اكتمال اركان الاسلام بحجة الاسلام

خاص عيون نت

التاريخ: السبت 8 يوليو 2017 الساعة 10:59:14 مساءً

كلمات دلالية :

الاسلام
اكتمال اركان الاسلام بحجة الاسلام

الحمد لله، الحمد لله الذي هدى للحق، وجعل الكعبةَ للمُسلمين قبلةً، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه على كل فضلٍ وخيرٍ ونعمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له نُقِرُّ بألوهيَّته ورُبوبيَّته وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه تركَنا على المحجَّة البيضاء خيرِ نِحلَة، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وصحبِه الذين اختارهم الله وذبُّوا عن الدين وطهَّرُوه من كل فِرية وسلم تسليماً كثيرا.

وبعد: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:197

أيها المسلمون: يقترب منا هذه الأيام موعد فريضة من فرائض الله التي افترضها علينا سبحانه وحث عليها في كتابه، كما حث عليها رسوله –صلى الله عليه وسلم- وندب إليها، هذه الفريضة هي فريضة الحج إلى بيت الله الحرام التي هي ركن من الأركان التي قام عليها بناء الإسلام العظيم، وركيزة من الركائز المهمة لهذا الدين الحنيف، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". متفق عليه. الحج إلى بيت الله الحرام وأداء مناسكه المعروفة أمر فرضه الله سبحانه على عباده، وشعيرة قديمة من شعائر الله، كان ابتداء أمر الحج في عهد نبي الله إبراهيم -عليه السلام-، فهو الذي بنى البيت، وأمره الله سبحانه بدعوة الناس إلى الحج؛ قال تعالى:(وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج:26-29].

أذَّن إبراهيم -عليه السلام- بالحج فاستجاب الناس لهذا الأذان، وأمّوا البيت زرافات ووحدانًا، رجالاً وركبانًا ومنذ أن نادى نبي الله إبراهيم -عليه السلام- ذلك النداء الذي تردد في أرجاء الكون صارت تلك الديار القاحلة الشديدة الحرارة، ذات الجبال السود، بأمر من الله وتدبير منه سبحانه، وإجابة لدعاء خليله -عليه السلام-؛ صارت مهوى لأفئدة المسلمين، تحن إليها قلوبهم، وتشتاق إليها أفئدتهم،ذلك الدعاء الذي رفعه إبراهيم -عليه السلام- عندما ترك زوجه وولده بذلك الوادي المقفر الذي ليس به شجر ولا بشر، فقال مشفقًا مبتهلاً:(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم:37] فصار الناس منذ ذلك الحين ومنذ تلك الدعوة يهوون إلى ذلك المكان على مر السنين والأيام، ليس هذا فحسب، بل صار ذلك الوادي ملتقى للمسلمين من كل مكان، وبقعةً مباركة تتكدس فيها الخيرات من كل حدب وصوب؛ استجابة أيضًا لدعاء الخليل الذي قال فيه: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [البقرة:126]، وبقي الحج إلى البيت الحرام والطواف بالبيت على ما أرساه إبراهيم -عليه السلام- من دين الحنيفية السمحاء ردحًا من الزمن، ثم حُرفت مناسكه وضاعت ملامحه التي كانت على عهد إبراهيم حتى جاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فعاد الحج عبادة إسلامية، تقوم على توحيد الخالق، وتبتعد عن كل شرك أو وثنية .

عبادَ الله: إنّ منزلةَ الحجّ عند الله عظيمة، ومكانتَه في الدين كبيرة، أوجبَه الله بقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ) [آل عمران:97].وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "العمرةُ إلى العمرة كفّارةٌ لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جَزاءٌ إلا الجنّة" رواه البخاريّ ومسلم، وفي الصحيحين أيضًا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله عزّ وجلّ"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "جهادٌ في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الحجّ المبرور".إنّه تجارةُ الدّنيا والآخرة ورِبح الدّارين، جعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تابِعوا بين الحجّ والعمرةِ؛ فإنهما ينفِيان الفقرَ والذنوب كما ينفي الكير خبَثَ الحديد" رواه أحمد والترمذي بسند صحيح، وفي الصحيحين أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "من حجَّ هذا البيتَ فلم يرفث ولم يفسُق رجع كما ولدَته أمه" أي: نقِيًّا من الذنوب والخطايا.

هذا معَ مُضاعفة الحسناتِ ورِفعة الدرجات عن جابرٍ رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال وهو بالمدينة: "صلاةٌ في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة" رواه أحمد والبخاري في التاريخ بسند صحيح، ناهيك عن مواقفِ الرّحمة في عرفات، والازدلافِ عند المشعر الحرام، والتقلّب في فجاج مِنى، والطوافِ بالبيتِ وبين الصفا والمروة، ورمي الجمرات، وكلُّ ذلك من مواطنِ الرّحمة وإجابة الدعاء.أمّا عرفات، وما أدراك ما عرفات؟! يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: "ما مِن يومٍ أكثر من أن يعتِق الله فيه عَبدًا من النار من يومِ عرفة، وإنّه ليدنو ثم يباهِي بهم الملائكةَ، فيقول: ما أراد هؤلاء؟" رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.

