تربية الطفل على التحكم في النفس

التاريخ: الأربعاء 17 اغسطس 2016 الساعة 04:39:37 مساءً

كلمات دلالية :

الابناءالتربية
تربية الطفل على التحكم في النفس

مساكين أطفالنا في عالم اليوم، نطالبهم بالتركيز في دراستهم، ولكن الدنيا حولهم تعج بالمؤثرات التي تفعل المستحيل لاجتذاب اهتمامهم، الهاتف الذي لا يتوقف عن إرسال الإشارات بالضوء والرنين والاهتزاز بأن اتصالاً جاء، أو رسالة نصية أو صوتية وصلت، أو تعليقًا ينتظر القراءة. لم يعد غالبيتهم يتخيلون حياتهم بدون واتساب وانستجرام وفيسبوك وتويتر، لذلك فهم في حالة دائمة من الترقب، وإذا لم يأت شيء من ذلك، فإن ذلك لا يعني زيادة قدرتهم على التركيز، بل على العكس يزيد قلقهم ويشعرون بالخوف من العزلة عن العالم الافتراضي، الذي أصبح وطنهم الأول الذين يعيشون فيه. فهل إلى خروج من هذه الحلقة المفرغة من سبيل؟

يشير العالم الألماني يواخيم باور، أستاذ طب الأعصاب بجامعة فرايبورج، وصاحب حوالي 200 من المؤلفات العلمية، بعضها من أكثر الكتب مبيعا، في كتابه الصادر مؤخرًا بعنوان «التحكم في النفس - إعادة اكتشاف الإرادة الحرة»، إلى أن هذه الأوضاع السائدة، جعلت الكثير من الشباب يشعر بمعاناة من عدم القدرة على الخلو بالنفس والاسترخاء بعيدًا عن المؤثرات، واللجوء إلى إغلاق الهاتف أو فصله عن الشبكة العنكبوتية على الأقل، كما يحذر باور من الزيادة المتنامية في أعداد الشباب الذين اكتشف الأطباء أنهم مصابون باضطرابات في التركيز.

سلوكان مختلفان

يذكر باور أن الباحثين في علم النفس وعلم الأحياء العصبي قد توصلوا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، إلى أن هناك نظامين أساسيين في داخل الحياة العصبية للإنسان: النظام الأول يتحرك من أسفل إلى أعلى، أي ينطلق من الغرائز ويسعى للتفاعل الفوري مع المؤثرات، لإشباع الاحتياجات المختلفة، والآخر يتحرك من أعلى إلى أسفل، وهو نظام عصبي للتحكم في السلوك، يجعل الإنسان قادرًا على التروي، وأن يتحمل بعض الإحباط اللحظي، في سبيل تحقيق هدف بعيد المدى، يكون أكثر فائدة من السعادة الفورية.

ويوضح العالم الألماني أن النظام الأول ينطلق من منطقة تقع في أعماق المخ، هي مركز الشعور بالخوف والعدوانية، وكذلك بالمشاعر الممتعة، والذي يطلق عليه أيضًا اسم مركز المكافأة، وهو الذي يدفع الإنسان لخفض الشعور بالتوتر لديه، من خلال إشباع الاحتياجات الجسدية، والذي يجعلنا نتفاعل مع كل مؤثر بصورة تلقائية، والقبول بأول ما يتوفر للإنسان، لتحقيق هذا الهدف، ليشعر بعدها بحالة من السعادة والخمول. وفي المقابل يرتبط النظام الثاني بمركز في المخ يقع خلف الجبهة مباشرة، أو ما يعرف باسم (الفص الجبهي)، وهو ما يدعو الإنسان للترقب ومقارنة العروض المختلفة، ويحثه على التنازل عن إرضاء لحظي للمتطلبات لصالح فوائد أكبر في وقت متأخر.

وينظر باور إلى النظام الثاني باعتباره معجزة حقيقية، لأن الشبكات العصبية في هذا الجزء من المخ لا تجعل الإنسان قادرًا على تحقيق إنجازات عقلانية رفيعة فحسب، مثل توجيه الاهتمام لما يشاء، والتعرف على القواعد السارية في العالم الخارجي، وامتلاك القدرة على التحول الفوري بما يتناسب مع القواعد الجديدة، وتخطيط التصرفات، والموازنة بين العديد من الأهداف التي يمكن أن تحققها تصرفاتنا.

