التمسك بالوهم.. والتعلق بالسراب

التاريخ: السبت 5 يناير 2019 الساعة 07:59:48 مساءً

كلمات دلالية :

التربيةالاخلاق
التمسك بالوهم.. والتعلق بالسراب

أحد الأمور التي تثير أعصابي بحق، وتستفزني بشدة، هي المقولات التي تنم عن حب العمى، عن التمسك بالوهم، عن التعلق بالسراب..

 

وأرى أن هذا المنهج في التفكير هو مرض خطير تجب مكافحته، وقد يكون بعض الذين يفكرون بهذه الطريقة أهل فضل وأصحاب غاية حسنة..

 

سأضرب مثالا (ملتبسا) يوضح ما أقول:

 

قبل أيام قرأت تغريدة تقول: “كيف نقنع أبناءنا بأن التعليم والأخلاق الحسنة أمور ضرورية إذا كانوا يرون أن الذين يحكمون البلاد ويمتلكون الثروات هم الجهلة الذين فشلوا في التعليم، وهم المجرمون الذين يرتكبون المذابح”

 

تعتبر هذه التغريدة مثالا نموذجيا على ما أريد قوله.

 

1- بداية فلا شك أن العلم والخلق الحسن أمر ضروري للإنسان، وقد أمرنا الله به وحثنا عليه.. لكن هذا المبدأ خارج النقاش الآن.

 

2- لكن حين تواجهنا هذه المعضلة في الواقع، معضلة أن التعليم والخلق الحسن لم يعد يؤدي بصاحبه إلى الموقع الطبيعي له في الريادة والقيادة، بل على العكس تماما.. حينئذ ينبغي أن نسأل أنفسنا: كيف حدث هذا؟

 

ينبغي ساعتها أن نسأل: هل التعليم الذي نحصله في المدارس هو العلم الذي ينبغي علينا التحلي به؟ وهل الخلق الذي نريد أن نربي عليه أبناءنا هو فعلا الخلق الحسن الذي أمرنا الله به؟

 

وإذا كان ذلك كذلك، فكيف تفوق علينا وتحكم في رقابنا الأراذل الأنجاس، الجهلة تعليما والسفلة أخلاقا؟

 

إما أن يكون الخطأ في المبدأ نفسه فتكون النتيجة: العلم والخلق الحسن لا يؤدي بالضرورة إلى الريادة والقيادة بل إلى السجن والعقوبة.. والجهل والسفالة هي التي تؤدي إلى القيادة والريادة.

 

أو أن يكون الخطأ في فهمنا نحن لهذه الأمور، فينبغي علينا أن نراجع مفهومنا للعلم ومفهومنا للخلق الحسن

 

وحيث أننا مسلمون والحمد لله، فلن نناقش المبدأ، إذ العلم والخلق عندنا دين.. فبقي أن نناقش التطبيق..

 

هل العلم الذي تلقيناه في المدارس والجامعات هو العلم الذي يُمَكِّننا من فهم الحياة وكيفية التصرف فيها؟ أم قد يكون من وسائل التلاعب بالعقول وتزوير الحقائق؟

 

هل الخلق الحسن الذي نقصده هو الالتزام بالقانون والنظام وتعلم الطاعة والتهذب، فإذا ضُرِبْتُ في المدرسة فينبغي ألا أرد على من ضربني بل أقول “الله يسامحك” وأسكت أو ربما إن أردت استرداد حقي ذهبت متهذبا مؤدبا للمدرس أشكو إليه زميلي؟!..

 

هذا النهج الذي سيتطور مع الفرد فينا حتى يجعله “المواطن الصالح” الذي تريده السلطة: مواطن لا يخالف القانون ولا يفكر في الاعتراض على النظام وغاية ما يفعل أن يتقدم بشكوى إلى الشرطة أو إلى المصلحة الحكومية، وأن يلتزم بحكم القضاء مهما كان فاجرا… إلخ!

 

لئن كان هذا هو الخلق الحسن الذي تربينا عليه والذي نريد لأولادنا أن يتربوا عليه.. فمن الطبيعي جدا أن يتحكم فينا السفلة!.. كما يستطيع بلطجي واحد أن يُذِلَّ جمهرة من الأكاديميين والمثقفين والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعة!

