الرؤية الدعوية

التاريخ: السبت 12 يناير 2019 الساعة 07:08:16 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
الرؤية الدعوية

يعتبر العمل الدعوي من أهم الوظائف الأساسية التي بُعث من أجلها الأنبياء واشتغل عليها المجدّدون واجتهد فيها المصلحون، وهي من أجلِّ الأدوار التي يجب أن تتّجه إليها الحركة بقوةٍ واقتدار باعتبارها جماعة دعوية ورسالية إلى جانب وظيفتها الفكرية والسياسية والمجتمعية، قال الله تعالى: " ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين "(ص:70)، وقد نبّهنا القرآن الكريم إلى ضرورة التخصّص الوظيفي في هذا المجال فقال تعالى: " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.." (آل عمران:104)، وهذا الجهد الدعوي يقتضي تفريغ الإطارات والكفاءات المتخصصة لذلك، مع عدم إقحامها في مجالات عملٍ أخرى قد تأتي على أدوارها الطبيعية، قال تعالى:" فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون "(التوبة:122)، كما أن هذه الوظيفة الدعوية لابد من الاجتهاد فيها والتجديد لها بنظرةٍ إبداعيةٍ معاصرة تواكب حاجات الناس وتملأ الفراغ الروحي والقيمي في المجتمع بآلياتٍ ووسائل فعالةٍ ومؤثرة، قال صلى الله عليه وسلم:" إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدّد لها أمر دينها "، مع الانتباه إلى أن هذه الرؤية التجديدية لا يستطيعها الأفراد بل لابد لها من اجتهادٍ جماعيٍّ مؤسّسي ومنظّم.                                                                                                                                                         وحتى يُقبِل الناس على هذا المشروع الرسالي لابد من إبعاده عن الحزبية الضيّقة فيكون خالصا لله تعالى، بحيث يطمئنّون أنه يسوقهم إليه، مع الحكمة والبصيرة من أجل النّجاح الدعوي، كما قال تعالى:" قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني.."(يوسف:108)، ويكفينا بعد ذلك أن ينخرط الناس في هذا المشروع بفاعلية الالتزام الحقيقي وفق منهج الوسطية والاعتدال. هذه الرؤية الدعوية لابد لها من الانفتاح بها على جميع الإطارات والكفاءات العلمية والدعوية الموجودة على الساحة، وعلى كلّ شرائح المجتمع، واستغلال كلّ المنابر الدعوية والإعلامية والمجتمعية المتاحة ..

 

*) رفع الحالة الدعوية:

 

_ الخلفية الإيديولوجية الضيّقة للدعوة:  والقوالب التنظيمية الكابحة لانطلاقتها، والأساليب والوسائل التقليدية لها، والخلفية الحزبية والقيود النفسية المصاحبة لها، واختزال الدعوة في المكان كالمساجد أو حصرها في الزمان كمرحلةٍ أو احتكارها في الإنسان كإسلاميين دون غيرهم..

 

_ حالة الانقسام وظاهرة الانشقاق وأثرها على الدعوة: دون مراعاة التأهيل الفكري والتربوي لفقه الاختلاف وآدابه، وقد يكون للتعدّد الدعوي بين المدارس الفكرية الكبرى كالسلفية والإخوان والدعوة والتبليغ نوعٌ من التفهّم إذا كان في إطار التنوّع والتكامل لا التنابز والتآكل، ولكن ما لا يُفهم هو التعدّد والانقسام داخل المدرسة الواحدة، وحالة الانشقاق والاختلاف غير المبرّرة مما خدش رمزية الدعوة، وولّد انطباعا سيئا عنها، وأن مردّ ذلك هو الأهواء والصراع والزعامة لا غير..

 

