(1) بناء القلب اولاً

التاريخ: السبت 13 يناير 2018 الساعة 06:37:10 مساءً

كلمات دلالية :

البناء
 (1)  بناء القلب اولاً

الحمد لله، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وبيَّن له صراطه المستقيم، وأعانه على بلوغه بعقل قويم، وقلب سليم، وأشهد أن لا إله إلا الله الرحمن الرحيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمداً عبده ورسوله ، صان فؤاده عن كل شيطان رجيم، صلى الله وسلم وبارك عليه، وزاده من التعظيم ، وعلى آله، وصحبه الذين عمروا قلوبهم بحب مولاهم الكريم والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد :

اهمية القلب :

ايهاالمسلمون :ان القلب هو خط الدفاع الأول والأخير، فإذا ضعف القلب أو فسد أو استسلم انهارت الجوارح!! القلب أمير الجسد وملك الأعضاء، فهو راعيها الوحيد وقائدها، وإنما الجوارح والحواس تبع له وآلات تصدع بما تؤمر، ‏فلا تصدر أفعالها إلا عن أمره، ولا يستعملها في غير ما يريد، فهي تحت سيطرته وقهره، ومنه تكتسب الاستقامة أو الزيغ، وبين القلب والاعضاء صلة عجيبة وتوافق غريب بحيث تسري مخالفة كل منهما فوراً إلى الآخر، فإذا زاغ البصر فلأنه مأمور، وإذا كذب اللسان فما هو غير عبد مقهور، وإذا سعت القدم إلى الحرام فسعي القلب أسبق، وقال لمن يؤم من المصلين: «استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (صحيح مسلم)، فأعمال الجوارح ثمرة لأعمال القلب، والخلاصة: القلب هو خط الدفاع الأول والأخير، فإذا ضعف القلب أو فسد أو استسلم انهارت الجوارح.

اهتمام القرآن بالقلب

فالقلب نُسِبَ له في القرآن الكريم أشرفُ الأعمال، وخُصَّ بأمور لم تكن لغيره من الأعضاء، فالحق تبارك وتعالى خَصَّه بوظيفة التعقُّل والتفقُّه: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ [حج: 46]، ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179]، وأنزل القرآن على القلب: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ [الشعراء: 193، 194]. ونُسِبَ إليه الإيمان والهداية: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11]؛ واللهُ ألزَمَ عبادَه بقيام الحجة عليهم؛ إذا توفَّرت القُدرة على الإدراك، وعلى الفعل، فحاسب عباده بما منحَهم مِن وسائل الإدراك وهي: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]. فامتنَّ على عباده في غير ما آية بأنْ مَنَحَهُمُ القُدرة على الإدراك، والاستعداد لقبول العلوم؛ وفهمها وتخزينها بداخلهم، واستذكارها متى احتاجوا إليها. كما نُبِّهوا إلى أن الصدود عن الغاية التي خُلِقَت لأجلها وسائل الإدراك يُعَرِّضها للعقاب؛ بأن لا يتجاوز دورُها ما تؤدِّيه في غيرها مِن البهائم.

اعظم نعمة على الانسان صلاح قلبه :

أيها المسلم، إن القلب الصالح هو القلب الخاشع الوجل اللين لذكر الله، الرحيم بعباد الله، الموعود الأجر والثواب العظيم، يقول الله جل وعلا: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ* أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال:2-4]، وذو القلب اللين الرقيق في عباد الله ممن وعدوا بجنة الله، يقول صلى الله عليه وسلم: "أهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل حليم رقيق القلب على كل قريب ومسلم، ورجل عفيف متعفف ذو عيال". روه مسلم

روى ابن ماجة في سننه بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله أي الناس أفضل ؟ قال : كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب ؟ قال : هو التقي النقي الذي لا إثم فيه، ولا بغي ، ولا غل، ولا حسد. ) ولما كان في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب، كان القلب موضع نظر الرب، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم). فالقلب موضع نظر الرب .

ان الاهتمام بإصلاح قلوبنا أمر في غاية الأهمية، إن إصلاح القلوب يترتب عليه صحة الأعمال، وصحة السيرة، وصحة التصرفات، والسلوكيات، وكثير من التناقضات إنما تحدث من المخالفة، من مخالفة الباطن للظاهر، والظاهر للباطن.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله: إذا وافقت السريرة العلانية فذلك العدل، وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية، فذلك الفضل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور، وهذا الظلم.

اكبر مصيبه يصاب بها الانسان مرض قلبه :

عباد الله، إن القلوب تقسو، فتكون كالحجارة أو أشد قسوة، فتبعد عن الله وعن رحمته وعن طاعته، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، الذي لا ينتفع بتذكير، ولا يلين لموعظة، ولا يفقه مقالة، فيصبح صاحبه يحمل في صدره حجرًا صلدًا لا فائدة منه، ولا يصدر منه إلا الشر.

ان مرض الجسم ينتهي بالموت، لكن مرض القلب يبدأ بعد الموت، مرض الجسم ولو كان عضالاً ينتهي بالموت، وقد يكون صاحبه في أعلى الجنات، وانتهى الأمر، .

 لكن مرض القلب يبدأ بعد الموت ويشقي صاحبه إلى أبد الآبدين، لو كنا منطقيين لوجدنا أن أخطر أمراض الجسد أثره محدود في الحياة الدنيا، بينما أمراض القلب تشقي صاحبها إلى أبد الآبدين، فلذلك ينبغي أن ترتعد فرائصنا من أمراض القلب لأنه: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )[سورة الشعراء : 88-89] وقال الحسن البصري رحمه الله : فساد القلوب متولد من ستة أشياء، أولها: يذنبون برجاء التوبة، ويتعلمون العلم ولا يعملون به، وإذا عملوا لا يخلصون، ويأكلون رزق الله ولا يشكرون، ولا يرضون بقسمة الله، ويدفنون موتاهم ولا يعتبرون.

القلب الميت الذي لا حياة به، فهو لا يعرف ربَّه، ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه؛ بل هو واقف مع شهواته ولذَّاته، ولو كان فيها سخط ربِّه وغضبه، وهذا هو قلب الكافر، قال - تعالى -: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)  [الأعراف: 179].

القلب المريض يصاب بالقلق والخوف؛ قال - تعالى -: ( سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ) [آل عمران: 151].

القلب الفاسد تهوان القبائح عليه والرغبة في المعاصي، قال - تعالى -: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 204-205]، وقال - تعالى -: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].

طرق صلاح القلب:

ايها الاخوة المسلمون :يقول  الله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ) [الزمر:22-24].

أيها المؤمنون: في الآية السابقة لهذه الآيات بيّن الله تعالى أنه يُنَزّل الماء من السماء، فيُنْبِتُ به للناس زرعًا مختلفًا ألوانه، وفي هذه الآيات يبيّن أنه أنزل ذِكْرًا تَتَلَقّاه القلوبُ الحيّة، فتَتَفَتّح وتنشرح، وتتلقّاه القلوب القاسية، كما تَتَلَقّاه الصخرةُ القاسية التي لا حياة فيها ولا نَدَاوَة.

نعم، إن الله تعالى يشرح للإسلام قلوبًا يعلم منها الخير، ويَصِلُها بنوره فتُشرِق به وتستضيء، والفرق بين هذه القلوب وقلوب أخرى قاسية فرق بعيد: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) [الزمر: 22]. حقًّا إن الصدور التي يشرحها الله تعالى للإسلام، ويمدّ لها من نوره ليست قطعًا كالقاسية قلوبهم من ذكر الله، وشَتّان شَتّان بين هؤلاء وأولئك، والآية عامّة فيمن شرح الله صدره بخلق الإيمان فيه.

وروى مُرّةُ عن ابن مسعود قال: قلنا: يا رسول الله: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر:22]، كيف ينشرح صدرُهُ؟! قال: "إذا دخل النورُ القلبَ انشرح وانفتح"، قلنا: يا رسول الله: وما علامة ذلك؟! قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغُرور، والاستعداد للموت قبل نزوله". فذكر -صلوات الله وسلامه عليه- خِصَالاً ثلاثة، ولا شكّ أن من كانت فيه هذه الخِصَال فهو الكامل الإيمان، فإن الإنابة إنما هي أعمال البِرّ؛ لأن دار الخلود إنما وُضِعت جزاءً لأعمال البِرّ، ألا ترى كيف ذكره الله في مواضع من تنزيله، ثم قال عَقِب ذلك: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [لقمان:14].

ايها الاخوة :وصفاء القلب من كل الحقد والغل والحسد والشماته وغيرها  فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: “يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، فقال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاَ غير أنه إذا تعارّ وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً. فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق رواه الإمام أحمد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- سلسلة خطب بناء الذات :