الجوار في الإسلام

التاريخ: الخميس 6 يوليو 2017 الساعة 04:56:12 مساءً

كلمات دلالية :

الجار
 الجوار في الإسلام

الخطبة الأولى:

الحمد لله رب العالمين, اهتم بالعلاقات الإنسانية وقرنها بعبادته تعالى فقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) [سورة النساء الآية: 36].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك والحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير, ربط بين المؤمنين جميعاً برباط الإيمان والمحبة فقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) الحجرات.

 

وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله -صلي الله عليه وسلم- بين لنا أساس التفاضل في العلاقات فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ)) [رواه الترمذي].

 

فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلي يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فيا أيها المؤمنون, إن ما يميز شريعة الإسلام عن سواها من الشرائع والأديان هو شمولها لكافة مناحي الحياة وعمومها لكافة الخلق إنسهم وجنهم، ذلك أن الشريعة الإسلامية جاءت لتصحح مسار الحياة الإنسانية وترسم لها الطريق القويم والمنهج الواضح السليم في التعامل وفق تعاليم واضحة مفهومة سهلة التطبيق.

 

لهذا نهض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلفنا الصالح بتلك الرسالة مطبقين تعاليمها عمليا فيما بينهم وبين خالقهم وفازوا بسعادة العاجل والآجل، بل إن في التزام أولئك النفر بتطبيق معايير الإسلام وتعاليمه عليهم وعلى غيرهم ما يدعو إلى الاعتبار والانبهار، ومن تلك القواعد التي أرستها الشريعة الإسلامية في التعامل ما بين الناس حقوق الجار.

 

لذلك كان لزاما علينا لكي نحق السعادة لأنفسنا ولأمتنا كما سعد أسلافنا أن نتحدث عن الجار في الإسلام والحديث عن الجار يتضمن هذه العناصر الرئيسية التالية:

 

أولاً: تعريف الجار.

 

ثانيًا: حدّ الجوار.

 

ثالثًا: مراتب الجيران.

 

رابعًا: منزلة الجار في الإسلام.

 

خامسًا: حقوق الجار في الإسلام.

 

سادسًا: أثر الاهتمام بحقوق الجار على المجتمع المسلم.

 

سابعًا: نماذج مضيئة من حياة السلف في معاملة الجيران.

 

ثامنا: الخاتمة.

 

العنصر الأول: تعريف الجار:

 

الجار: هومن جاورك جوارًا شرعيًا، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، برًا أو فاجرًا، صديقًا أو عدوًا، محسنًا أو مسيئًا، نافعًا أو ضارًا، قريبًا أو أجنبيًا، بلديًا أو غريبًا، في المنزل والمسكن أو الحقل.

 

العنصر الثاني: حد الجوار: اختلف العلماء في حدّ الجوار على أقوال:

 

القول الأول: أنه أربعون دارًا من كلّ ناحية، وهو قول عائشة -رضي الله عنه-ا والحسن والزهري والأوزاعي.

 

قال الإمام الشوكاني: روى القرطبي أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فجعل يشكو جاره، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينادي على باب المسجد: ((ألا إن أربعين داراً جاراً)).

 

ألا إنّ أربعين دارًا جارًا، أربعون جارًا من أربع جِهات، وهناك عشرة نحو الأعلى، أو أقلّ من ذلك، هؤلاء كلّهم جيرانك.

 

القول الثاني: كلّ من سمع النداء فهو جار، وهو قول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

 

القول الثالث: من سمع إقامة الصلاة فهو جار ذلك المسجد.

 

القول الرابع: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار.

 

القول الخامس: من ساكن رجلاً في مَحَلّة أو مدينة فهو جار، على حدّ قول الله تعالى: (لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ لْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً) [الأحزاب: 60].

 

وقال الألوسي: "مبنى الجوار وحده يرجع فيه إلى العرف".

 

العنصر الثالث: مراتب الجيران: الجيران ثلاثة: جار له حق وهو المشرك، له حقّ الجوار. وجار له حقان وهو المسلم، له حقّ الجوار وحق الإسلام. وجار له ثلاثة حقوق مسلم له رحم، له حق الجوار والإسلام والرحم وأخرج البزار في مسنده عن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وهو أدنى الجيران، وجار له حقان، جار له ثلاثة حقوق)).

 

العنصر الرابع: منزلة الجار في الإسلام:

 

1- قرن الله تعالى حقّ الجار بعبادته وحده والإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين.

 

قال تعالى: (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا) [سورة النساء الآية: 36] الجار ذي القربى، والجار الجنب.

 

2- تكرّرت الوصية من جبريل عليه السلام بالجار حتى ظنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيورّثه.

 

-صلى الله عليه وسلم-: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه))".

 

3- جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- إكرام الجار والإحسان إليه وعدم إيذائه من علامات الإيمان.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)) [متفق عليه].

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ((اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)).

 

4- نفي النبي -صلى الله عليه وسلم- الإيمان عمّن لا يأمن جاره بوائقه، وعمن لا يحبّ لجاره ما يحبّ لنفسه.

 

فقال صلي الله عليه وسلم: ((وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ قِيلَ وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ)) (البخاري) وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به)) [رواه البزار].

 

وهذا الحديث ينفي عن المسلم الإيمان إذا لم يساعد جاره فكيف إذا أوقع فيه الأذى، وإذا قلتَ لا أعلم أقول لك: من لم يتفقَّد شؤون من حوله فليس مؤمناً.

 

5- ترتيب الخيريّة عند الله على الخيريّة للجار وسبب في رفع منزلته عند الله -عز وجل-:

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ)) [رواه الترمذي] صححه الألباني.

 

صاحبان، صديقان، شريكان، جاران، خيرُ الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه إذا فقْتَهُ بالإحسان فأنت أفضلُ منه، إذا فقْتَهُ في الانضباط فأنت أفضلُ منه، إذا فقْتَهُ في العفو فأنت خير منه، ((خَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ)).

 

6- جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- حسن الجوار سببًا لعمران الديار وزيادة الأعمار.

 

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إنه من أعطي حظَّه من الرِّفق، فقد أعطي حظَّه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم، وحُسن الخلق وحُسن الجوار يَعمُران الديار، ويزيدان في الأعمار)) صحَّحه الألباني.

 

7- سوء الجوار من القاصمات للظهر:

 

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: (ألا أخبركم بالثلاث الفواقر؟)) قيل: وما هن؟ قال: ((إمام جائر، إن أحسنت لم يشكر، وإن أسأت لم يغفر، وجار سوء، إن رأى حسنة غطاها، وإن رأى سيئة أفشاها، وامرأة السوء إن شهدتها غاظتك، وإن غبت عنها خانتك)) [رواه ابن أبي شيبة] الفاقرة هي عظم الظهر. الفواقر جمع فاقرة، أو فِقْرة عَظْمة الظّهر، أيْ ثلاثة يحطِّمْن عظيمات الظّهر أيْ يقصِمن الظّهر.

 

8- يسأل الجار عن جاره يوم القيامة:

 

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: لقد أتى علينا زمان وما أحد أحقّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ثم الآن الدنيا والدرهم أحبّ إلى أحدنا من أخيه المسلم، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كم من جار متعلّق بجاره يوم القيامة يقول: يا ربّ، هذا أغلق بابه دوني، فمنع معروفه)).

 

9- إساءة الجوار من عادات الجاهلية التي بعث الله نبيه لتغييرها:

 

يتضح هذا من جواب جعفر بن أبي طالب للنجاشي حين سأله عن هذا الدين الجديد، فقال له جعفر: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّة، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ؛ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَام -فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِسْلام- فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا" (رواه أحمد).

 

10 - الإحسان إلى الجار والقيام بحقه سبب لمغفرة الذنوب:

 

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ -عز وجل- قَالَ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَشْهَدُ لَهُ ثَلاثَةُ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الأَدْنَيْنَ بِخَيْرٍ إِلاّ قَالَ اللَّهُ -عز وجل-: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِي عَلَى مَا عَلِمُوا وَغَفَرْتُ لَهُ مَا أَعْلَمُ)) (رواه أحمد وحسنه الألباني).