_ التضخّم السياسي على حساب العمل الدعوي: فالأصل أن التنظيمَ مجردُ وسيلةٍ لخدمة الإسلام (الدعوة) والتمكين له وليس العكس، فهناك فرقٌ بين الاحتكام إلى الإسلام والتحكّم فيه، والأصل كذلك أن الوظيفة الدعوية - بما تعنيه كلمة الوظيفة من العمل الدائم والمنظم والمستمر- هي الأساس الذي بُعث من أجلها الأنبياء لإخراج الناس - كلّ الناس - من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: " هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة "..(الجمعة:02). هذه الوظيفة الرسالية والأصلية للحركة قد دفعت بها التعددية الحزبية والأوضاع الأمنية إلى زحزحة أولويتها في الاهتمام والممارسة بسبب طغيان العمل السياسي والانتخابي وما يترتب عليه من التزاحم على الدنيا والتنافس على المناصب والاختلاف في الآراء والمواقف مما عصف بالفعل الدعوي وجعله من أكبر ضحايا الأزمة كما قال صلى الله عليه وسلّم عن فساد ذات البيْن: " ..لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدّين."..فقد تضخّمت الجهود واختُزِلت الأعمال في إقامة الدولة الإسلامية (بالمفهوم السياسي) والتغيير من الأعلى (على مستوى خط السلطة) على حساب جهود إقامة الدّين والتغيير من الأسفل (على مستوى خط المجتمع)، فطغى الاهتمام السياسي على حساب الفعل الدعوي، وأصبح معيار قياس القوة والضعف أو النجاح والفشل هو: الوعاء الانتخابي وليس الوعاء الدعوي، بعيدا عن الكمِّ عددي أو النتائج المادية الملموسة، والله يقول: " ..ما على الرسول إلا البلاغ "(المائدة:99)، وقال عن سيدنا نوح عليه السلام الذي لبِث في قومه داعيا إلى الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما: " وما آمن معه إلا قليل "(هود:40)، وقال صلى الله عليه وسلم:" .. ويأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد "، وكل ذلك لا يطعن في عائدهم الحضاري ولا في جهدهم الدعوي في شيء، ولا يتسبب في حالات اليأس من الانتصارات الوهمية أو الإحباط من الإخفاقات المزوّرة.ونظرا لإصرارنا على المطلب السياسي وهو إقامة الدولة ولو على حساب إقامة الدّين، مع تراجعنا تحت إكراهات الواقع مما أضرّ بالرصيد الجماهيري والحصيلة الرسالية، وأصبح الفعل الدعوي مجرد التذكير بالقيم والإقناع بالثوابت بلغة العواطف ملأً للفراغ وإبراءً لجزءٍ من الذمة.

 

_ إقحام الدعوة والدعاة في التنافس السياسي:

 

مع أن تراكم التجربة والمنعطفات الكبرى والصدمات القاسية كان لابد لها أن تقنعنا بالمراجعات الحقيقية والعميقة من أجل الذهاب بقوةٍ نحو: التمييز التنظيمي والتخصص الوظيفي بين العمل السياسي المختلف فيه والعمل الدعوي المتفق عليه، وعدم استغلال الحضور الشعبي والوعاء الجماهيري للدعاة في العمل الحزبي والدعاية الانتخابية والمنافسة السياسية حتى لا تلتبس على العامة نصاعة الدعوة وقدسيتها بتشوّه العمل السياسي والاختلاف فيه، فتتحمّل الدعوة أخطاء السياسة، ولا يقع التمييز بين الدعوة إلى الله تعالى والدعوة إلى الحزب أو التنظيم..

 

*) تحدّيات الرؤية الدعوية:

 

1_ حبُّ الدنيا وكراهية الموت: فتضيع قيم التضحية والصبر على مشاقِّ المسار من أجل تحمّل الأعباء الدعوية، والقيام بواجب النهوض الحضاري لإعادة عالم القيم إلى دنيا الناس على قاعدة: " قل يا أيها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعا.. "(الأعراف:158). والتربية القرآنية علّمتنا منذ البداية: التصوّر الإسلامي الصحيح لقيمة الدنيا من الآخرة، فقال تعالى: " قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير وأبقى "(النساء:77)، وحذّر الإسلام أن تكون الدنيا مبلغ التنافس بين الناس - ناهيك عن العلماء والدعاة - فقال صلى الله عليه وسلم:" والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ".وهذه النّظرة إلى الدنيا لا تعني: تعطيل العمل فيها وعدم الأخذ بالأسباب لها وتبرير الفشل في عمارتها، فقد سئل الإمام أحمد عن الزهد: هل يكون المرء زاهدا ومعه ألف دينار؟ قال: نعم، قيل: وما آية ذلك؟ قال: آيته إذا زادت لا يفرح وإذا نقصت لا يحزن.

 

2_ ضعف الشعور بالمسؤولية اتجاه الدعوة وفق فقه التغيير: فمن الآفات التي أصابت الدعوة هي: عدم الإحساس بأهمية العمل الدعوي ودوره في الإصلاح والتغيير، والتأثر بالمناهج الأخرى كالتغيير السياسي عن طريق الانتخابات والحصول الأغلبية العددية (الكمية لا النوعية) أو التغيير عن طريق الثورات الشعبية...وغيرها. وقد أثبتت الأيام والتجارب أن المسار السياسي لوحده والفوز في الانتخابات لا يعني بالضرورة: التمكين الحقيقي.. ومع أهمية ودور هذه الوسائل في التغيير إلا أن تغيير النّفوس والتمكين للدّين فيها وبناء الشخصية الإسلامية من الداخل هو الأسلوب الأنجع والأصح من الناحية الشرعية، قال تعالى:   " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. "(الرّعد:11)، وهو المنهج النبوي الذي اعتمد عليه في صناعة الإنسان وإعادة صياغته عن طريق استجابته لنداء الإيمان وتقويم سلوكه بتوجيهات القرآن والاقتداء العملي باتباع سُنّة خير الأنام، وهي الاستجابة التي تنطلق من عمق الفرد عن طريق انشراح الصدر لحلاوة الإيمان واطمئنان العقل لحقائق الوحي.. فالتغيير لا يأتي بمجرد تغيير الأوضاع بقوة الجماهير أو بقوة السلطان، وهو ما اهتدى إليه صلى الله عليه وسلم عندما خُيّر بين أن يكون نبيًّا ملكا (السلطة والسياسة) وبين أن يكون نبيًّا عبدا (الدعوة والرسالة) فاختار الثانية..

