مغناطيس القلوب

التاريخ: الأحد 18 نوفمبر 2018 الساعة 07:03:39 مساءً

كلمات دلالية :

الاخلاق
مغناطيس القلوب

أرأيت الحديد كيف يستسلم لجاذبية المغناطيس، فكذلك القلوب لها مغناطيس يجذب بعضَها إلى بعض مهما اختلفت، مغناطيسٌ جاذبيتُه من نوعٍ خاصٍّ، إنها جاذبيةٌ تكمن قوَّتُها في حملها لمفتاح باب القلب، تُرى ما هو ذلكم المغناطيس؟ وما سِرُّ قوَّته؟

 

تعالَ معي إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يهتف بنا، دونكم مغناطيس القلوب، مَنْ يملك مفتاح أبوابها فيفتح مغاليقها ((أولا أدُلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفْشُوا السلام بينكم))[1].

 

إنها وصفة تملأ الحياة حبًّا ووِدادًا، ضمانٌ من محمد صلى الله عليه وسلم لمن التزم السلام، وداوم على إفشائه، أن يكون محبوبًا، فتُقبِل عليه القلوب، ويألفه كل مَنْ يُعاشِرُه، فما أحوجنا في حياتنا المعاصرة إلى هذه الوصفة النبوية في بيوتنا مع زوجاتنا وأبنائنا وفي مجتمعنا مع جيراننا وأقاربنا، وفي أماكن وجودنا مع زملائنا وأصدقائنا!

 

سأل رجلٌ أحد الحكماء، فقال له: بيني وبين زوجتي خلافٌ وشقاق ونفرة، فقال: له سلِّط عليها السلام، سارعَ الرجل بتطبيق الوصية، فما هي إلا أيام وإذ بالقلوب تأتلِف والمودَّة تُخيِّم على حياته.

 

تأمَّل معي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأنس رضي الله عنه حين قال: ((يا بني، إذا دخلت على أهلِكَ فسلِّم فتكون بركة عليك، وعلى أهل بيتك))[2].

 

فما بالكم ببيت تحلُّ فيه البركة، كيف ستكون حياة أهله؟!

 

ما بالكم بزوج مبارك، وأسرة مباركة، كيف تكون حياتهم؟! بركة في البدن، وبركة في العمر، وبركة في الأرزاق، وبركة في العيش والعشرة، ألا ما أطيب الحياة وأسعدها حين يلهج أهلها بالسلام، إنه يملأ الحياةَ حبًّا وودادًا وأُلْفةً، ويملؤها خيرًا وطيبًا وبركة! فهيَّا ننشُر في أرجاء حياتنا رسول الحُبِّ.

 

السلام يملأ حياتك بالأمن فتسلم من الشقاق والفرقة والخلاف، ويُخيِّم عليها المحبَّة والهناء والصفاء والسلامة بضمان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: ((أفشوا السلام تسلموا))[3]؛ أي: ((تسلموا)) من التنافر والتقاطع، وتدوم لكم المودة، وتجمع القلوب وتزول الضغائن[4].

 

بل إن الرب جل وعلا جعل مَنْ يُفشي السلام في بيته في ضمانه ورعايته، فيسلم وتسلم أسرته من كل سوءٍ وشَرٍّ وفتنة؛ فعن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل))، وذكر منهم: ((ورجل دخل بيته بسلام، فهو ضامن على الله عز وجل))[5]، ومعنى ((ضامِنٌ على الله))؛ يعني: وعد الله وعدًا لا خلفَ فيه أن يعطيَهُم مرادَهم[6].

 

السلام هدية ربانية لمن أراد حياة الأنس والسرور والسعادة والهناء، تأمل قول الله جل وعلا: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [النور: 61]

 

تأمل فقوله جل وعلا: ﴿ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فيها من الخيرات والبركات والرحمات وطيب الحياة ما لا يخطر للعبد على بال؛ ولذلك قال في وصفها بقوله: ﴿ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾؛ أي: تملأ حياة المحافظ عليها بالأمن والسلامة والخير العميم، وتجتذب إليه القلوب فتطيب له الحياة فيسعد ويُسعِد، ولعل هذا هو السر في كونها أولَ أمرٍ كلَّفَ الله به أبانا آدم عليه السلام؛ حيث قال جل وعلا: ((اذهب فسلم على أولئك من الملائكة، فاستمع ما يحيُّونك، تحيَّتك وتحيَّة ذُرِّيَّتِك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله ... ))[7].

 

السلام يجعل صاحبه أولى الناس بحفظ الله ورعايته وخيراته وبركاته؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام))[8].

 

السلام ليس مصاحبًا لك في رحلتك الدنيوية فحسب؛ بل هو أول ما يطرق سمعك عندما تُفارق هذه الحياة، ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 32]، وأول ما يطرق سمعك عندما يفتح لك باب الجنة فتلج ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزمر: 73]، وأول ما يطرق سمعك عندما تنعم في الجنة باجتماع شمل المحبين ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 23، 24]، فلله كم في السلام من الخيرات والبركات التي تنعم بها في الحياة وبعد الممات.

 

إطلالة:

 

أفشِ السلام تنل ضمانة ربِّنا

بالطيب والبركات يصحبها الهنا

فقلوب مَنْ تهوى تُرفرف فرحةً

ويزُورُها سعد المحبَّة والمنى

تلقاهمُ ببشاشةٍ وطلاقةٍ

وتحية قُدسية من ربِّنا

من كان يلهج بالسلام تحيَّةً

كُلٌّ بفيض الحب منه قد دنا

وبيوت من تُفشِي السلام قريرةٌ

والحبُّ في تلك الديار تمكَّنا

_______________

[1] رواه مسلم.

[2] رواه الترمذي وحسنه الألباني.

[3] رواه الإمام أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني.

[4] فيض القدير (2/ 22).

[5] رواه أبو داود، وصحَّحه الألباني.

[6] المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 81).

[7] رواه البخاري.

[8] رواه أبو داود، وصححه الألباني.

الصفح والتسامح وأثرهما الإيجابي على نفسية المؤمن

أصبحت أمراض الاكتئاب والقلق والتوتر هي سمة العصر والضريبة التي يدفعها الإنسان المعاصر لنمط الحياة السائد الآن، بما فيه من تقنيات ووسائل اتصال وإعلام حديثة. فهذه أمراض أصبح يعاني منها الإنسان المعاصر في أي مكان، ولا ترتبط ببلد معين أو مكان معين. فأنماط الحياة الحديثة والسريعة، تك

ولا تقف ما ليس لك به علم

ونحن نعيش في عصر ثورة التواصل والاعلام الرقمي، تشيع الكثير من الأخبار والشائعات التي قد تنال من بعض الأشخاص أو الهيئات الاعتبارية والتيارات ورغم شيوع مواقع التواصل وقدرة أي إنسان على قول ما يشاء، غير أنه ما يزال في مقدور المسيطرين على الدورة الاقتصادية والسياسية فرض هيمنتهم عبر ا

الإحسان إلى الفقراء والمساكين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تُنصـرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟»[1]. يبين لنا هذا الحديث أهمية العناية بالفقراء، وأهمية الترابط بين المسلمين، وقد قال ابن بطال رحمه الله تعالى: "إن الضعفاء أشد إخلاصًا في الدعاء وأكثر خشوعًا في العبادة؛ لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخرف الدنيا".