إنهم يريدون رحمةَ ربهم وجنّتَه، يريدون مغفِرةَ ذنوبهم والعتقَ من النار، جاؤوا من أقاصي الدّنيا وأطراف الأرض، ترَكوا أهلَهم وأوطانهم، وأنفَقوا كلَّ ما يستطيعون للوصولِ إلى هذه الأماكن الشريفة، في وقتٍ ترى فيه بعضَ الموسرين القادرين يتكاسَلون عن أداءِ فريضة الإسلام، ينفِقون أموالهم ويضيِّعون أوقاتهم في السّفَر والنزهة واللّهو والغفلة لم يحُجّوا مرّةً واحدة. ليعلَم هؤلاء أنهم ترَكوا ركنًا مِن أركان الإسلام، يقول عمَر بن الخطّاب رضي الله عنه: (من كانَ ذا مَيسَرة فمات ولم يحج فليمُت إن شاءَ يهوديًّا أو نصرانيًّا)، ورُوي مثلُه عن عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه . فليتّقِ اللهَ وليبادِرِ المستطيع قبلَ الفوات، ولو فاجأه العَجز أو الأجَل فلن ينفَعَه الاعتذار بالتهاون والكسل.

أيّها المؤمنون، ان الحج من تعظيم شعائر الله ومن يعظم شعائر الله يزداد إيمانًا وتَقوى، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32].ومِن تعظيم الشعائِر إحسانُ العمل وإتمامه والحِرص على كماله واتباع هديِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في كلِّ صغيرةٍ وكَبيرة، وقد قال: "خذوا عني مناسككم"والله تعالى يقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة:196].  كما أنَّ من تعظيمِ شعائر الله البعدَ عمّا ينقِص الحجَّ واحتِرام وتوقيرَ الزّمان والمكانِ الذي عظّمه الحقُّ سبحانه. تجنَّبِ المراءَ والجدل والخِصام والتشويش، فالقَبول والمغفِرة مشروطة بذلك، قالَ الله عزّ وجلّ: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) [البقرة:197".إنَّ زكاءَ النفس وزيادةَ الإيمان وحصولَ التقوى يكون حينَ يقبِل المسلم على عبادَتِه بأدبٍ وخشوع، ويتفرّغ لما جاءَ له وما قصَدَه، حافظًا وقتَه مخلِصًا لربه.

 

 

 

أيّها المؤمنون، إنَّ الأصلَ الذي بنِيَ عليه هذا البيتُ العظيم هو توحيدُ ربِّ العالمين القائل في محكم التنزيل: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) [الحج:26]. وفي ثنايا آياتِ الحج قال سبحانه: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) [الحج:30، 31].

الخطبة الثانية:أيها المسلمون: الحج عبادة جليلة وفريضة عظيمة، تشمل أنواعا من التقرب إلى الله -تعالى- في غاية من الذل والخضوع والمحبة له -سبحانه-، في أوقات ومناسك معظمة ومواطن محترمة، يبذل المسلم من أجل شهودها النفس والنفيس، ويتجشّم الأسفار ويتعرض للأخطار، وينأى عن الأوطان ويفارق الأهل والأولاد والإخوان، كل ذلك محبة لله -تعالى- وشوقاً إليه، وطاعة له وتقرباً إليه، ولذلك يتكرم الله -تعالى- على عباده فيجازيهم على هذا الإحسان بالإحسان الذي صحت به الأخبار وفصلته الآثار، روى ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: "الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم"، وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عباس أن رسول الله قال: "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة". فبشراكم يا حجيج بيت الله وهنيئًا لكم، بشراكم إجابة الدعوة، وهنيئًا لكم سقوط الذنوب، فلا يبقى على الجسد بعدها من درن.

أما إن فضل الله الواسع فلم يقف عند حدّ الدنيا، بل تعداها إلى الآخرة، روى الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة". فيا لكرم الله! جنة عرضها السماوات والأرض تنال بحجة مبرورة، اللهم إنا نسألك باسمك الأعظم الفردوس الأعلى من الجنة.

عباد الله: إن مداومة الحج من العمل المرغب فيه المحبوب إلى الله تعالى أخرج ابن حبان بسند صححه الألباني من حديث أبي سعيد الخـدري: "إن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححت له جسمه ووسعت عليه في معيشته، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم"، فإن كان من لا يحج في كل خمسة أعوام محروماً، فما عسانا نقول لمن لم يحج حج الفريضة؟ مع تيسر السبل وسهولة السفر وقصر المدة، أَلا فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسلِمُون، وليبادر من فرط في هذا الأمر قبل فوات الأوان، فكم مفرط قد ندم، وكم متهاون فوجئ بحبل عمره قد انصرم.

 

 

نفسٌ مطمئنةٌ بنور ربِّها

عناصر المادة 1- نورٌ وكتابٌ مبينٌ 2- الشهوات والحكمة من خلقها؟ 3- أسباب انتشار الشهوات المحرّمة 4- علاج الشهوات مقدمة: يصارع الإنسان خلال مراحل حياته المختلفة بعض الشّهوات الإنسانيّة، ولا شكّ أنّ كبح جماح هذه الشّهوات يشكّل تحدياً للإنسان الّذي يطمح إلى المثاليّة والكمال في حي

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح