كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (5)

التاريخ: الإثنين 21 نوفمبر 2016 الساعة 09:08:10 مساءً

كلمات دلالية :

الابناءالتربيةالقيم
كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (5)

تحدثت في المقال السابق عن الوعي و(اللاوعي) عموما، ثم بدأت الحديث عن حالة وعي المشاعر، وفي هذا المقال والذي يليه أفصِّل الحديث عن حالة (لاوعي المشاعر) وهي مفصل خطير في موضوع بناء القيم.

 

حالة (لاوعي المشاعر)

الإخراج غير الواعي:

إذا كانت مشاعر الإنسان في (اللاواعي) فقد يخرج أشياء من باطنه لم يكن يُرِيد إخراجها، ومن أمثلتها ما يلي:

 

1) الصدمة الشعورية:

من يتعرض لصدمة شعورية تجعله يقول ما لا يعي، ويمكن أن نضرب مثالاً لهذا بما صدر من عمر بن الخطاب رضي الله عنه –وهو مُحدَّث الأمة- بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عندما خطب الناس وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموتُ حتى يُفنِي اللهُ عزَّ وجل المنافقين! فتكلّم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله عز وجل يقول: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30] حتى فرغ من الآية {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144] حتى فرغ من الآية، فمن كان يعبد الله عز وجل فإن الله حي ومن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، فقال عمر: وإنها لفي كتاب الله، ما شعرت أنها في كتاب الله، ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين فبايِعوه، فبايَعوه. [المسند 25883].

 

2) الغضب الشديد:

مَن يكون في حالة الغضب الشديد قد يقول أحياناً ما لايعي، ومن أمثلته موقف الرجل من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه سليمان بن صرد رضي الله عنه فقال: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغْضَبُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ))، فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آنِفًا؟ قَالَ: ((إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ))، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِي! [صحيح مسلم - (ج 13 / ص 22)].

 

فلولا أن الرجل كان في حالة غضب شديدة لما أجاب بهذا الجواب. ولذا ذكر الفقهاء أن طلاق من أُغلق عليه من الغضب لا يقع. [إعلام الموقعين-(ج3/ص 299)].

 

3) الفرح الشديد:

أحيانًا الفرح الشديد يجعل الإنسان يقول ما لا يعي، كقصة الذي لقي راحلته بعد أن فقد الأمل وأيقن بالموت، فإنه أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ [صحيح مسلم - (ج 13 / ص 296)] قَالَ عِيَاض: فِيهِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْإِنْسَان مِنْ مِثْل هَذَا فِي حَال دَهْشَته وَذُهُوله لَا يُؤَاخَذ بِهِ. [فتح الباري لابن حجر - (ج 18 / ص 65)].

 

4) إخراج المكنون في أثناء الاسترسال في الحديث:

من يرتاح لمحدِّثه ويسترسل معه في الحديث يخرج من فلتات لسانه ما ينبئ عن باطنه كما قال زهير:

ومهما تَكُنْ عند امرئٍ مِن خَلِيقةٍ        وإن خالَها تخفى على الناس تُعْلَمِ

قال ابن القيم في تعليقه على ذكر هدهد سليمان لصفة إخراج الله عز وجل للماء من باطن الأرض وما يُذكر من اختصاص الهدهد برؤية الماء تحت الأرض: (ولا يكاد يخفى على ذي الفراسة الناظر بنور الله مخايل كل شخص بصناعة أو فن من العلم في روائه ومنطقه وشمائله فما عمل آدمي عملا إلا ألقى الله عليه رداء عمله)[1]. ومعلوم أن مثل هذه الأشياء تَخرُج من الإنسان دون قصد، وفي هذا رسالة للمربين بل للناس جميعاً أن يُصلحوا بواطنهم كما أصلحوا ظواهرهم. 

