كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (3)

التاريخ: الأربعاء 16 نوفمبر 2016 الساعة 06:28:08 مساءً

كلمات دلالية :

الابناءالتربيةالقيم
كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (3)

تكلمت في المقال السابق عن شخصية الإنسان، وأنها تتكون من الظاهر والباطن والبرزخ، ثم تكلمت عن أثر الباطن في صياغة شخصية الإنسان، وفي هذا المقال سيتضح التأثير المتبادل بين أجزاء شخصية الإنسان..

 

تأثير الظاهر في الباطن:

السلوك (الظاهر) يؤثر في الباطن سلبا أو إيجاباً، وإذا تكرر فعل الإنسان لسلوك ما فإن أثر ذلك على الباطن يكون قوياً.. لذا أُمرنا مثلاً بالإكثار من ذكر الله في آيات وأحاديث كثيرة لما لذلك من أثر على الباطن (خشية الله ومحبته ولزوم الطاعة والقوة في مجابهة الشيطان والشر..)، ونهينا عن الإسبال لما له من أثر في الباطن فهو يورث الكبر والخيلاء، ونهينا عن التشبه بالكفار لما للتشبه بهم من أثر في الباطن. قال ابن تيمية في تعليقه على أحاديث النهي عن التشبه بالكفار: (قال حذيفة بن اليمان: من تشبه بقوم فهو منهم؛ وما ذاك إلا لأن المشابهة في بعض الهدي الظاهر يوجب المقاربة ونوعا من المناسبة يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب)[1]. وقال ابن القيم: (ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة، فإنه إذا أشبه الهدي الهدي أشبه القلب القلب)[2].

 

مفهوم التربية المتكاملة:

التربية من هذا المنطلق هي: تعديلٌ للسلوك، وضبط للمشاعر، وتصحيح للأفكار، وتوجيه للقناعات، وبناء للقيم، وليست تعديلا للسلوك فقط! ولو كان الأمر كذلك لكانت التربية أمرًا سهلا، فبمجرد استخدام المربي للسلطة يستطيع أن يفرض على المتربي سلوكيات محددة وينتهي الأمر. ولهذا نستطيع أن نقول إن قدرتنا على التأثير في مكونات الشخصية تأتي سهولتها بالترتيب نفسه (السلوك، المشاعر، الأفكار، القناعات، القيم) وعلى سبيل المثال نستطيع أن نجعل المتربي يحافظ على الصلاة (وقتاً وأداءً) بالمتابعة والتحفيز ونحو ذلك.. لكننا نحتاج إلى جهود متضافرة ووقت طويل لغرس قيمة (تعظيم الصلاة) في نفسه. ويمكن توضيح ذلك من خلال الشكل التالي: 

 

شكل (3) : يوضح عملية التربية المتكاملة ودرجة سهولة كل خطوة

 

مثال على التأثير المتبادل بين الظاهر والباطن:

سأكتفي بقصة واحدة من السيرة النبوية تدل على ما سبق تقريره، والقصة أوردها ابن كثير في البداية والنهاية: (قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعفان قالا: حدثنا حماد هو ابن سلمة: أخبرنا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال: ((من يأخذ هذا السيف؟)) فأخذ قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال: ((من يأخذه بحقه؟)) فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به. قال ابن إسحاق: وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال: فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين، قال: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن))[3].

 

إن هذا السلوك الذي فعله أبو دجانة (أخذ السيف) لم يصدر منه لولا وجود عددٍ من القيم لديه ومنها: حب الجنة، وحب الشهادة، وبغض الكافرين، والشجاعة، والمبادرة.. ثم إن أخذه للسيف ولّد لديه مشاعرَ، منها: إحساسه بأهمية الوفاء بحقه.. ولا شك أن هذه المشاعر ولّدت عنده مجموعة من الأفكار كان منها: إخراجه العصابة الحمراء!.. ولم يهتد فكره لذلك لو لم تكن له عادة (الاختيال في الحرب)!.. إن الخبرة المشهورة لدى المقاتلين مفادها: أنَّ أبا دجانة إذا أخرج العصابة الحمراء فهذا يعني ساعة الصفر بالنسبة له، مما يحمل المقاتلين على اجتنابه والخوف منه! وهذه أخرى: فلبس العصابة الحمراء (سلوك) يولد شعوراً لدى أبي دجانة بالشجاعة أولاً وبالخيلاء ثانياً، ولهذين الشعورين تأثير في السلوك: قوة القتال والتبختر بين الصفوف.. وفي ساحة المعركة يسمح الإسلام بتجاوز بعض الأمور لما فيها من مصلحة عسكرية وتأثير نفسي على الأعداء كما حدث من أبي دجانة وكبعض ألفاظٍ ينطق بها الصحابة في مثل تلك المواطن وهم لا ينطقون بها في العادة.. لكن الإسلام لا يرضى أن يستمر تكرار هذا السلوك بعد المعركة لأنه إن استمر وتكرر فسيؤثر في الباطن (القيم) ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن).

 

وللحديث صلة..

ــــــــــــــــــــــــــ

[1]  ابن تيمية (1386هـ) الفتاوى الكبرى، تحقيق : حسنين محمد مخلوف، بيروت: دار المعرفة 6/172.

[2]  ابن القيم (1395) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، تحقيق : محمد حامد الفقي، بيروت: دار المعرفة 1/364.

[3]  ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت: مكتبة المعارف 4/15.

أهمية مسؤولية الأسرة في التربية على القيم

لا تمتلك الكثير من الأسرة المسلمة القدرة على اختيار المدرسة المنشودة لتربية الأبناء على القيم الإسلامية الأصيلة، حيث تضطر أغلب الأسر إلى إلحاق الأبناء في المدارس الأقرب من السكن، أو الأقل تكلفة من الناحية المادية، وفي هذه الحالة فإن الواجب الأكبر في التربية على القيم الإسلامية يت

لقاء الله وأثره في تربية الأبناء

أعلت المناهج التربوية الغربية والشرقية من قيمة المادة ، حتى جعلتها مدار المنهج التربوي ، فالناجح هو المنجز ماديا ، والفاشل هو المتأخر ماديا ، والميزات كلها قائمة على المادة سلبا وايجابا . وخرج أبناؤنا ليجدوا مجتمعات سيطرت عليها المادة ، وقللت من قيمة المبادىء والقيم ، فصار إيمان

أفكار تربوية جديدة في تربية الأطفال

الكثير من الاصدارات التربوية الحديثة تتضمن تكراراً لأفكار ونظريات متداولة بكثرة، ومن الكتب النادرة التي تتضمن بعض الأفكار الجديدة التي يتناقض بعضها مع الأفكار السائدة حول تربية الأطفال كتاب" تفكير جديد حول الأطفال" من تأليف ( أشلي ميريمان و بو برونسون) ونلخص لكم في هذا المقال أ