الرحمة في حياتنا

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 8 ديسمبر 2018 الساعة 05:54:02 مساءً

كلمات دلالية :

الرحمة
الرحمة في حياتنا

الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اهمية الرحمة :

أيها المسلمون، الناس في حاجة إلى كَنَف رحيم، ورعاية حانية، وبشاشة سمحة، هم بحاجة إلى وُدٍّ يسعهم، وحلم لا يضيق بجهلهم، ولا ينفر من ضعفهم، في حاجة إلى قلب كبير، يمنحهم ويعطيهم، ولا يتطلع إلى ما في أيديهم، يحمل همومهم، ولا يثقلهم بهمومه.

إن تبلُّد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة بهيمية أو أحطّ، الإنسانُ بغير قلب رحيم أشبه بالآلة الصماء، وهو بغير روح ودود أشبه بالحجر الصلب.

إن الإنسان لا يتميّز في إنسانيته إلا بقلبه وروحه، لا في أكوام لحمه وعظامه. بالروح والقلب يحسُّ ويشعر، وينفعل ويتأثر، ويرحم ويتألم.

الرحمة ـ كمال في الطبيعة البشرية، تجعل المرء يرقّ لآلام الخلق، فيسعى لإزالتها، كما يسعى في مواساتهم، كما يأسى لأخطائهم، فيتمنّى هدايتهم، ويتلمّس أعذارهم.

الرحمة صورة من كمال الفطرة وجمال الخلُق، تحمل صاحبها على البر، وتهبّ عليه في الأزمات نسيماً عليلاً تترطّب معه الحياة، وتأنس له الأفئدة.

القرآن يحدثنا عن الرحمة:

ان الرحمة من صفات الله عزَّ وجلَّ قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً} [الكهف:58].ورحمة الله خير من كل شيء قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف:32]. ورحمة الله قريب من المحسنين قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56]. ورحمة الله واسعة قال تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:156].والرحمة من صفات الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159]

مظاهر الرحمة :

ومع أن الرحمة فطرة مستقيمة، وصفة عظيمة فطر الله عليها، فقد أكّدها الإسلام، وأوجب على المسلمين التحلي بالرحمة والاتصاف بها؛ لأن الإسلام دين الرحمة، فتعاليمه لتحقيق الخير والعدل والرخاء والحق والسلام، والعبودية لله رب العالمين، ولدحض الباطل، واجتثاث جذور الشر، قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وَمَا أَرْسَلْنَـاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـالَمِينَ) [الأنبياء:107.وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي ، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) رواه البخاري ومسلم ، ورواه أحمد من حديث أبي سعيد وزاد: (ومن لا يغفر لا يُغفر له)

ايها الاخ الحبيب :فأولى الناس برحمتك أبوك وأمك فبرحمتك لهم تبرهم وتحسن إليهم وتسارع في مرضاتهم، وتخفض لهم جناح الذل من الرحمة لا سيما عند كبرهم وحاجتهم وضعفهم، ثم تستمر رحمتك لهم بعد موتهم بالدعاء لهم والاستغفار لهم والصدقة عنهم وصلة رحمهم وأحبابهم.

ومن أولى الناس بالتراحم الزوجان قال تعالى في شان الزوجين (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فبالتراحم فيما بينهم تظلهم السعادة وتبسط علهيم أكنافها وتظلهم بظلالها فيقوم كل منهما بالحقوق التي عليه بنفس راضية وهمة قوية، وبالرحمة يتغاضى عن كثير من النقص، ويتجاوز عن كثير من الحق الذي له حتى تستقيم الحياة الأسرية.

ومن مواضع الرحمة ومواطنها الأولاد ولا سيما في طفولتهم فهم من أحق الناس بالرحمة والرأفة واللطف ومن مظاهر رحمتهم الانفاق عليهم وحسن رعايتهم وإظهار المحبة لهم بالتقبيل والتعبير عنه بالكلام فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذهب إلى البيت الذي يسترضع فيه ابنه إبراهيم فيقبله ويشمه رواه البخاري. وكان يقبل الحسن بن علي. ابن بنته فاطمة رضي الله عنهم. وكان يحمل أسامة بن زيد والحسن بن علي ويقول : (اللهم إني أُحبُّهما فأَحِبَّهما) رواه البخاري

ومن أولى الناس برحمتك أقاربُك ذوو رحمك فالرحم مشتقة من اسم الله الرحمن من وصلها وصله الله برحمته ورضوانه ومن قطعها قطعه الله والعياذ بالله ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  قَالَ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ ” رواه أحمد والترمذي.

