واجب العلماء وطلبة العلم نحو الدعوة

التاريخ: الأحد 18 نوفمبر 2018 الساعة 06:50:13 مساءً

كلمات دلالية :

الدعوة
واجب العلماء وطلبة العلم نحو الدعوة

أهل العلم هم أئمة الناس وقدوتهم لِمَا أتاهم الله من العلم، ولما أخذ عليهم من ميثاق البيان وترك الكتمان، فهم المقدمون وأول المكلفين وأعظمهم واجبًا ومثوبةً وتبعةً، والناس لهم تبع، فيجب على أهل العلم - بما بعث الله به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق ـ من الدعوة فيما يتعلق بالعلم، وكيفية العمل، وكشف الشبهات، ورد الضلالات، وبيان أحكام النوازل والحوادث الجديدة، والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم؛ ما لا يجب على غيرهم.

 

فإن الله تعالى قد أمر عامة المسلمين وخاصتهم بالرجوع إليهم فيما لا يعلمونه من أمر دينهم بقوله: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، وأخذ على أهل العلم الميثاق بالبيان وترك الكتمان بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾ [آل عمران: 187]، وتوعدهم على الكتمان أو التقصير في البيان مع القدرة إن لم يتوبوا بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159، 160].

 

وذلك لأن أهل العلم بالهدى ودين الحق اللذيْن جاء بهما النبي صلى الله عليه وسلم هم خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في أمته وفي دعوته وحفظ سنته وبيان شريعته لعباده، فإن العلماء ورثة الأنبياء، وقد ثبت في الصحيح من غير وجهٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين للناس ـ في خطبته يوم عرفة جُملًا من العلم ـ أرسى فيها قواعد الملة وجلَّى أحكام الشريعة، ووضع ـ أي: أبطل ـ أمور الجاهلية، قال: «ألا هل بلغت؟»، فقالوا: نعم. فقال: «اللهم اشهد»، وأشار بأصبعه السبابة إلى السماء، ثم نكتها عليهم، ثم قال: «ألا فليبلِّغ الشاهدُ الغائبَ»[1]. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله عز وجل بلجام من نار يوم القيامة»[2].

 

وكل من آتاه الله تعالى حظًّا من العلم وفهمًا صحيحًا للدليل على وجهه يدرك به المراد فهو عالم بذلك، فيجب عليه تبليغه لمن لا يعلمه، ودعوته للعمل به، ولا سيما عند سؤاله أو الحاجة الشديدة إلى ما عنده، ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عني ولو آية» الحديث[3]، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نضَّر الله امرأ سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»[4]. ومن المقرر عند أهل العلم بالأصول: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأنه يجوز تأخير البيان لوقت الحاجة.

 

فيجب على ورثة النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته وخلفائه في أمته من تعليم الجاهل، وإجابة السائل، وتذكير الغافل، ودلالة المجتهد في الخير على أفضل أنواعه وأوقاته، والشهادة للمحسن بإحسانه، وإنكار المنكر، ورد البدعة، وكشف الشبهة، وتفنيد الضلالة والبشارة والنذارة، والنصح للأئمة والأمة عند المناسبة والحاجة، بحسب ما أُوتوا من العلم والقدرة، فإنه بنشر العلم للناس تحيا السنن، وتموت البدع، ويظهر المعروف، وتبين شناعة المنكر، وتقوم الحجة على الحق، وبهذا يُحفظ الدين ويُنشر ويظهر، ويُدفع الباطل ويزهق، وتقوم حجة الله على العالمين، ويهدي الله من يشاء من الثقلين.

