الرحمة.. سمة شريعة الإسلام البارزة

التاريخ: الثلاثاء 8 يناير 2019 الساعة 07:18:36 مساءً

كلمات دلالية :

الرحمة
الرحمة.. سمة شريعة الإسلام البارزة

الرحمة هي خلق عظيم وجليل وجميل من أخلاق هذا الدين، خلق ينبعث من شعور العبد بما يقاسيه غيره من هموم وآلام وأحزان، فيحمله ذلك على الوقوف إلى جانبه، وإسداء المعروف إليه. خلق من أخلاق الأنبياء والمرسلين، وسمة من سمات عباد الله الصالحين. إنه خلق الرحمة والتراحم.

 

التعريف بالرحمة والتراحم:

الرحمة: إرادة إيصال الخير للغير.. والرَّحْمَةُ رقّة تقتضي الإحسان إلى الْمَرْحُومِ.. والرحمة إنعام وإفضال وإحسان.

 

والتراحم بين الخلق يعني نشر الرحمة بينهم، يعني التآزر والتعاطف والتعاون، يعني بذل الخير والمعروف والإحسان لمن هو في حاجة إليه.

 

و الرحمة سمة بارزة في شريعة الإسلام، وخلق رفيع من محاسن الدين، ومقصد من مقاصد بعثة سيد المرسلين إلى العالمين، وبها يتجلى معادن الناس وخيارهم، وبها يتفاضلون في درجاتهم.

 

قال ابن فارس: الرّاء والحاء والميم أصل واحد يدلّ على الرّقّة والعطف والرّأفة. يقال من ذلك رحمه يرحمه إذا رقّ له وتعطّف عليه، والرّحم والمرحمة والرّحمة بمعنى.

 

والرحمة صفة من صفات الله تعالى العلية؛ والمأخوذة من اسمين من أسمائه الحسنى؛ وهما: الرحمن الرحيم، وقد كتبها الله على نفسه المقدسة إذ قال تعالى “كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلـٰـى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ” (الأنعام:54).

 

وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق -وعند مسلم لما خلق الله الخلق- كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي)، وعند البخاري في رواية أخرى: (إن رحمتي غلبت غضبي).

 

وإنه لفضل عظيم من الله أن يجعل رحمته لعباده مكتوبة عليه، كتبها هو على نفسه، وجعلها عهدًا منه لعباده ، كما أن إخباره لعباده بما كتبه على نفسه من رحمته والعناية بإبلاغهم بهذه الحقيقة وعلمهم بها، هي تفضل آخر من الله عز وجل حيث تبعث الاطمئنان في كل ما يمر بالمؤمن من ابتلاءات بأنها ليس تخليًا من الله عز وجل عنه أو طرده جل شانه من رحمتـه وإنما تخفى ورائها الخير كله للمؤمن ، كما أنها تضفي الثقة في أن كل زلة للمسلم سيغفرها الله إن شاء برحمتـــه فلا ييأس أو يقنط من ذنوبه بل يجدد توبته ويزيد من استغفاره ليعود إلى سالف عهده.

 

الرحمة من صفات المولى جل وعلا

لقد وصف الله نفسه بصفة الرحمة في آيات كثيرة في القرآن الكريم ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم صفة الرحمة في جملة من الأحاديث فمن هذه الآيات والأحاديث:

 

1-قال تعالى: “قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..” (الأنعام:12)

 

2- قال تعالى: “وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ” (الأعراف:156).

 

3-قال تعالى: “وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ” (الأنعام:133).

 

4-قال تعالى: “قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ” (الزمر:53).

 

5-قال تعالى: “كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ” (الأنعام:54)، إنها إذا الحقيقة التي لا ريب فيها. يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: قضى سبحانه أنه بعباده رحيم، لا يَعْجَل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وهذا من الله تعالى ذِكرُه استعطاف للمُعرِضين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة، فإذا أضفنا إلى كل ما سبق أن الله وضَّح الهدف من الرسالة والبعثة بأنه فقط رحمةٌ للعالمين، وذلك حين قال: “وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ” (الأنبياء:107)، إذا أضفنا هذا المعنى إلى كل ما سبق أدركنا حقيقةَ أنَّ أقوال وأفعال رسول الله ما هي إلا ترسيخ لمعنى الرحمة التي كتبها الله عز وجل على نفسه، وما هي إلا تطبيق فريد لهذا الخُلُق العظيم في كل كلمة من كلماته، وفي كل حركة من حركاته..

 

إنَّ رسول الله ما بُعِثَ إلا لهذا الأمر، كما تشير الآية، بل إنَّ الطبري رحمه الله يرجِّح أن هذه الرحمة تشمل المؤمنين والكافرين، فيقول بعد أن يعرض اختلاف العلماء في قضية: هل تشمل هذه الرحمة المؤمنين فقط، أم المؤمنين والكافرين؟ “وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب: أن الله أرسل نبيه محمدًا رحمة لجميع العالم، مؤمنهم وكافرهم، فأما مؤمنهم فإن الله هداه به، وأدخله بالإيمان به، وبالعمل بما جاء من عند الله الجنةَ، وأما كافرهم فإنه دفع به عنه عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبة رسلها من قبله”.