فتعاهدهم بالصلة والزيارة ومشاركتهم في أفراحهم ومواساتهم في أحزانهم كل ذلك من مظاهر الرحمة وآثارها.

بل إن الإسلام شمل برحمته حتى الطيور فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرة – وهي نوع من الطير – معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرة، فجعلت تعرِش – أي ترفّ بجناحيها – فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من فجع هذه بولديها؟ رُدوا ولديها إليها)ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: ((من حرّق هذه؟)) قلنا: نحن يا رسول الله، قال: ((إنه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلا رب النار)) رواه أبو داود، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتخذ شيئاً فيه الروح غرَضاً) رواه البخاري ومسلم، وعن الشريد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول(من قتل عصفوراً عبثاً، عجّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني منفعة)رواه النسائي وابن حبان.

أيها المسلمون، ألا ما أحوج البشرية إلى هذه المعاني الإسلامية السامية، وما أشد افتقار الناس إلى التخلق بالرحمة فان العقبة الكئُود يحتاج اقتحامها الى رحمة حتى يؤخذ بك يوم القيامة ذات اليمين إلى الجنَّة، إذ يقول الله سبحانه: ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ )

عندما تضيع الرحمة :

عباد الله: إنَّ الرحمة إذا انتزعت من القلوب, فإنَّ الظلم والعدوان, والإثم والبغي, يحلُّ بين الناس, والجشع والطمع, وحبَّ الذات, واستعباد الناس, يضرب بأطنابه بينهم؛ لحلول القسوة مكان الرحمة, فتكون القلوب أشدُّ قسوة من الحجارة الصماء وأظلم سواداً منها.

 إنَّ مظاهر القسوة والظلم بدا واضحاً جلياً في ظلِّ الأحداث الراهنة, يراها الناس صباح مساء، ويسمعون أنين البؤساء؛ فكم ترمَّلت من نساء؟ وكم انتهكت من أعراض؟ وقُتِّلَ أطفالٌ وشُرِّدوا, وأعدِمَ كهولٌ, وأهملوا؟ وحوصر عُزَّلٌ حتى ماتوا جوعاً, وكم دنَّسة كرامة الإنسان, وسلبَة حقوقه, فتشرَّد  ملايين من المسلمين من أوطانهم.

كيف نحقق الرحمة:

1-     أن يرحم العبدُ غيره من المخلوقات: ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من لا يرحم الناس لا يرحمه الله"، وفي السنن: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".

2-     اتباعُ كتاب الله والعمل به؛ قال تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). فأهل الاتباع والانقياد هم أولى الناس للرحمة.ومنها: الاستماع والإنصات عند تلاوة القرآن، قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) فقلي بربك: هل يكلفك الاستماع والإنصات لكلام ربك شيئًا؟! فقط استمع وأنصت للقارئ لتنال رحمة ربك.

3-     الاستغفار، كما قال تعالى: (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) 

4-     إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).

5-     دعاء الله بحصولها باسمه الرحمن الرحيم أو غيرهِ من أسمائه الحسنى، كأن تقول: يا رحمن: ارحمني، اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شي أن تغفر لي وترحمني إنك أنت الغفور الرحيم، ومن ذلك الدعاء الوارد في قوله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً)، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)،

أُخَيَّ كُنْ رحيمًا لنفسك ولغيرك ولا تَسْتَبِدَّ بخيرك، وارحم الجاهل بعلمك، والمحتاج بجاهك، والفقير بمالك، والكبير باحترامك، والصغير برأفتك، والعُصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقربُ الناس من رحمة الله أرحمُهم بخَلْقه، فمَنْ كَثُرَت منه الشفقةُ على خَلْقه، والرحمةُ على عباده -رحمه الله- برحمته، وأَدْخَلَه دارَ كرامته، ووقاه عذابَ قبره، وهولَ موقفه، وأظَلَّه بظله.

 

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح

النظرة الايجابية واثرها

الحمد لله الذي أمر عباده بالجد والاجتهاد، والسعي لما فيه مصلحة العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك جعل السعي إلى الكمال الإنساني طبيعة بشريّة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، علّم أمته معاني الهمّة والعزيمة، والايجابية وغرس فيهم قوة الإرادة والشكيمة