أيتها القلوب الطيبة.. هذه العشر فبادروا

التاريخ: السبت 3 سبتمبر 2016 الساعة 04:51:36 مساءً

كلمات دلالية :

الحج
أيتها القلوب الطيبة.. هذه العشر فبادروا

منة من الرحمن - سبحانه - أن جعل لنا أوقاتاً مباركة، تسعد فيها الارواح، وترتاح النفوس، وتهدأ القلوب، ويعيش فيها المؤمنون بيئة إيمانية صالحة، تعينهم على التوبة والإصلاح، والإيجابية والعبودية..

وتمر على النفس أوقات وأيام تكون فيها أقرب ما تكون إلى العودة إلى الله وبناء عهد جديد معه - سبحانه -، وتعد هذه العشر من ذي الحجة أنسب ما يكون لتلك الأوبة وخلاص التوبة.

لقد جمعت تلك الأيام العشر الخير من أطرافه، فهي خير الأيام وأعلاها مقاما.

- أقسم بها الله - سبحانه - في كتابه بقوله تعالى: (وليال عشر) إذ يقول جمهور المفسرين: إن مقصودها عشر ذي الحجة. 

ورفع النبي - صلى الله عليه وسلم - شأن العمل الصالح فيها أيما رفعة حين قال: (( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر )) أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه.

وقال أيضاً - صلى الله عليه وسلم -: (( ما من عمل أزكى عند الله - عز وجل - ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر الأضحى)) رواه الدارمي عن ابن عباس وحسنه الألباني.

وأمر فيها - صلى الله عليه وسلم - بكثرة الذكر، إذ يقول - صلى الله عليه وسلم -: (( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)). أخرجه أحمد عن ابن عمر.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة فقد أخرج النسائي وأبو داود وصححه الألباني عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، أول اثنين من الشهر وخميسين"، قال الإمام النووي عن صوم أيام العشر: "إنه مستحب استحباباً شديداً"

وأمر بصيام يوم عرفة فقد روى مسلم عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: (( يكفر السنة الماضية والباقية )) وروى الطبراني عن ابن عمر أنه قال: " كنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نعدله بسنتين " وصححه الألباني. 

يقول الإمام ابن حجر في فتح الباري: والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره.

وكان التابعي الجليل سعيد بن جبير " إذا دخلت العشر اجتهد اجتهاداً حتى ما يكاد يقدر عليه"، وروي عنه أنه قال: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر" يريد قراءة القرآن وصلاة الليل.

وقال بن رجب الحنبلي: "لما كان الله - سبحانه - قد وضع في نفوس عباده المؤمنين حنيناً إلى مشاهدة بيته الحرام وليس كل أحد قادراً على مشاهدته كل عام فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركاً بين السائرين والقاعدين".

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟

فأجاب: "أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة".

وقال ابن القيم مقارناً بين فضل تلك الأيام: "خير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر" كما في سنن أبي داود عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر)). ويوم القر هو يوم الاستقرار في منى، وهو اليوم الحادي عشر، وقيل: يوم عرفة أفضل منه؛ لأن صيامه يكفر سنتين، وما من يوم يعتق الله فيه الرقاب أكثر منه في يوم عرفة، ولأنه - سبحانه وتعالى - يدنو فيه من عباده، ثم تباهي ملائكته بأهل الموقف "

لقد جمعت هذه العشر حقاً الخير من أطرافه، فصارت بحق جماعاً للخير، فما من عمل صالح إلا ويستحب فيها، وما من أيام هذا العمل الصالح فيها خير منها.. فهي خير محض للنفس الطاهرة النقية، وهي دورة روحية إيمانية تتبوأ من العام مكان الصدارة من حيث خيرية الأيام.

أما من وفقه الله لحج بيته فقد وفقه إلى خير ما يحب، وقد اختاره ليغسله من ذنوبه ويرجعه إن أخلص نيته وأحسن حجه كيوم ولدته أمه، ويسر له أن يفتح سجلاً جديداً أبيض يبتدئ فيه عهداً إيمانياً جديداً.

فثياب الإحرام تخرجه من حيز رؤية المتاع وتضعه في حيز رؤية الكفن، فلا زينة خداعة، ولا شهوة مغفلة، ولا صراعاً أحمق على الدنيا الزائلة، فالكل في ثوب الإحرام سواء تماماً كما هم في الثوب الأخير، والكل خائفون من الذنب راجون الرحمة التي وسعت كل شيء.

وليعلن المؤمنون يوم الحج إعلاناً عالمياً في وقت تنزف فيه الأمة وتسيل دماؤها أن شعوب المسلمين في كل أنحاء الأرض هم على قلب واحد، ومنهج واحد، وهدف واحد.. يعبدون رباً واحداً، يرجون رحمته ويخافون عذابه، فليخسأ عندئذ الشيطان وأولياؤه، وليعتز كل مسلم بدينه، ذاك الدين الذي يعلوا؛ إذ إن الله مولاه وأعداؤه لا مولى لهم.. !!

وفي ذات الوقت الذي يثج فيه الحجيج دماء هديهم.. وينهر المضحون دماء أضاحيهم يوم النحر وتعلوا في الآفاق أصوات التكبير.. يقدم الشهداء الصالحون في كل ربوع الأرض دماءهم ونفوسهم طيبة رخيصة لوجه الله ربهم، فتبتسم شفاههم عند آخر أثر للروح، ويستقبلون الآخرة يثج منهم الدم.. اللون لون الدم.. والريح ريح المسك.

تعظيم حرمة الظلم في الأشهر الحرم

حرم الله الظلم في جميع الأوقات وخص الله بعض الأوقات بتشديد الحرمة وتغليظ العقوبة" إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِن

نحو رمضان مختلف (شياطين غير مصفدة )

وعدنا الله تعالى بتصفيد شياطين الجنّ في رمضان، حيث الوسوسة في أضعف حالاتها ودافع الخير داخل المسلم في أعلى درجاته، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَاب جَهَنَّمَ ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ" رواه البخ

نحو رمضان مختلف (ليل فسيح)

ليل رمضان ليس كأي ليل في بقية الشهور، ولعل عطر القرآن فيه قد فاح حتى ملأ الأجواء والقلوب والنفوس والأراوح من طيبه وعبقه، فصارت الأنفاس فيه غير الأنفاس والنجوم غير النجوم والسواد غير السواد. مغبون من حرم نفسه من استنشاق عطره وعبيره، لينغمس في استنشاق روائح الطعام والشراب الطيب