 

من صور الرحمة بين الخلق:

الرحمة بالنفس:

أحوج شيء إلى رحمتك: نفسك التي بين جنبيك.. ومن رحمة المرء لنفسه أن يمنعها من كل ما يؤذيها من الأمراض والمهالك. قال تعالى: “وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا” (النساء:29).

 

الرحمة بالأبناء:

أحوج الناس إلى رحمتك أولادك؛ أبناؤك وبناتك، ارحمهم بالرفق بهم، بالتودد إليهم، بحسن تربيتهم ورعايتهم.

 

روى البخاري ومسلم عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: (مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ).

 

روى البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنِّي لَأَقُومُ إِلَى الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ).

 

الرحمة بالأبوين

أحوج الناس إلى رحمتك وشفقتك وإحسانك وبرّك: أقرب الناس إليك، الوالدان: الأم والأب، فارحمهما ولا تعذبهما، وسامحهما ولا تؤاخذهما، وأكرمهما ولا تُهنهما، وتواضع لهما ولا تتكبر عليهما، فتلك وصية من الله إليك؛ قال سبحانه: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا.

 

قال سبحانه: “إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء:23).

 

الرحمة بالأهل:

ومن صور الرحمة ومظاهر الرحمة في الإسلام: الرحمة بين الأهل والأقارب، رحمتك لزوجتك وإخوانك وأخواتك وسائر قرابتك. أن يرحم المرء أهل بيته؛ أن يحسن رعايتهم وعشرتهم، أن يعاملهم باللطف واللين، والمحبة والمودة، أن يسهر على خدمتهم، أن يشبعهم، ويكسوهم، ويسكنهم، ويقدم لهم من الخير ما استطاع، وقبل ذلك كله أن يقودهم إلى الجنة، ويُعرّفهم أبوابها وسبلها، ويقيهم من النار، ويُحذرهم من طرق الضلال التي تقودهم إليها.

 

الرحمة بالضعفاء والفقراء:

من صور الرحمة المشرقة في دين الإسلام: الرحمة بالضعفاء والفقراء. فمن شعائر الإسلام العظيمة: إطعام الطعام، والإحسان إلى الفقراء والأرامل والأيتام، طلبًا لرحمة الله الملك العلام. روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ).

 

الرحمة بالحيوان الأعجم والطيور الصغيرة:

وممَّا جاء به الإسلام من الرحمة، دعوته إلى رحمة الحيوان الأعجم من أن يُجوَّع أو يُحمَّل فوق طاقته! فقد قال صلى الله عليه وسلم في رحمة بالغة حين مَرَّ على بعير قد لحقه الهزال: (اتَّقُوا اللهَ في هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْـمُعْجَمَةِ… ‏فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً، وَكُلُوهَا صَالِحَةً).

 

وقال رجل: يا رسول الله، إنِّي لأرحم الشَّاة أن أذبحها. فقال: (وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ)، ويتجاوز الإسلام الرحمة بالبهائم إلى الرحمة بالطيور الصغيرة التي لا ينتفع بها الإنسان كنفعه بالبهائم، فتراه صلى الله عليه وسلم يقول في عصفور: (مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجَّ‏ ‏إِلَى اللهِ تعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ، إِنَّ فُلاَنًا قَتَلَنِي عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ).

 

إذا فديننا الإسلامي الحنيف سعى إلى إقامة المجتمع المسلم، الذي ترفرف على جنباته رايات الحب والرحمة، وتظلل سمائه سحائب الخير والمودة والرأفة، يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم، كمثل الجسد الواحد، إِذا اشتكى منه عضو، تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى).

الصفح والتسامح وأثرهما الإيجابي على نفسية المؤمن

أصبحت أمراض الاكتئاب والقلق والتوتر هي سمة العصر والضريبة التي يدفعها الإنسان المعاصر لنمط الحياة السائد الآن، بما فيه من تقنيات ووسائل اتصال وإعلام حديثة. فهذه أمراض أصبح يعاني منها الإنسان المعاصر في أي مكان، ولا ترتبط ببلد معين أو مكان معين. فأنماط الحياة الحديثة والسريعة، تك

ولا تقف ما ليس لك به علم

ونحن نعيش في عصر ثورة التواصل والاعلام الرقمي، تشيع الكثير من الأخبار والشائعات التي قد تنال من بعض الأشخاص أو الهيئات الاعتبارية والتيارات ورغم شيوع مواقع التواصل وقدرة أي إنسان على قول ما يشاء، غير أنه ما يزال في مقدور المسيطرين على الدورة الاقتصادية والسياسية فرض هيمنتهم عبر ا

الإحسان إلى الفقراء والمساكين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تُنصـرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟»[1]. يبين لنا هذا الحديث أهمية العناية بالفقراء، وأهمية الترابط بين المسلمين، وقد قال ابن بطال رحمه الله تعالى: "إن الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا".