تنبيه الغافلين (1)

التاريخ: الخميس 28 ديسمبر 2017 الساعة 03:50:09 مساءً

كلمات دلالية :

الغافلين
تنبيه الغافلين (1)

تخيم فترات من الظلام على حياة الأفراد والأمم .. يحلوا فيها الكسل، وتخبوا فيها الهمم، لكن تظل كثير من المفاهيم والثوابت منارات على قارعة الطريق، يهتدي بها من يريد أن يفلت من هذه الحالة الحالكة، وتكون بمثابة القشة التي يبحث عنها الغريق، يتلمس بها النجاة، أو كنجوم السماء تدل على الطريق للسائر في الظلام.

تلك المفاهيم والثوابت لا تتغير ما دام الليل والنهار، وما دامت السماوات والأرض، تناساها البعض وتنكر لها آخرون، ولذلك لا غرابة أن تتداعى الأمم علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها، وفي هذه الفترة الحرجة من حياة الأمة الإسلامية، يتحتم علينا العودة إلى تلك المفاهيم والثوابت، نعيشها قولا وعملا، كي نعود إلى المجد المفقود، ونخرج من عالم الأزمات إلى مقدمة ركب الحضارة والتقدم.

وعلى غرار قاعدة {وذكر فإن الذكري تنفع المؤمنين} نعيش في هذه الأسطر القليلة مع بعض هذه المفاهيم والثوابت، نذكر النفس ونذكر أمتنا بطريق المجد الذي غاب عنا وغبنا عنه.

العدل روح الأمم وحياة الشعوب

العدل أساس الملك، وفي الحكمة: «لعن الله قوما ضاع الحق بينهم» .. فما من دولة يتفشى فيها الظلم إلا ويبدأ فيها الانهيار، وتحل عليها عقوبة الله تعالى {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة إن أخذه اليم شديد}[هود:102]

ولقد ذم الله تعالى حمية الجاهلية، التي كان التعاون فيها على الإثم والعدوان أقرب من التعاون على البر والتقوى، وكان الحلف على النصرة في الباطل قبل الحق، وها هو شاعرها يقول:

وهل أنا إلا من غزيه إن غوت            غويت وإن ترشد غزيه أرشد

يقول شيخ الإسلام ابن تيميه: الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يروى: ( الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة ).

ويقول أيضا: إن العدل نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق، وإن لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزي به في الآخرة.

إن لله تعالى حمى هي محارمه وللعباد حقوقا وواجبات وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن تكون الدولة هي الحارس الأمين الذي يدافع عن حمى الله حتى لا ينتهك، وهى التي تحفظ للناس حقوقهم حتى لا يجور بعضهم على بعض، فإذا اعتدى فرد على فرد أو فريق على فريق آخر طالته يد العدالة، لأن الله يذع بالسلطان ما لا يذع بالقرآن.

ولم يجعل الإسلام الالتزام بالعدل أمر خاص بالحكام، فحسب بل أمر كل إنسان بالعدل في جميع أموره التي يزاولها سواء في ذلك ما يتصل بالأسرة أو القرابة أو الجار أو غير ذلك، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والأمير راع، والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده. فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» [متفق عليه]

يقول ابن علان في شرح ذلك الحديث: أي كلكم حافظ مؤتمن ملتزم صلاح ما أتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه.

قال الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء:58].

يقول القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا )

وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وإن تلوا أو تعرضوا فان الله بما تعملون خبير } [النساء:135]

وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } [المائدة:8]

قال الشعبي: أخذ الله عز وجل على الحكام ثلاثة أشياء: أن لا يتبعوا الهوى، وألا يخشوا الناس ويخشوه، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا.

والعدل الحق لا يكون إلا بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء التي تضمنت العدل كل العدل في إعطاء الحقوق لأصحابها، وتنظيم العلاقات بين الناس تنظيما عادلا، وإن من أكبر الظلم وأخطره أن يتعدى الحاكم على حق من حقوق الله تعالى، فيقوم بالتشريع للأمة التي يرعاها، وفي هذا يكون ظالما لنفسه وللرعية التي تحت يديه.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

- ( ليس من وال أمة قلت أو كثرت لا يعدل فيها إلا كبه الله تبارك وتعالى على وجهه في النار) [رواه أحمد]

- ( ما من أمير عشيرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه إلا العدل أو يوبقه الجور) [رواه أحمد]

- ( اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دمائهم واستحلوا محارمهم ) [رواه مسلم]

( من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين ) [متفق عليه].

وللعدل صور شتى منها القيام بمنع الظلم وإزالته عن المظلوم، ومنع انتهاك حرمات الناس وحقوقهم المتعلقة بأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وإزالة آثار التعدي الذي يقع عليهم، وإعادة حقوقهم إليهم، ومعاقبة المعتدى عليهم بما يستحقه من العقوبة .