 

11- أن الجار الصالح من أسباب سعادة العبد، وعكسه من أسباب شقائه:

 

فعن سلمان قال رسول الله: ((أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربع من الشقاء: الجار السوء، والمرأة السوء، والمركب السوء، والمسكن الضيق)) أخرجه الألباني في الصحيحة.

 

ولقد وضع سيدنا عمر ابن الخطاب قانونا في معرفة الرجال حينما جاءه رجل يشهد لرجل آخر,. فقال له عمر: أتعرف هذا الرجل؟ فأجاب: نعم! قال: هل أنت جاره الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ فأجاب الرجل: لا، قال عمر: هل صاحبته في السفر الذي تعرف به مكارم الأخلاق؟ فأجاب الرجل: لا، قال عمر: هل عاملته بالدينار والدرهم الذي يعرف به ورع الرجل؟ فأجاب الرجل: لا. فصاح به عمر، لعلك رأيته قائماً قاعداً يصلي في المسجد يرفع رأسه تارة ويخفضه أخرى، فرد الرجل نعم! فقال له عمر: اذهب فإنك لا تعرفه، والتفت إلى الرجل وقال له: ائتني بمن يعرفك.

 

13- تعظيم الخطيئة في حق الجار:

 

فهذا الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: ((مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟)) قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: ((لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ!)) فَقَالَ: ((مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟)) قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: ((لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ)). رواه أحمد وصححه الألباني.

 

14- الإحسان إلي الجار من شروط المُروءة.

 

15 - عدم مصاحبة المسيء للجار في الغزو مع النبي -صلي الله عليه وسلم-:

 

أخرج الطبراني من حديث ابن عمر قال: خرج رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- في غزاة فقال: ((لا يصحبنا اليوم من آذى جاره)) [رواه الطبراني].

 

العنصر الخامس: حقوق الجار في الإسلام:

 

لقد تعبدنا الله تعالى بالإحسان إلي الجار وأي تقصير في هذا الحق يؤدي إلي غضب الله تعالى وحتي نتمكن من أداء هذه العبادة فيجب أن نتعرف علي حقوق الجار في الإسلام وهي كما يلي:

 

الحق الأول: كف الأذى عنه:

 

لقد عظم الله -عز وجل- أذي الجار وحرمه حرمة شديدة فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه)).

 

وعن أبي شريح -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن)) قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: ((الذي لا يأمن جاره بوائقه)).

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله)) [رواه أبو نعيم ].

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله، إنّ فلانةً يُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غيرَ أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((لا خير فيها، هي من أهل النار)) قال: يا رسول الله، فإن فلانة يُذكر من قلّة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدَّق بالأثوار من الأقِط ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((هي في الجنة)).

 

وأنت حينما تؤذي الجار أنت تُسْقِطُ عباداتك كلّها، وتؤكّد للناس أنّ الدِّين كلامٌ فارغ، وأنّ الدّين رابطةٌ واهيَة، الدِّينُ معاملة، الدِّين تَضْحيَة، الدِّين أمانة.

 

ونحن في هذه الأيام أصبحت جُلُّ شكوى المجالس تقصير الجار في حق جاره، أصبحت تدخل إلى الحي فتسأل عن الرجل من أهله فلا يعرفه جيرانه، أصبحت تسمع أن سكاناً في عمارة واحدة لم يدخل بعضهم دار جاره ولو لدقائق، وربما سألت عن فلان تجده مقاطع جيرانه وبينهم خصومة لفترات طويلة وربما يكون السبب بسيط جداً، بسبب الأولاد يلعبون مع بعضهم، أو بسبب النساء وغيرتهن من بعضهن، حتي أصبح الجار الآن لم أن يعد يطلب إكرام جاره له وإنما بقول كفوا أذى جاري عني! لذلك حرم الله تعالى أذي الجار واعتبره كبيره من الكبائر وهذه بعض الصور في أذي الجار:

 

ومن صور إيذاء الجار:

 

1- مضايقته: وهي تأخذ صورًا شتى:

 

• فمن ذلك إيقاف السيارات أمام بابه حتى يضيق عليه دخول منزله أو الخروج منه.

 

• ومن ذلك مضايقته بالأشجار الطويلة التي تطلّ على منزله، وتؤذيه بتساقط الأوراق عليه.

 

• ومن ذلك ترك المياه تتسرّب أمام منزله مما يشقّ معها دخوله إلى منزله وخروجه منه.

 

• ومن ذلك إيذاؤه بالروائح المنتنة المنبعِثة من مياه المجاري.

 

• ومن ذلك مضايقته بمخلّفات البناء وأدواته حيث تمكث طويلاً أمام بيوت الجيران بلا داع.

 

• ومن ذلك مضايقة الجيران بحفر الآبار وتركها مكشوفة دون وضع حماية لها، فتكون عرضة لسقوط أحد أبنائهم فيها.

 

• ومن ذلك وضع القمائم أمام أبوابهم.

 

2- احتقاره والسخرية منه لفقره أو جهله أو وضاعته:

 

ومن ذلك السخرية بحديثه إذا تحدّث، والسخرية بملبسه أو منزله أو أولاده أو نحو ذلك.

 

3- كشف أسراره لقربه منه ومعرفته بحاله. أو إشاعة أخباره وأسراره بين الناس، أو الكذب عليه وتنفير الناس منه.

 

4- تتبّع عثراته والفرح بزلاّته.

 

5- التعدّي على حقوقه:

 

• ومن ذلك إرسال البهائم في مزرعته، وتركها تعيث فيها فسادًا.

 

• ومنه التعدّي على حدوده ومراسيمه بإزالة أو تغيير.

 

• ومنه تغيير مجاري السّيول، وصرفها عن وِجهتها، وحرمان الجار من منافعها.

 

• ومنه السرقة من أملاكه، أو التعدّي على أدواته. فهذا الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: ((مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟)) قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِأَصْحَابِهِ: ((لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ!)) فَقَالَ: ((مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟)) قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ؛ فَهِيَ حَرَامٌ. قَالَ: ((لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ)) رواه أحمد وصححه الألباني.

 

• ومنه الكتابة على جداره.

 

• ومنه إيذاء أبنائه، والعبث بسيّارته وسائر ممتلكاته.

 

6- إيذاؤه بالجلبة، وبرفع الأصوات بالغناء والملاهي، أو برفع الصوت بالشجار بين أهل البيت، أو بلعب الأولاد بالكرة، وإزعاجهم للجيران، أو بطرق باب الجار، وضرب جرس منزله دون حاجة، أو بإطلاق الأبواق المزعجة أمام بيته خصوصًا في الليل، أو في أوقات الراحة. فلربما كان أحد الجيران مريضًا، أو كبيرًا لا ينام إلا بشق الأنفس، أو لديه طفل يريد إسكاته وتهدئته، فلا يستطيع ذلك بسبب الإزعاج والجلبة.

 

7- تأجير من لا يرغب في إسكانه كالعزّاب والفسّاق.

 

قال ابن رجب: "ومذهب أحمد ومالك أن يمنع الجار أن يتصرّف في خاصّ ملكه بما يضرّ بجاره، فيجب عندهما كفّ الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضرّ به، ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاصّ ملكه".

 

8- خيانته والغدر به، ومن صور ذلك:

 

• الإغراء به، والتجسس عليه، والوشاية به عند أعدائه.

 

• تتبع عوراته، والنظر إلى محارمه عبر سطح المنزل، أو عبر النوافذ المطلّة عليه، أو حال زيارة الجيران لأهل ذلك الغادر. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم؟ قال: ((أن تجعل لله ندًا)) قلت: ثم أيّ؟ قال: ((أن تقتلَ ولدك مخافةَ أن يطعم معك)) قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تزانيَ حليلة جارك)).

 

فلقد كان العرب في الجاهلية يعظمون حق الجار، ويحترمون الجوار، ويعتزون بثناء الجار عليهم، ويفخرون بذلك، وكان منهم من يحفظ عورات جاره ولا ينتهكها، وقد قال عنترة بن شداد في ذلك شعراً:

 

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي***حتى يواري جارتي مثواها

 

9- قلّة الاهتمام بإعادة ما استعير منه.

 

10- كثرة الخصومة معه وملاحاته، وربما هجره ومقاطعته لأدنى سبب.

 

11 - حسد الجار: الحسد هو تمني زوال نعمة المحسود، أو هو البغض والكراهية لما يراه من حال المحسود.

 

الحق الثاني: الإحسان إليه وإكرامه:

 

كي نقطف ثِمار الإسلام، بادِرْ أنت، اقْطَع لسان جارك، كيف تقْطعْهُ؟ بالإحسان إليه، بادِرْ أنت السيّئ بالإحسان يصبحُ صالحًا فالسيّئ إذا أحْسنْتَ إليه حجَّمْتَهُ، حجَّمته وأربكْتهُ وأسْكَنْتَ لِسانهُ.

 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليكرم جاره)) عن أبي شريح الخزاعي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)).

 

من صور الإحسان إلى الجار:

 

1- المبالغة في إعطائه حقوقَ المسلم على أخيه المسلم إن كان مسلمًا لتأكُّدها في حقه.

 

2- التركيز على الخصال التالية:

 

إن استقرضَك أقرضتَه، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدتَ عليه، وإن أصابه خير هنّيته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، وإذا مات اتّبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قِدرك إلا أن تغرفَ له، وإن اشتريت فاكهة فأهدِ له، وإن لم تفعل فأدخلها سرًا، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده.

 

سأل النبي -عليه الصلاة- فقال: أتَدْرون ما حقّ الجار؟ قال: إذا استعان بك أعنته وإذا اسْتنْصرَك نصرْتهُ، وإن مرضَ عُدْتهُ، وإن أصابهُ خيرٌ هنَّأتهُ، وإن أصابتهُ مصيبةٌ عزَّيْتهُ وإن مات شيَّعْتهُ، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجُب عنه الرّيح إلا بإذنه، وإن اشْتريْتَ فاكهةً فأهْدِ له منها، فإن لم تفعل فأدْخِلها سرًّا.

 

ماذا يُقاس على هذا التوجيه؟ إذا أرسلْت مع ابنك إلى المدرسة فاكهة غاليَة الثّمن أو نادرة، أو قِطع من الحلويّات غاليَة جدًّا، وأكلها أمام زملائِهِ الفقراء، هذا يدخلُ في هذا التوجيه، فإذا اشْتريْتَ فاكهةً فأهْدِ له منها، فإن لم تفعل فأدْخِلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدك لِيَغيضَ ولدهُ، ولا تؤْذِهِ بِقُتار قدرك، إلا أن تغرف له منها.

 

3- أن ينصره إذا استنصره، ويبدأه بالسلام، ويلين له الكلام، ويتلطّف في مكالمة ولده، ويرشد إلى ما فيه صلاح دينه ودنياه، ويرعى جانبه، ويحمي حماه، ويصفح عن زلاته.

 

4- احترامه وتقديره، والسماح للجيران ببعض التصرفات إن كانت لا تؤذي فلا يمنعه أن يضع خشبة في جداره لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره)) رواه البخاري ومسلم.

 

وفي الحديث الحضّ على التّهادي ولو باليسير لأنّ الكثير قد لا يتيسّر كلّ وقت، وإذا تواصل اليسير صار كثيرًا، وفيه استحباب المودّة وإسقاط التّكلّف".

 

وعن أبي ذر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوصاه فقال له: ((وإذا صنعت مرقة فأكثر ماءها، ثم انظر أهل بيت من جيرانك فأصبهم منه بمعروف)) رواه مسلم.

 

هذه سنّة؛ أنْ يتهادى الجيران بعض الطّعام، وهذه تَزيدُ المودّة مودَّةً، وتزيدُ العلاقة متانةً، تزيدُ الأخوّة أخوَّةً، تزيدُ الحبّ حبًّا. ((يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ)) قد تقَدِّمُ شيئًا لا يُذْكَر، لكن له معنى كبير.

 

بل إنّ عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- ذُبِحَت له ذبيحة، فقال: هل أهْدَيتُم لِجارنا، وكان جارهُ ليس مسلماً، معنى ذلك أيّ جارٍ يجبُ أن تُحسنَ إليه، ولو لم يكن مسلمًا، وهذا حديث صحيح أخذه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

قال التابعي الجيل مجاهد رحمه الله: كنت عند عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-ما وغلام له يسلخ شاة فقال: يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي، قال ذلك مرارا، فقال الخادم: كم تقول هذا؟ فقاله له ابن عمر: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه" (متفق عليه).

 

الإهداء إليه تأسّيًا بعائشة -رضي الله عنها في قولها للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: ((إلى أقربهما منك بابا))

 

6- تفقد أحواله، ومواساته عند حاجته:

 

عن ابن عباس -رضي الله عنه-ما قال: قال -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع)) وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أوّل خصمين يوم القيامة جاران)).

 

7- حق الشفعة:

 

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: ((مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حَائِطٍ فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ)) [رواه أحمد].

 

أي لا يَبِعْ حقّه في الشِّرْكة أو حقّه في البيت إذا كان له جارٌ حتى يستأذن جارهُ أو شريكه وهذا لَعَمْري لَمِن أدقّ الحقوق التي بيّنها النبي -عليه الصلاة والسلام-.

 

الحق الثالث: احتمال أذاه:

 

من ابتلي بجار يؤذيه فعليه بالصبر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: ((اذْهَبْ فَاصْبِر، فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ)) رواه أبو داود وقال الألباني: حسن صحيح.

 

معنى ذلك أنّ الإنسان يعيشُ بِسُمعته، ويعيشُ بِكَرامته، يعيشُ بِثَناء الناس عليه فحينما بالغ هذا الجار بالإساءة إلى جاره، النبي عليه الصلاة والسلام أهْدَرَ كرامته، هذا لا كرامة له، ولا غيبة له، اُذْكر ما يفعلهُ لِيَحذر الناس منه. يقول الغزَّالي -رحمه الله- كما في "الإحياء" "واعلم أنه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى، فإن الجار أيضًا قد كف أذاه، فليس في ذلك قضاء حقه، ولا يكفي احتمال الأذى، بل لا بد من الرِّفق، وإسداء الخير والمعروف.

 

يُروى أن رجلاً جاء إلى عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- فقال له: إن لي جارًا يؤذيني ويشتمني، ويُضيِّق علي، فقال: اذهب، فإن هو عصى الله فيك، فأطِع الله فيه".

 

وهناك فضل آخر، وهو أن يغضي عن هَفواته، ويتلقى بالصفح كثيرًا من زَلاَّته وإساءاته، ولا سيما إساءة صدرت عن غير قصد، أو إساءة ندِم عليها وجاء معتذرًا منها.

 

فاحتمال أذى الجار وترك مقابلته بالمثل من أرفع الأخلاق وأعلى الشِّيم.

 

لهذا معاشر المسلمين فإننا مأمورون بتحرّي حقوق جيراننا والقيام بها؛ لننال الفضل في الدنيا، وننجو من المؤاخذة في الآخرة.

 

العنصر السادس: أثر الاهتمام بحقوق الجار على المجتمع المسلم:

 

لا شك أن لأداء حقوق الجار وحسن الجيرة أثر بالغ في المجتمع وحياة الناس، فهو يزيد التراحم والتعاطف، وسبيل للتآلف والتواد، به يحصل تبادل المنافع وقضاء المصالح واستقرار الأمن، واطمئنان النفوس، وسلامة الصدور، فتطيب الحياة ويهنأ المرء بالعيش فيها.

 

فلو أحسن كل جار إلى جاره لظللت المجتمعات السعادة ولعاشت كأنها أسرة واحدة فتنصرف الهمم إلى الإصلاح والبناء والسعي نحو الرقى والتقدم,

 

ويتضح مما سبق البعد الإنساني للدين الإسلامي الذي يحرص على تحقيق روح المودة بين المسلمين بسبل شتى بالترغيب في مرضاة الله -عز وجل- والترهيب عن سوء العاقبة لمن يتجرأ على عصيان الخالق والإفساد في الأرض وهو مأمور بعمارتها، هذه العمارة التي لا تتصور مع وجود النفور بين الناس عامة وبين الجيران خاصة، فالمسلم إذا صان حقوق جاره وترفق به كسب ثواب الدنيا والآخرة.

 

العنصر السابع: نماذج مضيئة من حياة السلف في معاملة الجيران:

 

ما أحوجنا أن نري القدوة العملية أمامنا في معاملة الجار حتي نتأسي بها في حياتنا وهذه بعض النماذج المضيئة في الإحسان إلي الجار والصبر عليه منها:

 

جوار الإمام مالك ابن دينار:

 

يُروى أن مالك بن دينار -رحمه الله- كان له جار يهودي، فحول اليهودي مستحمه إلى جدار البيت الذي فيه مالك، وكان الجدار متهدِّمًا، فكانت تدخل منه النجاسة، ومالك ينظف البيت كلَّ يوم، ولم يقل شيئًا، وأقام على ذلك مدة وهو صابر على الأذى، فضاق صدر اليهودي من كثرة صبره على هذه المشقة، فقال له: يا مالك، آذيتك كثيرًا وأنت صابر، ولم تُخبرني، فقال مالك: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار؛ حتى ظننت أنه سيُورِّثه)) فندِم اليهودي وأسلم؛ "الإحياء".

 

جوار الإمام عبدالله ابن المبارك:

 

كان للإمام عبد الله بن المبارك جارٌ يهودي؛ فأراد أن يبيعَ داره، فقيل له: بكم تبيع؟ قال بألفين؛ فقيل له: إنها لا تساوي إلا ألفاً؛ قال: صدقتم؛ ولكنْ ألفٌ للدار، وألفٌ لجوار عبد الله بن المبارك؛ فأُخبر ابنُ المبارك بذلك، فدعاهُ فأعطاه ثمن داره وقال: لا تبعها.

 

جوار الوليد ابن القاسم الهمذاني:

 

قال ابن الجنيد الدقاق: سئل أحمد بن حنبل عن الوليد بن القاسم الهمداني فقال: ثقة، كتبنا عنه، وكان جارًا ليعلى بن عبيد، فسألت يعلى عنه، فقال: نِعمَ الرجل، هو جارنا منذ خمسين سنة، ما رأينا إلا خيرًا.

 

جوار سهل ابن عبدالله التستري:

 

روي عن سهل بن عبد الله التستري -رحمه الله- أنه كان له جار ذمّي، وكان قد انبثق من كنيفه إلى بيت في دار سهل بثق، فكان سهل يضع كلّ يوم الجفنة تحت ذلك البثق، فيجتمع ما يسقط فيه من كنيف المجوسي، ويطرحه بالليل حيث لا يراه أحد، فمكث رحمه الله على هذه الحال زمانًا طويلاً إلى أن حضرت سهلاً الوفاة، فاستدعى جاره المجوسي، وقال له: ادخل ذلك البيت، وانظر ما فيه، فدخل، فرأى ذلك البثق والقذر يسقط منه في الجفنة، فقال: ما هذا الذي أرى؟ قال سهل: هذا منذ زمان طويل يسقط من دارك إلى هذا البيت، وأنا أتلقّاه بالنهار، وألقيه بالليل، ولولا أنه حضرني أجلي وأنا أخاف أن لا تتّسع أخلاق غيري لذلك وإلا لم أخبرك، فافعل ما ترى، فقال المجوسي: أيها الشيخ، أنت تعاملني بهذه المعاملة منذ زمان طويل وأنا مقيم على كفري؟! مدّ يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم مات سهل -رحمه الله-.