 

الاستجابة غير الواعية للمثيرات:

الموضوع الذي ينبغي أن يعيه المربون أنَّ الإنسان إذا كانت مشاعره في (اللاواعي) فقد تدخل أشياء إلى باطنه دون أن يشعر بها! وهي قضية أثبتتها التجارب.. ولها تطبيقات كثيرة في أرض الواقع، من ذلك:

 

1) سحر الألفة:

هي سلسلة من الأعمال التي توجه للطرف الآخر بغير وعيه، لإيجاد رابطة إيجابية قوية بين شخصين، وتهدف إلى تأثير أحدهما في الآخر. ويتلخص (سحر الألفة) في ثلاث خطوات أساسية:

 

الأولى: الاتصال: من خلال المحاكاة لشخصية الشخص المقابل (نبرة الصوت، الجِلسة، شكل اللباس، طريقة التفكير، توحيد الاهتمام، حركات الجسد، نظامه التمثيلي"بصري، سمعي، حسي"..).

 

الثانية: تكوين الألفة بين الشخصين، بحيث يتكون بين الاثنين اندماج شعوري ينتج عنه إرخاء وعي مشاعر الشخص المقابل.

 

الثالث: القيادة: وهي المرحلة التي يبدأ الشخص فيها قيادة الشخص الآخر، وعلامة الوصول لهذه المرحلة أن الشخص المقابل يحاكي حركات الشخص الأول بغير وعيٍ منه.. إذا وصل إلى هذه المرحلة يعلم أن مشاعره في حالة (اللاوعي) ويمكنه في أثناء ذلك إملاء بعض الأفكار أو القناعات أو القيم دون أن تجد رفضاً من هذا الشخص. و(سحر الألفة) برنامج مستقل يمكن التدرب عليه عملياً، ولسنا هنا بصدد تقييمه إلا أننا نعرضه كمثال عملي مُجرّب على أن المشاعر إذا كانت في حالة (اللاواعي) فإن المؤثرات الخارجية يمكنها الدخول إلى الباطن والتأثير فيه دون مقاومة من الإنسان.

 

2) الاحتواء العاطفي:

الاحتواءُ العاطفي من المربِّي للمتربي هو من هذا الباب، ومن المعلوم أن الإنسان إذا أحب إنساناً آخر تقبل منه توجيهاته، وفتح له قلبه، وإذا أبغضه يصعب عليه تقبل نصائحه.. ولذا كان من صفات المربين الأساسية أنهم محبوبون عند عامة الناس يُفرَح بلقياهم والجلوس معهم كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

 

وللحديث صلة..

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ابن القيم (1398) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، تحقيق : محمد بدر الدين الحلبي، بيروت: دار الفكر ص 71.

أهمية مسؤولية الأسرة في التربية على القيم

لا تمتلك الكثير من الأسرة المسلمة القدرة على اختيار المدرسة المنشودة لتربية الأبناء على القيم الإسلامية الأصيلة، حيث تضطر أغلب الأسر إلى إلحاق الأبناء في المدارس الأقرب من السكن، أو الأقل تكلفة من الناحية المادية، وفي هذه الحالة فإن الواجب الأكبر في التربية على القيم الإسلامية يت

لقاء الله وأثره في تربية الأبناء

أعلت المناهج التربوية الغربية والشرقية من قيمة المادة ، حتى جعلتها مدار المنهج التربوي ، فالناجح هو المنجز ماديا ، والفاشل هو المتأخر ماديا ، والميزات كلها قائمة على المادة سلبا وايجابا . وخرج أبناؤنا ليجدوا مجتمعات سيطرت عليها المادة ، وقللت من قيمة المبادىء والقيم ، فصار إيمان

أفكار تربوية جديدة في تربية الأطفال

الكثير من الاصدارات التربوية الحديثة تتضمن تكراراً لأفكار ونظريات متداولة بكثرة، ومن الكتب النادرة التي تتضمن بعض الأفكار الجديدة التي يتناقض بعضها مع الأفكار السائدة حول تربية الأطفال كتاب" تفكير جديد حول الأطفال" من تأليف ( أشلي ميريمان و بو برونسون) ونلخص لكم في هذا المقال أ