 

في الواقع، البلطجي يفهم من قوانين الحياة وسنن الدنيا وطبائع البشر أكثر بكثير جدا مما يفهمه أولئك المتثقفون المهذبون المطيعون.. إنه جاهل بميزان التعليم لكنه أعلم منهم بميزان الحقيقة!

 

هل الخلق الحسن أن نُقابل دائما السيئة بالحسنة، الظلم بالعفو، الإهانة بالصفح،  السفاهة بالحلم، العنف بالأدب؟ هل هذا مفهوم الخلق الحسن كما هو في الإسلام، أم هذا هو مفهوم الخلق الحسن كما تلقيناه في المدرسة وفي التلفاز وفي البيت الذي ظن آباؤنا أنهم يخدمونا إذا ربونا عليه؟!

 

إن أردتم الحق فأكثر ما ينبغي أن نخشى على أولادنا منه هو المدرسة نفسها: المدرسة كنظام تربية وتدجين، والمدرسة كنظام تعليم..

 

وعبر هذه السنين العشر الماضية فإني أستطيع أن أشهد أن الحديث مع الأميين البسطاء أكثر ثمرة واستقامة ومنطقية وإنتاجا من الحديث مع فئة النخبة المثقفة ذات الفائض في المصطلحات والنظريات والفلسفات والدلالات.

 

لكن هذا ليس مقصودي الآن.. بل مقصودي في هذا المنشور واضح:

 

نحن إذا رأينا أن المجرم السافل السفيه الجاهل استطاع أن يخدع المتعلمين المثقفين وأن يحكمهم ويسيطر عليهم ويجعلهم له خدما أو يُنزلهم السجون ويعلقهم على المشانق.. فعندئذ يجب أن نفكر: هل هو فعلا جاهل؟ أم نحن الجهلة؟..

 

ويجب أن نفكر: هل تعاملنا معه هو الخلق الحسن كما أوصانا الله به ورسولُه أم أننا استبدلنا بدين الله وشرعه وموازينه دينا آخر وموازين أخرى؟!

 

قبل أن نحتار ونحير أبناءنا معنا.. يجب أن نفسر لأنفسنا أولا: كيف حدث هذا فينا؟

 

أما الإصرار على أننا متعلمون، وأننا أصحاب الأخلاق الحسنة.. ومع ذلك انتصر علينا وقهرنا الجاهلُ السافل.. ثم نحن نريد لأولادنا أن يكونوا مثلنا ثم لا نريد لهم بعد ذلك أن تتكرر عليهم تجربتنا.. هذا الإصرار هو استحباب للعمى على الهدى!

 

وجدير بمن استحب العمى على الهدى أن يدفع الثمن غاليا

منهج التثبت: خلق الأسوياء ومنهج الأنبياء

عندما أخبر الهدهد نبي الله سليمان عليه السلام أنه جاءه من سبأ بنبأ يقين، كان الموقف الحكيم الذي اتخذه سليمان هو الالتزام بالمنهج العلمي في التعامل مع الأخبار؛ باختبارها والتثبت من صدقها من مصادر أخرى وإخضاعها للنظر والتأمل و التحليل المنطقي "قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ ك

التدين الرقمي ومشيخة التقنية!

مع ظهور ثورة التكنولوجيا الرّقميّة، التي صاحبها ثورة معرفيّة وثقافيّة ضخمة؛ أصبح الإنترنت بتطبيقاته الهائلة وإمكاناته الّلامتناهية، وبخدماته التي تتميز بالسرعة والدّقة وسِعة التخزين العالية؛ جزءاً لا يتجزأ من مكون مجتمعاتنا المعاصرة، حيث بسط نفوذَه وسلطَته على جميع مناحي الحياة،

تجديد الخطاب الدعوي في عصر الثورة الصناعية الرابعة

تحدثنا في مقال سابق عن الحاجة إلى تجديد روح التدين ونؤكد اليوم أن الحاجة إلى تجديد روح التدين تستلزم تجديد الخطاب الدعوي فما أحوجنا اليوم إلى خطاب دعوي جديد يستوعب المتغيرات العاصفة التي يعيشها هذه الجيل بعد الثورة الرقمية والثورة الصناعية الثالثة ويستشرف آفاق الثورة الصناعية الر