ومن صوره أيضا فض المنازعات والخصومات بين المسلمين وإعطاء كل ذي حق حقه وتعين القضاة الأكفاء لتحقيق ذلك ومراعاة حقوق أهل الذمة.

ومن صوره أيضا القيام بحق أفراد الشعب في كفالة حرياتهم وحياتهم المعيشية حتى لا يكون فيهم عاجز متروك ولا ضعيف مهمل ولا فقير بائس ولا خائف مهدد.

ومن صوره أيضا التسوية بين الناس في المعاملة، ومكافأة جهودهم بحسبها، وإسناد الأعمال والوظائف لمن يستحقها، وعدم المفاضلة والتمييز بينهم تبعا للهوي والمصلحة الشخصية أو غير ذلك من الأسباب غير الشرعية، وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (من ولى من أمر المسلمين شيئا فولى رجلا لمودة أو قرابة بينهم فقد خان الله ورسوله والمسلمين).

ومن صوره أيضا ألا تتدخل مراكز الناس الاجتماعية وأنسابهم في خضوعهم لمقتضى العدل، فالشريعة الإسلامية تطبق على كل أحد لا فرق في ذلك بين شريف وغيره، ولا بين حاكم ومحكوم، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) [رواه البخاري].

تجانست تلك المبادئ العادلة بكيان المسلمين، وعندما كانوا أهل التزام بها أنشئوا أعظم حضارة عرفت العدل في تاريخ البشرية.

أخرج ابن عساكر قال: كتب عمر بن الخطاب إلى فيروز الديملي -رضي الله عنه-: ( أما بعد: فقد بلغني أنه قد شغلك أكل اللباب بالعسل، فإذا أتاك كتابي هذا فأقدم على بركة الله فاغز في سبيل الله ) فقدم فيروز، فاستأذن على عمر -رضي الله عنه- فأذن له، فزاحمه فتى من قريش، فرفع فيروز يده فلطم أنف القرشي، فدخل القرشي على عمر مستدمى، فقال له عمر: من فعل بك؟ قال: فيروز، وهو على الباب. فأذن لفيروز بالدخول، فدخل، فقال: ما هذا يا فيروز؟ قال يا أمير المؤمنين: إنا كنا حديثي عهد بملك، إنك كتبت إلى ولم تكتب إليه، وأذنت لي بالدخول ولم تأذن إليه، فأراد أن يدخل في إذني قبلي فكان منى ما قد أخبرك، قال عمر: القصاص. قال فيروز: لابد؟ قال: لابد. فجثي فيروز على ركبتيه وقام الفتى ليقتص منه. فقال له عمر -رضي الله عنه-: على رسلك أيها الفتى حتى أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وهو يقول: ( قتل الليلة الأسود العنسي الكذاب، قتله العبد الصالح فيروز الديلمي )

أفتراك مقتصا منه بعد أن سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال الفتى: قد عفوت عنه بعد أن أخبرتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا، فقال فيروز لعمر: افتري هذا مخرجي مما صنعت إقراري له وعفوه غير مستكره؟ قال: نعم. قال فيروز: فأشهدك أن سيفي وفرسي وثلاثين ألفا من مالي هبة له.

إن غياب العدل في أمة وتمتع بعض الأفراد بمزايا وحقوق دون الآخرين نذير شؤم على تلك الأمة ينشئ فيها كثيرا من السلبيات فمنها على سبيل المثال:-

- الظلم يولد في نفس أبناء الأمة الغل والحقد والحسد بين بعضهم البعض، مما يؤدى إلى فقد التراحم والتعاون والتآزر كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا، وتظهر الفردية وروح الأنانية فيصبح كل فرد حريص على مصلحته الشخصية قبل مصلحة المجموع. 

- ظهور سلوكيات شاذة بين الأفراد من التطرف الفكري والعملي، ويسهل على المرء الجنوح إلى كل ما هو بغيض، فيستحل الخوض في عرض أو مال أخيه بلا وجه حق، ويستمرئ سفك الدماء لأدنى شبهة تحت العديد من الدعاوى كالإصلاح والتحرير وغيرها.

- هجرة النابغين من أبناء الأمة أصحاب الهمم العالية من علماء ومتخصصين ومثقفين وباحثين وغيرهم إلى أقطار أخرى، يتمتعون فيها بالحرية الفكرية والعملية، وينالون حقوقهم كاملة غير منقوصة، وينعمون بلذة الابتكار والإبداع والعطاء، ويبقى الغوغاء الذين لا هم لهم إلا الجري وراء الملذات والشهوات، وهم أهم معاول الهدم لأي وطن، فالعدل حقا روح الأمم وحياة الشعوب لا طريق إلا طريقه ولا نجاح إلا به.