بل إن العالم الألماني يرى أن هناك إنجازًا أهم، يتحقق من خلال هذا النظام، وهو أن يكتسب الإنسان مهارات تدعم التعايش الاجتماعي المشترك، لأن الفص الجبهي قادر على تخزين المعلومات عن الصورة التي يرى بها الآخرون السلوكيات التي يقوم بها الشخص نفسه، مما يجعل الإنسان قادرًا على تبديل الزاوية التي ينظر منها للأحداث، ليراها بأعين الآخرين، والتي بدونها لا يستطيع الإنسان أن يفهم من حوله فهمًا جيدًا، ولا أن يشاركهم مشاعرهم وأحاسيسهم.

الإنسان والفطرة

يستنكر باور آراء بعض العلماء الذين يزعمون أن الإنسان لا يكون على فطرته الأصلية إلا حين يتبع النظام الأول، أي حين ينساق وراء عوامل الإثارة دون تمهل أو ترو، أما في حالة التحكم في النفس والشعور بالآخرين وامتلاك المهارات الاجتماعية، فإنه يكون متأثرا بغلاف حضاري رقيق، يغطي حقيقته.

ويوضح العالم الألماني أن المركز المتعلق بالنظام الثاني موجود في الإنسان منذ ولادته، والذي يجعله قادرًا على اكتساب بعد الرؤية، ومراعاة مختلف جوانب الموضوع، والتعاون مع الآخرين، مما يجعل هذا المركز جزءًا أساسيًا من الطبيعة الإنسانية، بل إنها هي التي تميز الإنسان على الحيوان، الذي ينساق مباشرة وراء كل ما يثيره، إلا أن باور ينبه إلى أن الإنسان لا يمتلك هذه القدرات عند مولده، بل يكون لديه الاستعداد لاكتسابها، بحيث يتمكن من التحكم في المؤثرات من حوله، وتوجيه اهتمامه بإرادته، وتخطيط تصرفاته انطلاقًا من بعد نظره، وتغيير زاوية الرؤية للأمر.

ويذكر أن الجهاز العصبي للإنسان يتبع قاعدة: (إما أن تستخدمها أو تفقدها Use it or lose it)، ويوضح ذلك بأن الشبكات العصبونية تحتاج إلى التدريب والاستخدام المستمر، حتى تكون قابلة للتشغيل، وهذه الخاصية القائمة على ضرورة استخدام المهارات عن طريق التدريب المستمر، حتى لا نفقدها، لا تقتصر على هذه الشبكات فحسب، فالجهاز الحركي عند الإنسان، يتأثر سلبًا، إذا لم يستخدمه الإنسان باستمرار، وضرب على ذلك مثلا بالأطفال الذين جرى احتجازهم في دور المعاقين ذهنيًا في رومانيا قبل انهيار الشيوعية، وكانوا مقيدين طوال الوقت، ومحرومين من الحركة، فضمرت عضلات أرجلهم، ولم يعودوا قادرين على المشي على الإطلاق، وتشوهت بنية أجسامهم.

ويخلص باور من ذلك إلى أن القدرة على التحكم في الانفعالات، تشبه القدرة على المشي والحركة، فإذا لم يقم أولياء الأمور والمعلمون وكل من يتولى تربية الأطفال، بالاهتمام بهذه المهارات والقدرات، فإنها تزول، وكما لا يجوز اعتبار تطوير مهارات الحركة وممارسة الرياضة، (قشرة حضارية رقيقة تغطي جوهر الإنسان)، فإن مهارات التحكم في النفس ليس منفصلة عن الطبيعة الأصلية للإنسان.

ويعتبر أن من يقصِّر أو يهمل في تربية الأطفال على اكتساب هذه القدرات، فإنه يرتكب ذنبًا كبيرًا في حق الطفل، الذي لم يحصل مخه على النضوج البيولوجي اللازم للعيش في هذه المجتمع المحيط بصورة أفضل.

الرضيع والصغير

وإذا كان النظام الأول القائم على التفاعل المباشر مع الإثارة متوفرًا في الإنسان من لحظة ولادته، فإن النظام الثاني لا يكون قابلاً للتشغيل في هذه المرحلة الأولى من العمر، رغم وجود الهياكل الأساسية له في المخ، ويبدأ في النضج في الفترة من سن 24 شهرًا إلى 36 شهرًا، مما يوضح سبب عدم قدرة الأطفال الرضع والصغار على التحكم في النفس، وعدم إدراك عواقب أفعالهم التلقائية.

ويحذر العالم الألماني بشدة من محاولة بعض أولياء الأمور أو غيرهم إجبار الصغار على التحكم في تصرفاتهم، من خلال حرمانهم من الحب، أو بفرض عقوبات عليهم، لأن ذلك يكون له عواقب كارثية على الأطفال الصغار، بل قد يتسبب مستقبلاً في تأخر اكتسابهم لهذه القدرات، أو حتى العجز عن اكتسابها كليًا.

