الإيمان بالقضاء والقدر حقيقته وآثاره

خاص عيون نت

التاريخ: الثلاثاء 25 اكتوبر 2016 الساعة 05:12:23 مساءً

كلمات دلالية :

الايمانالقدر
الإيمان بالقضاء والقدر حقيقته وآثاره

الحمد لله الذي قدر الأمور وأمضاها وعلم أحوال الخلائق قبل خلقهم وقضاها وجازى كل نفس بعد ذلك على سخطها بما قدر أو رضاها.. كل شيء خلقه -سبحانه- بقدرٍ وقدر، ولا يقع شيءٌ في كونه إلا بعلمٍ منه ونظر، علم الأجل وقدر العمل وجعل الأمور دول، كل ذلك منه في الأزل -سبحانه- كم أحاط علمه وكم وسع حلمه وكم مضى حكمه!  وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له.. له لطائف الحكمة وخفيات القدر، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وخيرته من كل البشر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الميامين الغرر والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.     أما بعد: فاتقوا الله تعالى -أيها المسلمون-، واعلموا أنكم إليه راجعون وعلى أعمالكم مجزيون، ومن عمل كساه الله رداءه.. إن خيرًا فخيرا وإن شراً فشرا: (... وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) ، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) ،  (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).

اخوة الايمان / قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((الإيمانُ بضعٌ وسبعون شُعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان))؛ رواه الشيخان، وفي رواية ((الإيمان بضع وسبعون   شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان )) ومن شعب الايمان /الإيمان بالقضاء والقدر وهو ركن من أركان الإيمان، نعم الإيمان بالقضاء والقدر :عقيدةٌ تملأ قلب المسلم مضاءً ورضاء، وعلمٌ يورث المؤمن إرادةً وعزمًا وارتقاءً، وإيمانٌ يدفعه للعمل ويحثه على طلب معالي الأمور، وتصورٌ يسل من نفسه الخوف مع عوائق الطريق وبنيانه مسائل من عرفها وأدرك حُكْمها وحِكَمَها سهلت أمامه مصاعب الحياة وتخففت نفسه من أثقال المعاناة فاستلذ الصبر واستحلى المر، وانتظر من الله الأمل والفرج وعمل لتحقيق ذلك ولم يتواكل.. إنها -أيها المسلمون- عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر. وفي الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن جبريل -عليه السلام- سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان فقال: النبي -صلى الله عليه واله وسلم-: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت ".فالإيمان بالقضاء والقدر ركنٌ من أركان الإيمان

الإيمان بالقدر خيره وشره معناه: الإيمان بأن كل ما دخل في الوجود من خير وشر هو بتقدير الله الأزلي، فالخير من أعمال العباد بتقدير الله ومحبته ورضاه، والشر من أعمال العباد بتقدير الله وخلقه وعلمه ولكن ليس بمحبته ولا برضاه الله خالق الخير والشرّ لكنه يرضى الخير ولا يرضى الشرّ. الله تعالى خالق أفعال العباد ونيّاتهم ومشيئتهم شرّها وخيرها. واسْمَعُوا لهذهِ الآيةَ العظيمةَ التي تَدُلُّ دِلالةً صريحةً على ذلك ، قالَ تَعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا*﴾ إذا كانَ تَصْريفُ القلوبِ بِيَدِ اللهِ فَكَيْفَ الأَعمالُ الخارجِيَّةُ، هيَ بالأوْلى من خلقِ اللهِ تَعَالى. وورِدَ عَنْ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم انه كان يقول في مقدمة خطبه « مَن يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ ومن يُضلِل فلا هادِيَ لهُ ». فَمَنْ أَرادَ اللهُ لهُ الهدايةَ والإيمانَ والالتزامَ بالطاعةِ فلا أَحَدَ يَحولُ بَيْنَهُ وبينَ ذَلِكَ،    فواللهِ لولا اللهُ لما اهْتَدَيْنا ولا تَصَدَّقْنا ولا صَلَّيْنا،

