فيقول: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف:35]، ومما يمتاز به المصلحون أنهم في إصلاح دائم وتزكية مستمرة، وتزكية النفس معناها الطهر من الأدناس، والسمو عن النقائص، ووضع النفس في الموضع الطيب الذي يليق بها، لتأخذ عند الله حظها من الرحمة والرضوان، ويكون لها بين الناس نصيباً من الكرامة والاحترام، ومن سعى في صلاح نفسه وتزكيتها وإصلاحها يكون من الفائزين المفلحين كما أخبر الله بذلك في قوله الكريم {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى} [الأعلى:14]، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} [الشمس:9]، إن الاستقامة على أمر الله وإصلاح النفس وتزكيتها صفات يمتاز بها المؤمنون المصلحون وهذه الصفات تفتح باب الأمل للذين تورطوا في الإثم لتغير حياتهم إلى حياة أفضل، وتبعد عنهم اليأس من إصلاح أنفسهم، لأن اليأس إذا تمكن من النفوس يدفعها إلى التدمير والتخريب والإثم والعدوان ويكون أصحاب هذه النفوس معاول للهدم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ومن صفات المصلحين الصدق في التوجه والقصد والصدق في القول والعمل، والثبات على الحق والاستمساك به في غير لف أو دوران، وفي غير ذبذبة ولا مراوغة كما يصنع أهل الشك والنفاق، ومن وقع منهم في شيء من هذه الانحرافات فإنه سرعان ما يرجع عنها ويندم ويستغفر منها ويتوب، كما قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:146]، وبالتوبة والإصلاح والاعتصام بالله وإخلاص الدين له وحده يرتفع شأنهم ويستقيم أمرهم ويكون لهم عند الله أجراً عظيماً، وإن من الصفات الإيجابية الخيرية التي ينفرد بها المصلحون ويتحلون بها الإصلاح بين الناس، إن من الخير العظيم أن يسعى الإنسان مع الناس على الخير، ويعمل جاهداً من أجل القضاء على الفرقة والنزاع، والشقاق والخلاف من المجتمع المسلم، فالإصلاح بين الناس من أهداف الإسلام العظيمة، لأن العداوة بين شخصين ستتطور إلى العداوة بين أسرتين، وكثيراً ما تنقسم الأمة إلى أحزاب وجماعات لاهم لها إلا النكاية والإضرار ببعضها، وقد يتطور الأمر إلى التناحر والاقتتال وسفك الدماء، وما أكثر ما يحصل هذا في بلادنا، فالإصلاح بين الناس صفة من أرفع الصفات التي يتحلى بها المصلحون، والتي لا تصدر إلا من قلوب عامرة بالإيمان والصلاح, أحبت الغير وأصلحت ذات البين، وهل هناك مثل الإصلاح بين الناس، يؤتي الخير والنفع للمجتمع، ويجعل الناس وحدة مترابطة وقوة متمساكة، ولهذا رغب الله المؤمنين وأمرهم بالإصلاح في آيات كثيرة نستعرض بعضاً منها، في الجانب الأسري حيث يقع الاختلاف والخصام بين الزوجين وتتعرض الأسرة إلى الاضطراب والاهتزاز، يأمر الله المصلحين بالمبادرة إلى التحكيم وإصلاح الوضع ودراسة الحالة قبل استعصائها، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } [النساء:35] هذه حالة من الحالات التي تحدث بين الزوجين فإذا استطار الشر بين الزوجين، وبلغت الحال بينهما إلى الخصام وعدم الالتئام ولم ينفع في ذلك وعظ ولا كلام {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا} يكونا عدلين عاقلين يعرفان الأسس التي تقوم عليها الحياة الزوجية وعوامل استمرارها وما يثر على الحياة الزوجية ويسألان كلاً منهما ما ينقم على صاحبه، ويزيلان ما يقدران عليه من الجفوة ويعملان في تقريب وجهات النظر، وترغيب الناقم على الآخر بالإغضاء والتسامح عن الهفوات واحتمال الزلات، وإرشاد كل منهما إلى الرضى والنزول عن بعض حقه، فكم حصل بهذا الطريق من المصالح, وكم تدفع به من الشرور والمفاسد وإن أمكنهما إلزام المتعصب على الباطل منهما بالحق فعلاً، ومهما وجدا طريقاً إلى الإصلاح والاتفاق والوئام بينهما لم يعدلا عنها، إما بتنازل عن بعض الحقوق، أو ببذل مال أو غير ذلك، فإن تعذرت الطرق كلها ورأيا أن التفريق بينهما أصلح لتعذر الاتفاق والملائمة فرقاً بينهما ورغب في ترجيح الاتفاق على الفراق فقال تعالى: {إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} فهما يريدان الإصلاح والله يستجيب لهما ويوفق، وفي صورة أخرى من صور الاختلاف وحالة من الحالات التي توقع الزوجين في الجفوة والخصام، يقول تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:128]، فإذا كان الزوج هو الراغب عن زوجته المعرض عنها فقد أرشد الله في هذه الحال إلى الطريق القويم الذي تستقيم به الأمور، وهو طريق الصلح من المرأة أو وليها ليعود الزوج إلى الاستقامة بأن تسمح المرأة عن بعض حقها اللازم لزوجها على شرط البقاء معه, وأن يعود إلى مقاصد النكاح أو بعضها، كأن ترضى ببعض النفقة أو الكسوة أو المسكن، أو تسقط حقها من القسم، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها بإذنه, فمتى اتفقا على شيء من ذلك فلا حرج ولا بأس، وهو أحسن من المقاصاة في الحقوق المؤدية إلى الجفاء أو إلى الفراق، ولهذا قال تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} وهذا أصل عظيم في جميع الأشياء، وخصوصاً في الحقوق المتنازع فيها، فالمصالحة فيها خير من استقصاء كل منهما على حقه كله، لما في الصلح من بقاء الألفة والحب والتسامح، والصلح جائز بين المسلمين في كل الأبواب في الأموال والدماء وغيرها, إلا صلحاً أحلَّ حراماً أو حرم حلالاً؛ فإنه لا يجوز.

