المحافظة على الصلاة

التاريخ: الثلاثاء 3 يناير 2017 الساعة 04:36:55 مساءً

كلمات دلالية :

الصلاة
المحافظة على الصلاة

 الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب : 70-71].

 

أما بعد:

 

يقول ربنا -عز وجل-: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [سورة البقرة: 45] فالصلاة بعد الصبر خير ما يستعان بهما على طاعة الله، وترك معاصيه، وترك التعلق التام بالدنيا، فالصلاة فيها تلاوة كتاب الله، المسليةِ آياتُه النفوسَ عن زينة الدنيا وغرورها، المذكرةِ بالآخرة، وما أعد الله فيها لأهلها، وفيها مناجاة من بيده الأمر كله من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ففي الانطراح بين يديه، وشكاية الحال عليه، وسؤاله مع حسن الظن به ففي ذلك المعونة لأهل طاعة الله على الجد في العبادة، والصبر على مشقتها، وعلى ما يعرض للمرء من آلام الدنيا وأكدارها، التي لا يسلم منها مخلوق، وبهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ينصب لعبادة ربه إذا فرغ من أمور الدنيا وأشغالها (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ) [سورة الشرح: 7] وهكذا كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يستعينون بالصلاة على مصائب دنياهم، وقضاء حوائجهم، فعن عبد الرحمن بن جَوْشَن أن ابن عباس -رضي الله عنه- نعي إليه أخوه قُثَم، وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته، وهو يقول: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (1 /205) بإسناد حسن.

 

إخواني.. حينما يهمنا أمر من أمور الدنيا، ونقع في أمر مكروه، حينما تكون حوائجنا عند الخلق هل نحن نتجه إلى ربنا لقضاء حوائجنا، هل قلوبنا تتعلق بالخالق مباشرة، وتتصل به، وتسأله جلب الخير، ودفع الضر، أما أننا نتجه بالسؤال عن من يعمل بهذه الدائرة، ومن يعرف من عنده حاجتنا، ومن يمكن أن يساعدنا، ويغيب عنا في هذا الوقت استشعار (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) [سورة آل عمران: 154] نغفل عن أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعونا بشيء لم ينفعونا إلا بشيء قد كتبه الله لنا، ولو اجتمعوا على أن يضرونا بشيء لم يضرونا إلا بشيء قد كتبه الله علينا.

 

إخواني: إذا كان من أعظم ما يستعان به الصلاة فرضاً أو نفلاً، فلنبدأ يومنا بصلاة الصبح في المسجد مع الجماعة، لنكون في عهد الله وأمانه في الدنيا والآخرة، فعن جندب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمْ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)) رواه مسلم (657) لنبدأ تطوعنا بعد الفجر بأربع ركعات بعد طلوع الشمس وارتفاعها بصلاة الضحى، فعن نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قال ربكم -تبارك وتعالى-: ابن آدم صل لي أربع ركعات أول النهار أكفك آخره)) رواه الإمام أحمد (21969) وغيره بإسناد حسن، ففي هذه الصلاة يكفينا الله شغلنا وحوائجنا، ويدفع عنا ما نكرهه إلى آخر النهار، فمن أفرغ باله لله، والتفت إلى عبادة ربه، ولم ينشغل عنها في أول النهار أفرغ الله باله في آخر يومه بقضاء حوائجه.

 

لنحرص على هذه الصلاة التي هي الحد الفاصل بين الكفر والإسلام لنصليها في وقتها، بل لنستيقظ قبل الفجر لنصل ما تيسر من قيام الليل (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) [سورة الذاريات: 15-17] ولا تظن أخي أن الأمر صعب، بل هو سهل على من سهله الله له، فمتى ما عقدت العزم على القيام، وفعلت الأسباب أعنت على ذلك، وحصل لك ثواب القيام، حتى ولم تقم وتذكر تهجدك في ليالي رمضان، فحينما عقدت العزم على ذلك أعنت عليه عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: ذكر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل فقيل: ما زال نائماً حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: ((بال الشيطان في أذنه)) رواه البخاري (1144) ومسلم (774) فالشيطان إذا استولى على العبد استخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول، وهذا الحديث ذكره البخاري وغيره في قيام الليل.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي وفق من شاء من عباده لطاعته تفضلا منه وإنعاماً، وصرف من شاء عن ذلك عدلاً منه غير ظالم لهم.

 

وبعد: عباد الله:

 

بادروا بالأعمال الصالحة، شكرًا لربكم، وتزوَّدوا في دنياكم لآخرتكم طاعة لربكم، وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه (فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [سورة المائدة: 48] فيأمرنا ربنا -عز وجل- باستباق الخيرات والمسارعة فيها؛ وذلك خير لنا في الدارين، فعلينا انتهاز الفرصة، وإحراز فضل السبق والتقدم، فالسابقون السابقون أولئك المقربون. فالمآل وإن تأخر فهو (إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) ثم تظهر حقائق الغيب وثمرة العمل، فالجزاء من جنس العمل (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [سورة يونس: 26].

 

إخوتي:

 

لنحرص على التبكير للصلوات كلها الفجر وغيرها لندرك تكبيرة الإحرام لنصل الرواتب القبلية لاسيما راتبة الفجر، فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها)) رواه مسلم (725) وإنما كانت ركعتا الفجر خيراً من الدنيا وما فيها؛ لأن الدنيا فانية ونعيمها، لا يخلو من كدر، أما ركعتا الفجر فثوابهما باق غير كدر وعند الصباح يحمد القوم السرى.

 

أخي المقصر:

 

يا من تتواني عن الصلاة، وخصوصاً الفجر فتارة تحضر بعد الإقامة، وتارة تفوتك الصلاة، وتارة لا ترى في المسجد، هلا وقفت مع نفسك وقفة محاسبة، وقلت لها: إلى متى وأنا على هذه الحال إلى متى وأنا أسلم نفسي لعدوي وأعمل بما يمليه علي من ترك للواجب، وفعل للمحرم، وزهد في الخير.

 

أخي ألا تعلم أن الشيطان لا يرضى منك إذا قدر بأقل أن تكون من حزبه فإذا أغواك إغواء تاماً وأصبحت من حزبه كانت النتيجة (إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [سورة فاطر: 6] فالبدار البدار، والتوبة النصوح قبل أن يحال بينك وبين التوبة وتندم، ولات ساعة مندم قبل أن تكون في عداد المتحسرين الذين أخبرنا الله عنهم بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [سورة المؤمنون: 99-100].

 

ثم عتب آخر أخي، يا من يحسن به الظن يا من عليه آثار الخير يا من هو قدوة لغيره لسنه أو لمنزلته أو لطبيعة عمله يحز في نفوس إخوانك حينما يرونك كثيرا ما تقضي الصلاة أو تأتي متأخراً عند الإقامة فهل نسيت أنك بفعلك هذا تزهد في الخير وتدعو للتكاسل عن الصلاة من حيث لا تشعر.

 

إخوتي:

 

ليس الفاضل فاضلاً دائماً فرب مفضول يكون أفضلاً، فليست المبادرة إلى الصلاة وكون الشخص من أول الداخلين للمسجد أفضل مطلقاً، فمن كان له أولاد ويتأخر ليحضر هو وإياهم وإذا تقدم للمسجد لم يحضروا فتأخره أفضل، بل يجب عليه التأخر، ويحرم عليه أن يتقدم ويترك أولاده في فرشهم لم يصلوا.

 

فكيف تطيب نفس من يقرأ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [سورة التحريم: 6].

 

كيف تطيب نفس من يعلم قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) كيف تطيب نفسه، وتقر عينه، وهذا شأنه معهم؛ لنتذكر أننا عبيد لله والعبد يجب عليه أن يعمل بأمر سيده لا بما تمليه عليه نفسه.

الفضائل الأوفى للنبي المصطفى

يقول الله تعالى :{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران 164. مع حلول شهر ربيع

كان خلقه القرآن

الخطبة الأولى أما بعد: فحديثنا اليوم أيها المسلمون عن سيد الأصفياء وإمام الأنبياء، عن السراج المنير، عن البشير النذير صلى الله عليه وسلم؛ لنرى كيف كانت أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وكيف ترجم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم في حياته اليومية إلى أفعال وأقوال وأخلاق، وكيف تجس

الشكوى التي يسمعها الله

الحمد لله الذي يسمع شكوى عباده ونجواهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المحمود على كلّ حال، الخير بيديه، وهو الكبير المتعال، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيَّنا محمَّدًا عبد الله ورسوله، لا خيرَ إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه؛ فهو الناصح الأمين صلى الله وسلَّم وبا