الحمدُ للهِ الذي هَدَانا لِهَذا وما كُنَّا لِنَهْتَدي لَولا أنْ هَدَانا اللهُ                                                                   نعم والقدر هو تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علم الله واقتضته حكمته، وهو ما سبق به العمل وجرى به القلم مما هو كائنٌ إلى الأبد، والإيمان به هو أن تؤمن أن الله -جل جلاله- قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء والحوادث قبل أن تكون وعلم -سبحانه- أنها ستقع في أوقاتٍ معلومةٍ على صفاتٍ مخصوصة؛ فعلمها -سبحانه- وكتبها بكل تفاصيلها ودقائقها وشاءها وخلقها؛ فهي كائنةٌ لا محالة على التفصيل والدقة كما شاء -سبحانه- وما لم يشاء فإنه لا يكون، وهو قادر على كل شيء.. فإن شاءه وقع وإن لم يشأه لم يقع مع قدرته على إيقاعه.

أيها المؤمنون: والقدر غيبٌ مبناه على التسليم، قال الله -عز وجل-: (... وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا) [الأحزاب:38]، وقال سبحانه (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) [القمر:49-50]، وقال جل في علاه: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) [الحجر:21]..

وفي صحيح مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل "، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (كل شيءٍ بقدرٍ حتى وضعك يدك على خدك).                          عباد الله: الإيمان بالقضاء والقدر يقوم على أربعة أركان مرتبطة ببعضها لا يقوم الإيمان إلا بتحقيقها، وهي: العلم والكتابة والمشيئة والخلق..

الركن الأول العلم فالعلم هو: الإيمان بأن الله -تعالى- عالمٌ بكل شيءٍ جملةً وتفصيلا أزلًا وأبداً يعلم الموجود والمعدوم والممكن والمستحيل، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [الحشر:22] (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة:255]، وقال -جل في علاه عن ذاته العلية:(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [الأنعام:59].

الركن الثاني مما يشتمل عليه الإيمان بالقدر: الكتابة؛ وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير الخلائق إلى يوم القيامة.. فكل ما كان وما هو كائنٌ مكتوبٌ في اللوح المحفوظ في أم الكتاب قال -سبحانه-: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج:70]، وقال -عز وجل (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) [يس:12]

عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " رواه مسلم.

الركن الثالث مما يشتمل عليه الإيمان بالقدر المشيئة ؛وهي الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة.. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون ولا هداية ولا إضلال إلا بمشيته -جل في علاه- ولا يمكن أن يقع في الكون حادثٌ صغيرٌ ولا كبيرٌ إلا بمشيئته -سبحانه-: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ) [القصص (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير:29].. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) مسلم ، قال عز وجل (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) [البقرة:253].

الركن الرابع -أيها المسلمون-: الخلق؛ وذلك يقتضي الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقةٌ لله بذواتها وصفاتها وحركاتها، وبأن كل من سوى الله فهو مخلوق موجد من العدم.. قال الله -عز وجل-: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ... ) [الزمر:62]، وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " إن الله يصنع كل صانع وصنعته " أخرجه البخاري .

اخوة الايمان: للإيمان بالقضاء والقدر ثمراتٌ تعود على المؤمن بالنفع العاجل والآجل والعبوديات والنفحات والمنازل التي تبلغه رضا الله وجنته..

فأول ذلك: أن المؤمن يؤدي عبادة لله -تعالى- بإيمانه بالقضاء والقدر وبالإذعان لله والتسليم له، كما أنه باعثٌ على الإخلاص.. فإذا علم العبد أن كل شيءٍ بقدر الله وأن الملك ملكه والخلق خلقه وكل شيءٍ مقاليده بيده وأن الأمور لا تُنال إلا بتقدير الله وأن الناس لا يملكون شيئًا.. لم يعد يبالي بذم الناس ومدحهم في الحق ولم يسخط الله برضا الناس ولم يتزين لهم، بل يزداد إخلاصًا وقصدًا لله لا تأخذه في الله لومة لائمة، ويعلم أن كل شيءٍ واقعٌ تحت قهر الله وسلطانه محكومٌ بقدره، وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه واله وسلم- قال: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك.. رُفعت الأقلام وجفت الصحف رواه الترمذي بإسناد صحيح.

وهذا يزيد إيمان المؤمن، قال الله -عز وجل-(مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن:11].. وفي قراءة: {يهدأ قلبه}..

قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من قِبل الله فيسلم ويرضى، ومن رضي عن الله رضي الله عنه، والرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين وقرة عيون المشتاقين إنه لا خروج للعبد عما قدر له، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو راضٍ محمودٌ ومشكورٌ ملطوفٌ به.. وإلاّ جرى عليه القدر وهو مذمومٌ مسخوط..

وهذا يفسر لك سكون القلب وطمأنينة النفس وراحة البال وبرد اليقين؛ فترى المؤمن يستقبل المصائب والآلام بنفسٍ رضيةٍ ونفسٍ مطمئنةٍ وسكينةٍ عجيبة، إن الإيمان بالقدر يفلح في تهدئة الأعصاب أكثر مما تفلح كل المسكنات والعقاقير الطبية.

احباب النبي صلى الله عليه واله وسلم: ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر أن يمتلئ القلب شجاعةً وإقدامًا؛ فلن تموت نفسٌ حتى تستكمل رزقها وأجلها، ولن يصيب الإنسان إلا ما كُتب له. فعلام الخوف والقلق؟ "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك " وكذلك القناعة وعزة النفس؛ فالرزق لا يجلبه حرص حريص ولا يمنعه حسد حاسد، وهذا يؤدي إلى القناعة والإجمال في الطلب وإلى التحرر من رق الخلق ومنتهم والحاجة إليهم والاكتفاء من الدنيا بالبلاغ؛ فتعلو همة المؤمن وتزكو نفسه ولا يحسد أحدًا على عطاء أعطاه الله إياه لعلمهم أن الله يعطي ويمنع ويخفض ويرفع، ومن حسد غيره فإنه معترض على قضاء الله وقسمه: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ)

نعم أيها الاخوة المسلمون حفظكم الله ورعاكم /الإيمان بالقضاء والقدر يدعو للتفاؤل والإيمان بالنصر القادم والفرج العاجل،: " واعلم أن النصر مع الصبر.. وأن مع العسر يسرا "؛ فلا يأس ولا قنوط: (... وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) [يوسف:87].

ومن ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر انه يجعل المؤمن صابرًا قوي الاحتمال، وكل أحد لا بد له من الصبر.. فهو من جميل الخلال ومحمود الخصال ومن سمات الرجال، ومن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم.. قال عمر -رضي الله عنه:-(وجدنا خير عيشنا بالصبر)؛ لذا تجد المؤمن بالقضاء والقدر صبورًا متجلدًا يتحمل المشاق ويتجاوز المصاعب والآلام.. بخلاف ضعيف الإيمان الذي لا يقوى على الاحتمال ولا يصبر على ما يعترضه فيجزع لأتفه الأسباب، بل ربما أدى به الجزع إلى الوساوس والأمراض النفسية والهرب إلى المخدرات والانتحار. ولو آمن بالقضاء والقدر لرأيت قوة الرجاء وإحسان الظن بالله.. فإن الله تعالى لا يقضي قضاءً إلا وفيه تمام العدل وكمال الرحمة والحكمة؛ فلا يتهم ربه فيما يجري عليه من أقضيته وأقداره؛ وذلك يوجب له استواء الحالات عنده ورضاه بما يختاره له ربه عز وجل وينتظر الفرج ويترقبه، بل يخفف ذلك من حمل المشقة.. لا سيما مع قوة الرجاء فإن في حشو البلاء من روح الفرج ونسيمه وراحته ما هو خفي الألطاف، بل هو فرجٌ معجل.. والتأمل في قدر الله يكشف للإنسان حكمة الله فيما يقدره من خيرٍ أو شر: ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة:216]؛ فيفوض العبد أمره إلى من يعلم عواقب الأمور.

أيها المسلمون: ومن آثار الإيمان بالقضاء والقدر: التوكل على الله، وهو نصف الدين ولب العبادة والتوكل.. هو توجه القلب إلى الله واستمداد المعونة منه والاعتماد عليه وحده بعد بذل السبب..

التوكل يعني الثقة بالله والطمأنينة به والسكون إليه، وهو التعلق بالله في كل حال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ... ) [الفرقان:58]، (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ...) [الطلاق:3].

التوكل لا يعني ترك الأسباب، بل يعني عدم تعلق القلب بها.. فإذا عزمت فتوكل على الله، والشريعة أمرت العامل بأن يكون قلبه منطويًا على انفراد التوكل، فإذا استضاء به أمده الله بالقوة والعزيمة والفهم والبصيرة والصبر والتوفيق وصرف عنه الآفات وأراه من حسن العواقب ما لم يكن ليصل إليه الإنسان لولا توفيق الله، وهذا يريح الإنسان من الأفكار والوساوس ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى، وعلى قدر تجريد التوحيد تكون صحة التوكل، ومن التفت إلى غير الله نقص توكله.. قال ابن القيم -رحمه الله-: " الثقة بالله تنافي الركود والعجز؛ فإن الواثق بالله يفعل ما أمره الله ويثق بالله في طلوع ثمرته وبركتها كغارس الشجرة وباذر الأرض، والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود " وعن جابر رضي الله عنه قال: " جاء سراقة بن مالك بن جعشم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن. فيم العمل اليوم؟ أفيم جفت به الأقلام وجرت المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ فقال: اعملوا؛ فكلٌّ ميسرٌ لما خلق له "، وفي رواية: " كل عاملٍ ميسرٌ لعمله " رواه مسلم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.. أقول قولي هذا وأستغفر الله -تعالى- لي ولكم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله.. الحمد لله الذي استأثر بالخلق والتدبير.. له ملك السموات وهو اللطيف الخبير، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله البشير النذير والسراج المنير.. اللهم صل الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.

أيها الاخوة المؤمنون ان للإيمان بالقضاء والقدر فوائد عديدة

فمن فوائد الإيمان بالقضاء والقدر أن الإيمان به هو من الإيمان بالله والرضا به ربًّا سبحانه؛ لأن توحيد الربوبية هو توحيد الله بأفعاله، ومقادير الخلائق من أفعال الله.

ومن الفوائد: أن الرضا بالقضاء والقدر يوجب صدق الاعتماد على الله -عز وجل-، بأن يتوكل العبد على ربه ويعلم أن الأمر من عند الله، وكله بقضائه وقدره، فلا يتعلق بالمخلوقين ولا يرجوهم ولا يخافهم ولا يسترزقهم، والله عز وجل يقول: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ)، ويقول (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، فإذا صح إيمان العبد فلا يكذب ولا يغضب ربه من أجل المال أو متاع هذه الدنيا الرخيص الفاني، وإذا صدق العبد في توكله على ربه لم يخف من المخلوقين لأنهم لا يملكون له خيرًا ولا نفعًا ولا قوتًا ولا حياة، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

أي يومي من الموت أفر *** يـوم لا قدر أم يوم قـدر

يـوم لا قـدر لا أرهبه *** ومن المقدور لا ينجو الحذر

عباد الله: ومن فوائد الإيمان بالقضاء والقدر: دخول الطمأنينة والسكينة في القلب، وانشراح الصدر باستقبال ما أصابك، فكله من الله، فحينئذ لا تكدر المؤمن الهموم والأحزان والحسرات والشكوى للمخلوقين، فيظل المؤمن مرتبط القلب بربه، راضيًا بقضائه وقدره، مستيقنًا أن اختيار الله له أفضل مما اختاره لنفسه، فيرضى المؤمن بالمصائب دون المعائب، فالمعاصي والفسوق لا يرضاها بل يجب محاربتها والابتعاد عنها؛ قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].