 

جوار الإمام أبو حنيفة:

 

كان لأبي حنيفة جار بالكوفة إسكاف، يعمل نهاره أجمع، حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل لحمًا فطبخه، أو سمكة فيشويها، ثم لا يزال يشرب، حتى إذا دبّ الشراب فيه غنى بصوت وهو يقول:

 

أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا***ليوم كريهةٍ وسداد ثغر

 

فلا يزال يشرب ويردّد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وكان أبو حنيفة يسمع جلبته، وأبو حنيفة كان يصلّي الليل كلّه، ففقد أبو حنيفة صوته، فسأل عنه، فقيل: أخذه العسس منذ ليال، وهو محبوس، فصلّى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد، وركب بغلته، واستأذن على الأمير، قال الأمير: ائذنوا له، وأقبلوا به راكبًا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط، ففُعل، ولم يزل الأمير يوسّع له من مجلسه، وقال: ما حاجتك؟ قال: لي جار إسكاف، أخذه العسس منذ ليال، يأمر الأمير بتخليته، فقال: نعم وكلّ من أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا، فأمر بتخليتهم أجمعين، فركب أبو حنيفة، والإسكافي يمشي وراءه، فلمّا نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال: يا فتى أضعناك؟ قال: لا، بل حفظت ورعيت، جزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار ورعاية الحقّ، وتاب الرجل ولم يعد إلى ما كان. جوار أحد الصالحين: شكا بعضهم كثرة الفأر في داره، فقيل له: لو اقتنيت هرًّا، فقال: أخشى أن يسمع الفأر صوتَ الهر، فيهرب إلى دور الجيران، فأكون قد أحببت لهم ما لا أحبّ لنفسي. الخاتمة: عباد الله: إن الديارَ لا تقاس على الحقيقة بجميلِ بنيانها، وإنما تغلو وترخص بجيرانها، فعلى المسلم إن أراد أن يسكن بيتاً أنْ يجتهدَ وسعه في اختيار جيرانه، فإنَّ بهم صلاحَ السكنى وفسادَها؛ وقد قيل:

 

طلب لنفسك جيراناً تجاورهم***لا تصلح الدارُ حتى يصلحَ الجارُ

 

وإذا ابتُليتَ بجارٍ مؤذٍ؛ فاصبر على ما بُليت به حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، فإنَّ من حسن الجوار الصبر على أذى الجار، حتى قال الحسن البصري: "ليس حسنُ الجوار كفّ الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى" وقال: "إلى جنْبِ كلِّ مؤمنٍ منافقٌ يؤذيه" فلا تقابل الإساءةَ بالإساءة، بل اصبر على ذلك؛ فإن الله ناصرُك، قال -صلى الله عليه وسلم-: ((واعلم أن النصر مع الصبر)).

 

أيها المسلمون:

 

إن من أعظمِ التوفيق وأسبابِ السعادة أن يُحسَن المرء إلى جيرانه ويُحسنوا إليه؛ وأن يبذلَ جهده في ذلك، وأن يبسطَ إليهم معروفه ويحفظَ جوارهم غاية الحفظ وبما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ فإن حفْظَ الجوار من كمال الإيمان؛ والموفق من وفقه الله تعالى. ومن أجل ذلك فقد قال النبي -صلي الله عليه وسلم-: ((تعوذوا بالله من جار السوء في دار المقام، فإنَّ جار البادية يتحول عنك)) وقال أيضاً: ((أعوذ بك من يوم السوء، ومن ليلة السوء، ومن ساعة السوء، ومن صاحب السوء، ومن جار السوء)).

 

وكان يستعيذ بالله من جار السوء، الذي إن رأى خيراً كتمه، وإن رأى شراً أذاعه؛ فليتق اللهَ كل منا بكف أذاه عن جيرانه؛ وليكن كفُّ الأذى قولاً وفعلاً، ولا يستغلُّ حياءَ بعض جيرانه أو ضعفهم، وليحذر أنْ يسلِّط اللهُ عليه من لا يرحمُه، جزاءً وفاقاً بعمله السيئ. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا).

 

نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين؛ وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

 

انتهت بفضل الله.