 

فيجب على أهل العلم والإيمان وخلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته في البيان من الرجال والنساء من الجن والإنس أن يدعوا إلى الإسلام، وأن يُفقِّهوا إخوانهم في الدين، وأن يفشوا العلم، وأن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن يتناهوا عن الإثم والعدوان، وأن يقولوا بالحق أينما كانوا ما استطاعوا، وأن لا تأخذهم في الله لومة لائم، فلا يُحابوا أميرًا، ولا يهابوا كبيرًا، ولا يراعوا غنيًّا، ولا يحتقروا مأمورًا، ولا يغفلوا صغيرًا، ولا يغمطوا فقيرًا، ولا يهملوا محبوسًا أو أسيرًا، فالكل عباد الله، يجب أن ينصحوا ويهدوا إليه ليؤدوا حقه، فيتَّقوا العذاب، ويفوزوا بالثواب، فما أسعد من تسبب في عتق الرقاب من النار ودخولها جنات تجري من تحتها الأنهار، فلعل من ثوابه أن يكون من أول المعتقين وأسعد الفائزين بالقرب من رب العالمين؛ لأنه طالما دعا إليه وهدى إليه وجاهد فيه، والله تعالى يحب المحسنين ولا يضيع لديه أجر المصلحين المحسنين، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، ويا أرحم الراحمين!

 

ولقد قام الصحابة رضوان الله عليهم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته في الدعوة إلى الله تعالى وتبليغ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم خير قيام، ولمّا اتسعت الفتوح واشتدت الحاجة إلى العلم تفرق الصحابة رضوان الله عنهم في الأمصار، يعلِّمون العلم، وينشرون السنن، ويفقِّهون الداخلين في الإسلام، وهكذا التابعون وأتباعهم بإحسان وأئمة الهدى من بعدهم وأتباعهم بإحسان، قاموا ببيان دين الله تعالى لعباده ودعوتهم إليه إلى يومنا هذا، وبذلك وصل إلينا العلم ونقل العمل، فرحمة الله عليهم وجزاهم عنا خير الجزاء، ونسأل الله تعالى أن نكون حلقة في سلسلة سند العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعده إلى من بعدنا حتى يأتي الله بأمره، لنكون من المبلِّغين عن الله دينه، الهادين عباده إليه، اللهم اجعلنا منهم؛ بل من أئمتهم بوجهك الكريم، يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين.

______________________

[1] أخرجه البخاري برقم (1741)؛ ومسلم برقم (1679).

[2] أخرجه أحمد في المسند برقم (8328)؛ وأبو داود برقم (3658).

[3] أخرجه البخاري برقم (3461).

[4] أخرجه الترمذي برقم (2656)؛ وأبو داود برقم (3660)؛ وأحمد في المسند برقم (21080).

‎خطبة الجمعة بين التوظيف السياسي والأمر بالمعروف

‎خطبة الجمعة بين التوظيف السياسي لمحاربة التغيير وبين واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يذهب ملايين المسلمين كل جمعة ألى المساجد لسماع موعظة خطبة الجمعة، ولكنهم في الغالب لا يسمعون إلا كلاماً مكرراً مملولا، يدعوهم إلى طاعة الحكام والإخلاص لهم والثقة بهم وإن أفسدوا وغيروا وبدّ

جهاد اللسان والبيان.. الجهاد الدعوي والإعلامي

من أنواع الجهاد المفروض على المسلم ومراتبه: الجهاد باللسان، وذلك بالدعوة إلى الإسلام وبيان محاسنه، وإبلاغ رسالته، بلسان الأمم المدعوَّة ليبيِّن لهم، وإقامة الحُجَّة على المخالفين بالمنطق العلمي الرصين، والردُّ على أباطيل خصومه، ودفع الشبهات التي يثيرونها ضدَّه، كل إنسان بما يقدر

اسأل.. ولا تخف!

كانت عائشة – رضي الله عنها – تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمَّا يُشْكِل عليها من أمور الدين، فسمعته صلى الله عليه وسلم مرة يقول: «من نوقش الحساب عُذِّب»، فقالت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: ٨]؟ فقال: «ذلك العرض»[1]. ولَـمَّا سمعته