 

3_ ضعف الحوافز الإيمانية لممارسة الدعوة: فالدعوة في حقيقة مبعثها وانطلاقتها تشعّ من عمق إيمان الداعية وقوة يقينه فيما يدعو الناس إليه، فقوة الإيمان الحق تقتضي بالضرورة الدعوة إليه..

 

4_ ضعف المبادرات الذاتية والتحفيزات التنظيمية: وهي نتيجةٌ حتميةٌ لضعف الإيمان فتضعف معه المبادرة الذاتية والصفة الإيجابية في حياة الداعية فلا ينهض للقيام بها، مع أنها جزءٌ لا يتجزأ من الواجبات الدينية الملزم بها في كل الظروف والأحوال حتى في أحلك مراحل الدعوة بالتضييق عليها بالسجون كما فعل سيدنا يوسف عليه السلام في سجنه. كما أن ضعف الحوافز التنظيمية والتذكير الدائم بها والبرامج العملية لها والتكوين المستمر عليها وتهيئة البيئة الدعوية لها من طرف الحركة يضعف واجب القيام بها، وهو من أسرار قوله تعالى:" والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.." فوجود الموالاة والنُّصرة والتعاون على الدعوة ووجود الحوافز الجماعية والتنظيمية من أهم أسباب بقاء جدوتها في النفوس..

 

5_ الرؤية التنظيمية الضيّقة للدعوة: فنتيجةٌ للطبقة النخبوية وطغيان العمل الهيكلي المنظم والذي تحوّل إلى هدفٍ في حدّ ذاته، ونتيجةًٍ للتأثّر بالصراعات الإيديولوجية والسياسية وبالعمل السرّي اتجهت الحركة في رؤيتها الدعوية إلى نوعٍ من النخبوية والنزعة الانتقائية في العمل الدعوي فأصبح الهدف منها والذي يُقاس النجاح فيها هو بمدى الانضمام للجماعة أو الانخراط في التنظيم أو الدعم الانتخابي في المواعيد السياسية، وإن كان ذلك مقصدٌ شرعي صحيح في تدعيم الصف كما قال تعالى: " هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين "(الأنفال:62)، إلا أن ذلك يخلّ بالتوازن بين الهدف السياسي والهدف الدعوي.

6_ وَهْم سقوط الواجب الدعوي: فيعتقد البعض أن هذا الواجب يقوم به البعض دون البعض الآخر، أو نقوم به في مرحلة دون مرحلة أخرى، أو في أوقات دون أوقات أخرى، أو في أماكن دون أماكن أخرى، كما يعتقد البعض أن الدعوة قد أصبحت تخصصا علميا أو تخصصا تنظيميا يبرّئ ذمة الآخرين من القيام بواجبها.. كل هذه الأوهام باطلةٌ بقوله تعالى: " قل هذه سبيلي أدع إلى الله على بصيرة أنا ومَن اتبعني.."(يوسف:108)، فلابد من استشعار هذا الواجب في أقوالنا وأفعالنا وأحوالنا.. 

ابتلاء الشر والخير بين الشكر والكفر

لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء واختبار، فقد شاءت إرادة الله أن يبتلي أقواماً وشعوباً بالفقر والظروف الصعبة والحروب الداخلية رغم اجتهاد أبناء هذه الشعوب في الكد والعمل الدءوب، ونضالهم في سبيل البحث عن صيغة عادلة للاستقرار السياسي. كما شاءت إرادته أن يبتلي أقواماً وشعوباً أخر

خطبة الجمعة والخطة السنوية

التخطيط لموضوعات خطب الجمعة إجراء له فوائد كثيرة جدا للخطيب وللمستمع وللمجتمع عموما، وفق الآتي: 1_ في السنة خمسون خطبة جمعة تقريبا، وطرح خمسين موضوعا ومفهوما على المستمع أمر يحدث الأثر المطلوب بالتراكم. 2_ الخطة ينبغي ان تكون تصاعدية وتراكمية ومتسلسلة في الموضوعات من أولويا

الدعوة والدعاة في رمضان

فنحمد الله -تعالى- ونشكره، ونثني عليه بما هو أهله أن أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه، ومنها نعمة إدراك الشهر بما فيه من النفحات العظيمة، والأجور الوفيرة فالعاقل من عرف قيمته، فاغتنم الوقت، وحق على من فضلهم الله - تعالى -، ونوّه بشأنهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم والمفكرين والمثقف