ويطالب بأن يتبع المربون والمربيات نمطًا تربويًا مختلفًا تمامًا في العامين الأولين، خاصة في رياض الأطفال المخصصة لهذه المرحلة المبكرة جدًا من العمر، بسبب انشغال الوالدين بوظائفهما، ويشدد على ضرورة ألا تزيد نسبة الأطفال إلى المربيات في مختلف رياض الأطفال عن 3 إلى 1، لأن «الطفل يحتاج إلى من يراه بصورة فردية، بحيث ينشأ شعور بالنفس، وليس باعتباره مجرد واحد بين كثيرين، لأن من لا يملك الشعور بالنفس، لن يملك مستقبلاً أن يتحكم في نفس لا يعرفها».

من سن الثالثة

يشير باور إلى أن الطفل ينبغي أن يتعلم أن ينتظر، وأن يتقاسم مع الآخرين، وأن يتمالك نفسه من التفاعل مباشرة مع أي عوامل إثارة حوله، بشرط ألا يكون ذلك بصورة تعسفية، بل حينما تكون الظروف المحيطة تتطلب ذلك، أي عند وجوده في مجتمع أكبر من حيز الأسرة، ويكون هذا السلوك عاملاً مساعدًا في الاندماج مع الآخرين وتقبلهم له، وبذلك يشعر بالسعادة من تحقق الهدف الأبعد.

ويشدد على أن اكتساب القدرة على التحكم في النفس، لا يتحقق بين عشية وضحاها، بل هو عملية من الحوار والنقاش تستمر سنوات طويلة، وفي مواقف كثيرة، وهو ما نسميه (التربية)، وهذه التربية لا تحتاج لفرض عقوبات صارمة، بل ينبغي ويجب أن تجري في إطار من الود والحب الواضحين، ومن المهم جدًا أن يقدم المربي للطفل أو للفتى دومًا تبريرًا يوضح فائدة التحكم في النفس، ومميزات التروي والانتظار.

ومن المهم أن يسعى المربي ليقنع الطفل أو الصبي بجدوى التحكم في النفس، فإذا أمكن التوصل إلى إجماع حول صحة هذا السلوك، فإن هذا يجعل الأمر سهلاً، أما إذا رفض الطفل أو الصبي الاقتناع والاستجابة لتوجيهات المربي، فإنه من الضروري أن يتمسك المربي بموقفه، ويصر على وضع الحدود المناسبة، وعليه أن يطمئن بأن ذلك لن يؤدي إلى إلحاق الضرر بالطفل، بل على العكس من ذلك، تكون الاستجابة للطفل، والتنازل عن الهدف فور إظهار الطفل تضجره أو حتى من خلال صراخه خصوصًا عندما يكون هناك غرباء، سببًا في فشل الطفل في تعلم التحكم في النفس، مما يعود عليه بالضرر مستقبلاً.

إن الهدف من تعلم التحكم في النفس ليس تعذيب الطفل أو حرمانه مما يشتهيه، بل مساعدته على رؤية الأمور من أكثر من زاوية، لأن هذه الرؤية الشاملة والكلية، تساعده على الاندماج في العالم المحيط، واكتساب القدرة على تحقيق التوازن بين إشباع رغباته من ناحية، وبين بعد الرؤية للحصول على فائدة كبيرة على المدى الطويل، والحصول على تقبل الآخرين له.

وأعلن باور أن هناك دراستين علميتين استمرتا لعدة عقود، توصلتا إلى أن الأشخاص الذين لم يكتسبوا في طفولتهم القدرة على التحكم في الذات بدرجة كافية، تكون حظوظهم في سوق العمل وفي العلاقات الاجتماعية أسوأ من غيرهم، وأنهم يعجزون عن إقامة علاقات إنسانية قوية، ويكونون أكثر إقبالاً على الإدمان، ويتعرضون إلى المزيد من المخاطر الصحية، وأكثر عرضة للوقوع تحت طائلة القانون.

الصدق والثقة

عندما يعد الأب ابنه أن يكافئه إذا لم ينفق مصروفه اليومي فورًا، وإذا توقف عن شراء الحلويات من المقصف المدرسي، وأنه سيعطيه مبلغًا مماثلاً لما يقوم بادخاره طوال الشهر، فإذا جاء هذا الوقت، وقدم الابن لأبيه نتيجة اجتهاده في الادخار، لتحقيق الهدف المتفق عليه، فوجد الأب ينهره بسبب عدم مراعاته لحالته المادية، أو تجاهله تمامًا، وكأن هذا الاتفاق لم يحدث، فإنه من المؤكد أن الطفل سيفقد الرغبة في التحكم في النفس، مادام الهدف الذي تحمل من أجله وقاوم طويلاً، ظهر أنه غير حقيقي.

ويتوسع باور في هذا الأمر فيرى أن الطالب الذي يقضي سنوات عمره في التعلم والاجتهاد، حتى يحصل على شهادة جامعية بدرجات مرتفعة، على أمل أن يضمن له ذلك حياة وظيفية راقية، فإذا وجد الأبواب مغلقة أمامه، ووجد أن الاجتهاد وعدمه سواء، فإنه سيفقد الثقة في المجتمع ككل، وسيندم على كل ما حرم نفسه منه.

ولكنه يحذر في الوقت ذاته أن تؤدي الصعوبات في سوق العمل، إلى تخلي الوالدين عن تربية أطفالهم على التحكم في النفس، لأن فائدته لا تقتصر على هذا الجانب، بل هي الضمان الوحيد لقدرته على الاندماج في مجتمع، يتبع قواعد مشتركة، ويجب أن يلتزم بها الجميع.

ويقول العالم الألماني إنه من حق الوالدين أن يكون لهما نظرة ناقدة لعمل المدرسة، رغبة في تطويرها وإصلاحها، وبهدف تحقيق أفضل الفوائد التعليمية والتربوية لأطفالهم، لكنه يحذر بشدة من هدم الثقة بين الطرفين، أولياء الأمور والهيئة التدريسية، لأن انشغال الوالدين بأعمالهما في العصر الحديث، قد تسبب في انتقال المزيد من المهام التربوية من البيت إلى المدرسة والروضة، مما يجعل الاتفاق بين الطرفين على الأهداف التربوية أمرًا ضروريًا.

ويشير باور إلى أن التربية لا تعني فقط إغراق الصغار بالحب والاهتمام، بل يجب أن يتعلم الأطفال من سن الثالثة كيفية التحكم في النفس، وعندها سيكتشفون الآفاق الواسعة التي ستظهر أمامهم، حين يفتح لهم المجتمع أذرعه، فيشعرون بالقبول ممن حولهم، لاحترامهم القواعد التي تحكم العلاقات داخل المجتمع.

لعل البعض ينظر إلى آراء هذا العالم الألماني باعتبارها مثالية أو نظرية، لكن من يدقق النظر في أولاده وفي أولاد معارفه وأقاربه، سيرى كيف يتعامل المجتمع مع الطفل الذي نضجت لديه قدرات التحكم في النفس، والآخر الذي يتصرف بانفعال وبما يحقق رغباته فورًا.

في كل يوم جمعة أرى في المسجد الكبير في مدينة بون، الصغير والكبير ينصت بخشوع، لكن بعد انتهاء الصلاة يتحول مكان انتظار السيارات إلى ساحة قتال للخروج من هناك، ولا يفرق سائق سيارة بين شيخ وشاب، ولا بين امرأة مع أطفالها في السيارة، وبين رجل يجلس بمفرده، الكل يرى الشارع، ويريد أن يكون أول من يشق طريقه بين الجميع، ليخرج من مكان الانتظار، يبدو أن الكثيرين لم يتعلموا مهارة التحكم في النفس، ولا رؤية الأمر من زاوية الآخرين. التحكم في النفس سلوك تطبيقي، وليس كلامًا إنشائيًا في الصف أو على منبر المسجد.

لقاء الله وأثره في تربية الأبناء

أعلت المناهج التربوية الغربية والشرقية من قيمة المادة ، حتى جعلتها مدار المنهج التربوي ، فالناجح هو المنجز ماديا ، والفاشل هو المتأخر ماديا ، والميزات كلها قائمة على المادة سلبا وايجابا . وخرج أبناؤنا ليجدوا مجتمعات سيطرت عليها المادة ، وقللت من قيمة المبادىء والقيم ، فصار إيمان

أفكار تربوية جديدة في تربية الأطفال

الكثير من الاصدارات التربوية الحديثة تتضمن تكراراً لأفكار ونظريات متداولة بكثرة، ومن الكتب النادرة التي تتضمن بعض الأفكار الجديدة التي يتناقض بعضها مع الأفكار السائدة حول تربية الأطفال كتاب" تفكير جديد حول الأطفال" من تأليف ( أشلي ميريمان و بو برونسون) ونلخص لكم في هذا المقال أ

كيف نحول الشجار بين الآبناء من مشكلة إلى موقف تعليمي؟

يشكو الكثير من الآباء من مشكلة الشجار بين الأبناء، وتتحول إلى مصدر ضغط على الوالدين. ويتدخل في الغالب الوالدان لوقف الشجار بأساليب انفعالية تعكس حالة التوتر والقلق والانزعاج التي يشعر بها الوالدان، وتتسبب بعض الأساليب في قمع شخصية الأبناء ومنعهم من توضيح ملابسات الشجار وتحول دو