ومن الفوائد: أن العبد لا يعجب بعمله الصالح ولا بما يقوم به من طاعات وقربات، فلا ينسب الفضل لنفسه، ويتعاظم ويحتقر من هو دونه، بل ينسب الفضل كله لله، فإن الله سبحانه هو الموفق لذلك، وهو المعين، فكل ما صدر من العبد، فهو من الله؛ قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ) [النحل: 53].

ومن الفوائد: أن يبشر المؤمن بالخير والحياة الرضية الطيبة في الدنيا والآخرة إذا صدق مع ربه في نياته وأقواله وأفعاله، وليطمئن أنه سيجد أمامه ما قدمت يداه، وأن الله لا يظلم مثقال ذرة، وأنه يجازي على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن الله يقبل توبة من تاب وأناب إليه صادقًا في توبته يريد رضا ربه والوصول إلى جنته، قال تعالى: (لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [الرعد:18].

عباد الله اعلموا ان كل ما يصيبنا انه مكتوب قال عز وجل  (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 51]، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23]، (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) [آل عمران: 8].

هذا، وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة محمد بن عبد الله رسول الله ومصطفاه، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ورسولك سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين، اللهم انصر من نصر الدين واخذل الطغاة والملاحدة والمفسدين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا ففيمن خافك واتقاك واتبع رضاك. اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المسلمين المستضعفين في كل مكان يارب العالمين. اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين ونفس كرب المكروبين وفك أسر المأسورين واقض الدين عن المدينين واشف برحمتك مرضانا ومرضى المسلمين. اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسر أمورنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم ولجميع المسلمين، ربنا ظلنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. اللهم لا تحرم اليمن من نعمة الأمن والأمان اللهم لا تحرم اليمن  من نعمة الرخاء والاستقرار اللهم اجعل اليمن أمناً أماناً سخاءاً رخاءاً وجميع بلاد المسلمين اللهم ولي أمورنا خيارنا ولا تولي أمورنا شرارنا اللهم من ولي من أمر المسلمين شيئاً فرفق بهم فارق به ومن ولي من أمر المسلمين شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه برحمتك يا رب العالمين اللهم احفظ اليمن ،اللهم احقن دماء اليمنيين ولم شعثهم ووحد صفهم وألف بين قلوبهم، اللهم امكر بمن يمكر بيمننا وشعبنا وانتقم من المعتدين على شعبنا انك على كل شيء قدير

اللهم لا تدع لأحد منا في هذا المكان المبارك ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا طائعاً إلا ثبته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين! اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سبباً لمن اهتدى.. اللهم أقلنا وتقبل منا وتب علينا وارحمنا إنك أنت التواب الرحيم!

عباد الله : [إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90(وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)] سورة النحل ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

مراقبة الله وتقواه

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الزَّلَّاتِ وَمُقِيلِ الْعَثَرَاتِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ فِي الْوُجُودِ بِحَقٍّ سِوَاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، ص

التغيير الاجتماعي وصراع القيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور وتبارك الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وكل شيء عنده بأجل مقدر وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي بشر وأنذر صلى الله عليه وعلى آله وأصح

النظرة الايجابية واثرها

الحمد لله الذي أمر عباده بالجد والاجتهاد، والسعي لما فيه مصلحة العباد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك جعل السعي إلى الكمال الإنساني طبيعة بشريّة، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، علّم أمته معاني الهمّة والعزيمة، والايجابية وغرس فيهم قوة الإرادة والشكيمة