 

إن كثيراً من الأسر تقع بينها مآسي ومشكلات تكبر وتتفاقم ثم لا تجد من العقلاء المصلحين الخيرين من يمد إليهم حبل النجاة والصلح، الصلح خير من الشقاق والجفوة والنشور والطلاق، هذا الصلح يجعل القلوب التي دبت إليها وفيها الجفوة والجفاف تجد نسمة من الندى والإيناس، والرغبة في إبقاء الصلة الزوجية والرابطة العائلية، فعلى المصلحين أن يجتهدوا في الإصلاح والبناء فيقربوا بين المختلفين ويصلحوا بين المتنازعين في الأفراد والأسر وفي المجتمع كله, فإنهم إن فعلوا ذلك وأخلصوا فإن الله يأجرهم ويجزيهم على عملهم خيراً ويهديهم ويصلح بالهم، وفي نجوى الأفراد والجماعات والتنظيمات السرية التي تنشأ في المجتمع، كثيراً ما تكون بعيدة عن الخير والإصلاح، تتآمر على المسلمين وتكيد بهم في الكثير الغالب ولهذا نجد أن الله قد حذرنا ونهانا عن سلوك طريق الإثم والعدوان والتناجي به وأمرنا بعمل الخير والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح بين الناس، كما قال تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، فقد استثنى الله تبارك وتعالى نوعاً من السر والنجوى وذلك أن يجتمع شخص أو أشخاص ويلتقون على الخير يتدارسون أحوال المجتمع ومشكلته ويسهمون في مساعدته وإصلاحه، فيقول أحدهم لصاحبه هلم نتصدق على فلان ونساعده فهو في حاجة ماسة يعملون ذلك في خفية عن الأعين لا يعلم بهم إلا الله، أو هلم إلى معروف قد فقد نفعله ونقيمه ونحض عليه، أو هلم نصلح بين فلان وفلان نقرب بينهما ونقضي على الخصومة والنزاع، يفعلون ذلك بدافع من الإيمان بالله وحب الخير للآخرين وابتغاء رضوان الله، ولهذا قال سبحانه وتعالى: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

 

فما أحوج مجتمعنا الذي يعج بالنزاعات والخصومات والصراعات إلى جهود المصلحين الخيرين، الذين يعطون ولا يأخذون، ويبنون ولا يهدمون, ويصلحون في الأرض ولا يفسدون.

ابتلاء الشر والخير بين الشكر والكفر

لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار، فقد شاءت إرادة الله أن يبتلي أقواماً وشعوباً بالفقر والظروف الصعبة والحروب الداخلية رغم اجتهاد أبناء هذه الشعوب في الكد والعمل الدءوب، ونضالهم في سبيل البحث عن صيغة عادلة للاستقرار السياسي. كما شاءت إرادته أن يبتلي أقواماً وشعوباً أخر

خطبة الجمعة والخطة السنوية

التخطيط لموضوعات خطب الجمعة إجراء له فوائد كثيرة جدا للخطيب وللمستمع وللمجتمع عموما، وفق الآتي: 1_ في السنة خمسون خطبة جمعة تقريبا، وطرح خمسين موضوعا ومفهوما على المستمع أمر يحدث الأثر المطلوب بالتراكم. 2_ الخطة ينبغي ان تكون تصاعدية وتراكمية ومتسلسلة في الموضوعات من أولويا

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف