وقفات مع سورة الفرقان

التاريخ: الإثنين 14 اغسطس 2017 الساعة 11:07:53 مساءً

كلمات دلالية :

القرانالفرقان
وقفات مع سورة الفرقان

سنَّة الله في اختيار الرسل وعادة المكذبين المستكبرين

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا * وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا * أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان: 20 - 24].

 

المناسبة بين هذا المقطع وسابقه:

 

بعد ذكر الدافع الحقيقي لتكذيبهم القرآنَ المجيد، واتخاذهم الموقفَ المعادي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسَوق الشبه والتهم إليه، واستطرد إلى ما يقع يوم القيامة من ألوان العذاب لأمثالهم، عاد السياق في هذا المقطع إلى رد شبهتهم مباشرة ببيان سنّة الله في المرسلين، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً من الرسل، وليس هو الرسول الوحيد المختار من البشر بل جميع الأنبياء كانوا على شاكلته يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق لتتحقق حكمة الله تعالى في ابتلاء الناس.

 

المعنى الإجمالي:

 

لا تلقِ بالاً يا محمد لما يقول هؤلاء عنك، فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون، وقد اصطفاك ربك لحمل رسالته إلى العالمين، وإن الله مبتليك بهذا التكليف ومبتلٍ بك، فلا تتردد في المضي لتبليغ رسالة ربك.

 

فلست بدعاً من الرسل، وما جرى على أنبياء الله ورسله من قبلك جار عليك، من التكذيب والاتهام والإخراج والقتال، ولكن العاقبة للمتقين ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]. ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ... ﴾ [الأحقاف: 35].

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ ﴾ [إبراهيم: 42 - 43].

 

إن هذه الدار دار ابتلاء وفتنة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة للمشركين إذ زعموا أن حاله مناف للرسالة فلم يؤمنوا به[1]، وكان حال المؤمنين في ضعفهم فتنة للمشركين إذ ترفعوا عن الإيمان بالدين الذي يسويهم بهم، فقد كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأضرابهم يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمار بن ياسر وصهيب وبلال ترفعوا علينا إدلالاً بالسابقة، وهذا كقول صناديد قوم نوح: لا نؤمن حتى تطرد الذين آمنوا بك، فقال نوح عليه السلام ﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [هود: 29 - 30].

 

وقال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ * وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ [الأنعام: 52 - 53].

 

ولما طلب رؤوس الكفر تخصيصهم بمجلس ليسمعوا من رسول الله لا يحضره الضعفاء والفقراء أنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

 

إن هذا التلوين في المطالب التعجيزية نابع من نفوسهم المملوءة كبراً وعناداً وأشراً وبطراً قد سدت منافذ النور إلى قلوبهم الخاوية، لا يعلمون سنن الله في هذه الحياة الدنيا، ولا يعرفون بين الممكن وغير الممكن، ولا يدركون عواقب الأمور وما يترتب على مطالبهم... يطلبون إنزال الملائكة عليهم، والملائكة لا تنزل على الأرض إلا بمهمة، إما التأييد والنصرة لأولياء الله، أو إنزال العذاب على أعداء الله.

 

فهؤلاء القوم يعرفون أنفسهم، فليسوا بأولياء الله، فنزول الملائكة عليهم ليس في صالحهم. ولو نزلت عليهم الملائكة على صورتها الحقيقية كيف يكون الموقف؟ ألا تنخلع قلوبهم من الفزع والرعب والهيبة فقد خلقت الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ويزيد الله في خلقهم ما يشاء. ويسد الجناحان من أجنحتها ما بين المشرق والمغرب، فهل يطيقون رؤيتها عندئذٍ.

 

إن الإنسان مخلوق ضعيف لا يستطيع الصمود أمام عجائب مخلوقات الله وكان من رحمة الله به أن أخفى عنه أموراً كثيرة وجعلها من عالم الغيب حتى تستقيم حياة الإنسان على هذه الأرض.

وطلبوا ثانية أن يروا ربهم، ولم يعلموا أن هذا مستحيل في الحياة الدنيا، وهذا يدل على عدم علمهم بالممكن والمستحيل في هذه الحياة الدنيا، ولو كان لهم علم بالنبوات والرسالات لقرؤوا في تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم ما يصرفهم عن هذا السؤال: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 143].

 

وفي وقائع تاريخ بني إسرائيل ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 55 - 56].

 

لقد تجاوز القوم حدودهم وبلغ الطغيان بهم مدىً بعيداً، فتطاولوا إلى مالا ينبغي التطاول إليه، ولولا أن الله أرسلك يا محمد رحمة للعالمين، فأجَّل العقوبة العاجلة عن الناس، لأنزل عليهم الملائكة بالعذاب ولكن ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: 33].

 

فقل لهم: إنكم سترون الملائكة يوم القيامة ولكنها رؤية تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار، فلا بشرى يومئذٍ لكم أيها المجرمون، وستستجيرون ولا مجير، وتستعيذون ولا ملجأ ولا محجر، وكعادتهم عند الوقائع المخيفة الرهيبة ستقولون حجراً محجوراً، وعوذاً معيذاً ولا محجر ولا معاذ من الله المنتقم الجبار[2].

 

أما ما اغتر به السفهاء من قولهم: إنا نطعم الطعام ونقري الضيف ونحن سدنة بيت الله، فلن تنفعهم يوم القيامة، فقد عوضوا عنها في حياتهم الدنيا بالصحة والجاه والأمن في الديار.

أما قاعدة التوحيد، ومفتاح الشهادتين (لا إله إلا الله محمد رسول الله) فمن لم تكن لديه هذه البطاقة لا يعتد بعمله، ويكون عمله هباءً منثوراً لا استقرار له ولا وجود[3].

 

أما أصحاب بطاقة التوحيد والعمل الصالح، فهم آمنون مستقرون في أحسن هيئة وفي خير مقام وأفضل مقيل. في رحمة الله خالدون.

 

المناسبة بين المقطع الرابع والمحور في السورة:

 

من الملاحظ أن المقطع يبدأ بأمر له صلة مباشرة بالمحور، ثم يكون الاستطراد إلى جوانب تحمل المخاطبين من المعاندين المستكبرين على إعادة النظر في مواقفهم تجاه هذا الأمر الأساس، فالمقطع هنا بدأ ببيان سنّة الله في الرسل، وأنهم من البشر ويعتورهم ما يعتور البشر من الأكل والشرب والسعي لكسب القوت، ثم كان الاستطراد لبيان واقع القوم، وأن استكبارهم وطغيانهم دفعهم إلى أن يطلبوا من الرسول رؤية الله أو إنزال الملائكة عليهم، فجاء الرد عليهم في صيغة وعيد وتهديد، ليقلعوا عن عنادهم وطغيانهم، وأنهم مفتونون بدنياهم وعليهم أن يفكروا في رسالة رسولهم وفي واقع أمره ليدركوا صدقه.

________________________

[1] روى الإمام مسلم بسنده عن عياض بن حمار المجاشعي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ذات يوم في خطبته: "ألا إن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مالٍ نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان، وإن الله أمرني أن أحرّق قريشاً، فقلت: رب إذاً يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، قال: استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسةً مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. قال: وأهل الناس خمسة: الضعيف الذي لا زَبرَ له، الذين هم فيكم تبعا ًلا يبتغون أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب، والشنظير الفحَّاش...". (صحيح مسلم) بشرح النووي كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها - باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار - أول حديث : 17/ 196 -199، المطبعة المصرية بالأزهر - ط الأولى - 1349هـ.

 

[2] قال الخليل وأبو عبيدة: كان الرجل إذا رأى الرجل الذي يخاف أن يقتله في الأشهر الحرم يقول له: حجراً محجوراً، أي حرام قتلي، وهي عوذة.

 

انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور: 19/7.

 

[3] قال ابن كثير في تعليل جعل أعمالهم هباء منثوراً: "وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصاً وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معاً فتكون أبعد من القبول حينئذٍ". انظر تفسير القرآن العظيم: 3/ 314.

القرآن ليس نصا مغلقا

جاء القرآن الكريم ليصلح ذوات الصدور وليبين للناس طريق القسط والعدل فيما بينهم، وليبصرهم بالمعاد، هو إذن كتاب هداية وتشريع، فهو ليس قانونا جامدا هدفه تبيان ما يفعل وما يترك في واقع الناس فقط، بل هو مع ذلك رسالة إلى القلوب توقظها من رقاد الغفلة عن الأسئلة الوجودية الكبرى حول أصل هذ

من أسرار القرآن

- ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ) (الأنفال: 30) . هذه الآية الكريمة جاءت في أواخر النصف الأول من سورة \"الأنفال\" , وهي سورة مدنية , وآياتها خمس وسبعون (75

تأملات " إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا"

تأملات في قوله تعالى" إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَك