الاعتزاز برموز الأمة

التاريخ: الخميس 2 نوفمبر 2017 الساعة 07:15:40 مساءً

كلمات دلالية :

العلماء
الاعتزاز برموز الأمة

في إطار الوقوف على المقومات العشرة للأمة الإسلامية، انتهينا في المناسبة السابقة إلى المقوم الرابع، وهو التحلِّي بالآداب الشرعية السامية، والأخلاق النبوية العالية، فجعلنا الصدق محورًا لفهم عمق هذه الأخلاق النبيلة، التي بها ساد الأوائل، وفتحوا الدنيا، وطبقت شهرتهم الآفاق: الصدق في الأقوال، والصدق في الأفعال، والصدق في الأحوال، لا تلون ولا روغان، ولا تحايل ولا زَوَغان، ولا ظلم ولا بهتان، قلوبُهم من الأحقاد صافية، وصدورهم من الأضغان خاوية، ونفوسهم عن الدخن سامية، وعقولُهم لصالح الأعمال ساعية.

 

وموعدنا اليوم إن شاء الله تعالى مع المقوم الخامس، مقوم أصبح الاعتناء به في زماننا ضرورةً ملحة، وصار الاهتمام به من مستلزمات الحفاظ على كياننا، وإثبات وجودنا، والدفاع عن هُويتنا وشخصيتنا، إنه الاعتزاز برموز أمتنا: مَن تعلَّموا ليرفعوا الجهل عنا، وبذلوا الغالي والنفيس لنسعد في حياتنا، مَن حافظوا على تراثنا ومقدساتنا لنرفع بها اليوم بين الأمم هاماتِنا، من عاشوا ذل الدنيا فقرًا وشَعَثًا، من أجل أن نستمتع بدنيانا، ونقوى على لَمِّ شَعَثنا، مَن استرخصوا أنفسهم لنستبقيَ نفوسنا.

صحبوا الخلائقَ بالجسوم وإنما ♦♦♦ أرواحُهم في منزل فَوقاني

 

إنهم علماؤنا، وفقهاؤنا، ومجتهدونا، من بصموا آثارهم على تاريخنا، وأسهموا في بناء حضارتنا.

وإن الإنسان مجبول على إكنان التوقير والتقدير للرموز التي يعتقد قوتها وعظيم أثرها، حتى الحائدون عن طريق الحق، الزائغون عن الهدي السليم، لهم شخصيات يقدِّسونها، ورسوم يجلُّونها، كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ﴾ [مريم: 81]، وقال تعالى: ﴿ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الشعراء: 44].

 

بل إن المنافقين غالوا في الاعتزاز برموز غير المسلمين، حبًّا وإشادةً وتعظيمًا، قال تعالى: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 138، 139].

 

إنها تجارة الانتساب التابع لهوى النفس، عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: انتسب رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان، فمن أنت لا أمَّ لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انتسب رجلان على عهد موسى عليه السلام، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان، حتى عدَّ تسعةً، فمن أنت لا أمَّ لك؟ قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام: أنَّ هذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتمي أو المنتسبُ إلى تسعة في النار، فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المنتسبُ إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثُهما في الجنة))؛ أحمد وهو في صحيح الجامع.

 

ولئن ارتبط القرآن الكريم باسم أحد حفَّاظه، وهو زيد بن ثابت رضي الله عنه، واشتهر عثمان بن عفان رضي الله عنه بجمعه وإثبات رسمه، فقد اشتهر اسم الإمام البخاري جامعًا للحديث الشريف، مصنِّفًا له أحسن تصنيف، مبوبًا له أجمل تبويب، بعد أن سلخ من عمره ستة عشر عامًا، منكبًّا على تنقيحه وتهذيبه، متنقلًا بين الأمصار لجمعه والتثبت من صحته، لا يسمع بشيخ في الحديث إلا رحل إليه، مهما بعُدت الشُّقة؛ ليختبره ويأخذ عنه، حتى بلغ عدد شيوخه أكثر من ألف شيخ، قال رحمه الله: "كتبت عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث".

 

وقال عن رحلاته في طلب الحديث: "دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد".

 

قال يحيى بن جعفر: "لو قدرت أن آخُذَ من عمري، وأزيده في عمر محمد بن إسماعيل، لفعلت؛ فإن موتي يكون موت رجل، وموتَ محمد بن إسماعيل ذَهابُ العلم".

 

وقال له تلميذه الإمام مسلمٌ بعد أن قبَّل ما بين عينيه: "دعني أقبِّل رجليك، يا أستاذ الأساتذة، وسيِّد المحدثين، وطبيب الحديث في علله".

 

أما كتابه الصحيح، فقد طبق الآفاق، وانتشر في الأمصار، حتى لا تكاد تجد مكتبة عامة ولا خاصة إلا ويقع منها موقعَ القلادة من العنق، وهو مما تلقَّته الأمة بالقبول، فلا كتاب أذيع بين الناس بعد كتاب الله منه، ولا كتاب لقي من عناية العلماء والفقهاء مثل ما لقيه؛ لاعتقاد المسلمين الجازم بأن ما فيه هو يقينًا أقوالُ وأفعال وتشريعات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

قال شيخ الإسلام عن الصحيحين: "جمهور متون الصحيحين متفقٌ عليها بين أئمة أهل الحديث، تلقَّوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علمًا قطعيًّا أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها"، وقال أيضًا: "ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن".

 

بل بلغ يقين الإمام الجوينيِّ رحمه الله بصحة ما في كتابي البخاري ومسلم أنْ قال: "لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكَمَا بصحته من قول النبي صلى الله عليه وسلم، لما ألزمتُه الطلاقَ، ولا حَنَّثْتُهُ؛ لإجماع علماء المسلمين على صحتهما".

 

هذا هو الإمام البخاري، وهذا كتابه الصحيح، الذي كتب الله له القَبولَ في الأرض، فشرَحَه أكثرُ من خمسين من كبار العلماء، وألِّفت حوله مئاتٌ من المختصرات، والمستدرَكات، والمستخرَجات، والتعليقات، ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: 4].

 

يقول صلى الله عليه وسلم: ((يَحْمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، ينفُونَ عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المُبْطِلين، وتأويلَ الجاهِلين))؛ أحمد وصححه في المشكاة، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ))؛ أحمد، وهو في صحيح الجامع.

 

غير أن بعض أبناء بلدنا خرَجوا عن الجماعة، وقرَّروا أن يكيلوا طعنات مسمومة للإمام البخاري، آخرُ صيحاتها وصفُه بأنه شخصية وهمية لا وجود لها في التاريخ، قاصدين انفراط عِقد المصدر الثاني من مصادر تشريعنا، وهو السُّنة النبوية؛ ليجد التلاعبُ بتفسير كلام الله طريقَه، وليسلكَ المغرضون المتربصون مسلك قطع الوشائج مع مصادر تشريعنا، وأصول تديننا، فيفقدَ المسلمون توازنهم، ويعدموا بوصلتهم، وتهونَ عليهم هُويَّتُهم، فلا يجدوا أمامهم إلا تشريعات الغرب الزائفة، وبهرجتهم الزائلة، ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 27].

 

ونحن من هذا المنبر، لا نرضى بأن يكون من بيننا من يستغل صيحات حرية التفكير والتعبير، فينهال على مقدَّساتنا بمعاول الهدم والتشنيع، ويعتدي على رموز أمَّتنا بالطعن والتشكيك؛ لأننا نعد دفاعنا عن أئمتنا دفاعًا عن عقيدتنا، وشريعتنا، وهويتنا، ووحدة وطننا، بل إننا بذلك ندافع عن أنفسنا وأمتنا، ولا نسمح بتطاول من يريد أن يمزق أديم هذه الوحدة بتهويشات مغرضة، أو أن يخرق جدار هذه الوشيجة بتهويمات زائفة، وضلالات مشوشة.

 

قال حذيفة رضي الله عنه: "إن الضلالة حقَّ الضلالة، أن تَعرِفَ ما كنت تُنكِر، وأن تُنكر ما كنت تعرِف، وإياك والتلوُّنَ في دين الله تعالى؛ فإن دين الله واحد".

 

وقال ابن حزم رحمه الله: "لا آفة على العلوم وأهلها أضرُّ من الدخلاء فيها وهم من غير أهلها، فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويُفسدون ويظنون أنهم مصلحون".

 

وليعلم هؤلاء الجُرَآء أن لهم سلفًا في هذا الطعن عند من قال: "فصحاح العامة - يقصد أهلَ السُّنة - كلُّها وجميعُ ما يرْوُونه: غير صحيح"، وعند المعتزلة، الذين ردوا بعقولهم أحاديث الشفاعة، وأحاديث الصفات، ورؤيةَ الله في الجنة، وعند المستشرقين الذين غاظهم ما عليه المسلمون من حق، فودُّوا لو انقلبنا على ديننا مثلهم، فكنا لمعتقداتهم تُبَّعًا، ولأفكارهم وتجنيحاتهم رُتَّعًا، كما قال تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109]، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

صحيحُ البخاريِّ لو أنصَفُوه

لما خُطَّ إلا بماء الذهبْ

هو الفرق بين الهُدى والعمى

هو السدُّ بين الفتى والعطبْ

به قام ميزانُ دينِ النبي

ودان به العُجْمُ بعد العربْ

أهمية التوازن بين التواصل الاجتماعي الحقيقي والتواصل الافتراضي

رغم الإنجازات الكبيرة التي حققته مواقع التواصل في الافتراضي الرقمي في تسريع الاتصال وتقريب المسافات إلا أنها كرست العزلة والانطواء في الحياة الواقعية مع تشجيع الكسل و تعميق القلق فضلاً عن تأثيرها السلبي في اضعاف ملكات الذكاء العاطفي والاجتماعي التي تنمو بالتواصل الاجتماعي الحقيقي

التخلف التربوي

حينما نتحدث عن التربية فإننا نتحدث عن مستقبل الأمة ورجالاتها القادمين فالجيل الصالح الذي يخضع لتربية حسنة يصنع أمة ذات قيم وأخلاق والجيل الفاسد الذي لا يخضع للتربية أو يخضع لتربية فاسدة يكون نتاجه أمة مهزوزة فاسدة تعاني من التخلف التربوي الذي يفسد جذوتها. وينشأ ناشئ الفتيان في

أمراض الأمة وطريق النصر

لا بد أن يقف المسلمون وقفة صادقة مع أنفسهم يفتشون عن أدوائهم الخطيرة.. لماذا يفعل أهل الأرض بنا ما يشاءون ونحن نزيد على المليار؟ لماذا لا يأبه بنا أهل الشرق أو أهل الغرب؟ لماذا نزع الله سبحانه المهابة منا من قلوب أعدائنا، ولماذا ألقى في قلوبنا الوهن والضعف والخور؟ افتقر المسلم